حكم التضحية بالطيور

تاريخ الفتوى: 12 أغسطس 2020 م
رقم الفتوى: 5898
من فتاوى: الأستاذ الدكتور / شوقي إبراهيم علام
التصنيف: الحج والعمرة
حكم التضحية بالطيور

ما حكم التضحية بالطيور؟ فإن بعضُ المتصدّرين يُرَوّج للقول بجواز التضحية بالطيور، وأن بعض الصحابة فعل هذا، فما مدى صحة هذا الكلام؟

لا  يجزئ في الأضحية إلا أن تكون من الأنعام؛ وهي: الإبل، والبقر، والغنم. والرأي القائل بجواز التضحية بكل حيوان يؤكل لحمه، رأي ضعيف، غير معتبر في الإفتاء، ومخالفٌ لعمل الأمة المستقر. وما ورد أن أحد الصحابة قال بجواز التضحية بالطيور غير صحيح؛ لأن النصّ الوارد عنه ليس على ظاهره،  وإن حُمِل على ظاهره فهو مجرد اجتهاد من الصحابي، لكنه مخالف لما قد صحَّ عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلا حجة فيه.

المحتويات

 

حكم الأضحية في الإسلام

الأضحيةُ شعيرةٌ من الشعائر ومعَلَمٌ من معالم الدين، وسنة من السنن المؤكدة؛ قال تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾ [الحج: 36]، وقال تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: 2]؛ قال الإمام البيضاوي في "تفسيره" (5/ 342، ط. دار إحياء التراث العربي): [قد فُسِّرت الصلاةُ بصلاة العيد، والنحر بالتضحية] اهـ.

وروى الشيخان عن أنس بن مالك رضي الله عنه "أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يُضَحِّي بكبشين أملحين، أقرنين، ويُسَمي، ويُكَبِّر، ويضع رجله على صفاحهما". وفي لفظ: "ذبحهما بيده".

وروى ابن ماجه عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَا عَمِلَ ابْنُ آدَمَ يَوْمَ النَّحْرِ عَمَلاً أَحَبَّ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ هِرَاقَةِ دَمٍ، وَإِنَّهُ لَيَأْتِى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِقُرُونِهَا وَأَظْلاَفِهَا وَأَشْعَارِهَا وَإِنَّ الدَّمَ لَيَقَعُ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ بِمَكَانٍ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ عَلَى الأَرْضِ فَطِيبُوا بِهَا نَفْسًا».

وفي الأضحية إحياءٌ لسنة سيدنا إبراهيم الخليل عليه السلام؛ إذ أوحي إليه بأن يذبح ولده إسماعيل، فلما بادر بالامتثال فدى اللهُ تعالى ولدَه بكبش، فذبحه بدلًا عنه؛ قال تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: 107].

ما يجزئ في الأضحية من الحيوانات

الأضحية لا يُجْزِئ فيها إلا أن تكون من الأنعام؛ والدليل على ذلك: قوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: 34]؛ وهي: الإبل، والبقر، والغنم. وقد ذُكِرَت في قول الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر: 6]، وفي موضع آخر يقول تعالى: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِين َ۞ وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْن﴾ [الأنعام: 143، 144].

والنُّسُك يعمّ الهدي والأضحية جميعًا؛ لما رواه الشيخان عن البراء بن عازب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «وَمَنْ ذَبَحَ بَعْدَ الصَّلاَةِ فَقَدْ تَمَّ نُسُكُهُ» قاله في الأضحية، فدلّ على اختصاصها ببهيمة الأنعام. انظر: "إعلاء السنن" للتهانوي (17/ 207-208، ط. إدارة القرآن والعلوم الإسلامية بباكستان).

ولم يُنْقَل أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلّم قد ضحّى بغيرها، والذي وردَ هو حديث أنس السابق عند الشيخين، وفيه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ضحى بكبشين أملحين.

وقوله صلى الله عليه وآله وسلم في حديث ابن ماجه السابق: «مَا عَمِلَ ابْنُ آدَمَ يَوْمَ النَّحْرِ عَمَلاً أَحَبَّ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ هِرَاقَةِ دَمٍ، وَإِنَّهُ لَيَأْتِى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِقُرُونِهَا وَأَظْلاَفِهَا وَأَشْعَارِهَا» يشيرُ إلى أنَّ المُعْتَبَر في الدماء ما كان من بهيمة الأنعام؛ بدليل قوله: «وَإِنَّهُ لَيَأْتِى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِقُرُونِهَا وَأَظْلاَفِهَا وَأَشْعَارِهَا»، وما سوى الأنعام ليس له قرون ولا أظلاف ولا شعر.

بل لمّا أراد بعض الصحابة أن يضحّي بماعِز دون السن المطلوب؛ قال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «اذْبَحْهَا وَلَنْ تَصْلُحَ لِغَيْرِكَ» رواه البخاري، وفي رواية: «وَلَنْ تُجْزِئَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ» رواه أبو داود.

وروى مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لاَ تَذْبَحُوا إِلاَّ مُسِنَّةً إِلاَّ أَنْ يَعْسُرَ عَلَيْكُمْ فَتَذْبَحُوا جَذَعَةً مِنَ الضَّأْنِ».

قال الإمام النووي في "شرح مسلم" (13/ 117، ط. دار إحياء التراث العربي): [قال العلماء: المُسِنَّة هي الثَّنِيّة من كل شيء من الإبل والبقر والغنم فما فوقها] اهـ.

ولنا في الاستدلال ملحظٌ آخر وهو أن النبي صلى الله عليه وآله وسلّم ضحى بالضأن، مع كون التضحية بالبقر أفضل منها، والتضحية بالإبل أفضل من الكلّ، ودليل الأفضلية: ما رواه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ ثُمَّ رَاحَ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ»؛ فجعل الساعة الأولى للإبل، والثانية للبقر، والثالثة للغنم، ومعلوم أن مشقة الساعة الأولى أعظم، ومن هنا دلّ هذا الحديث على تفضيل الإبل على البقر والغنم.

قال الحافظ ابن عبد البر في "التمهيد" (22/ 30، ط. وزارة الأوقاف المغربية): [فبان بهذا الحديث أن التقرب إلى الله عز وجل بالإبل أفضل من التقرب إليه بالبقر، ثم بالغنم؛ على ما في هذا الحديث] اهـ.

فترْكُ النبي صلى الله عليه وآله وسلم للأعلى يمكن أن يكون لأنّه أراد الاقتصار على الحدّ الأدنى الأيسر على الناس؛ رفقًا بالأمة، ولو كان يمكن النزول عن جنس الغنم إلى الطير مثلًا لفَعَلَه النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

وهذا هو مقتضى النظر؛ فالأضحية عبادة تتعلق بالحيوان، فاختصت بالنعم، كالذكاة؛ فإنها عبادة تتعلق بالحيوان، فاختصت بالنعم. انظر: "حاشية البيجوري الفقهية" (2/ 304، ط. مصطفى الحلبي).

حكم التضحية بالطيور

حكى غير واحد من العلماء الإجماع على عدم صحة الأضحية بغير الأنعام؛ فقال الإمام ابن عبد البر في "التمهيد" (23/ 188): [والذي يُضَحَّى به بإجماع من المسلمين الأزواج الثمانية؛ وهي: الضأن، والمعز، والإبل، والبقر] اهـ.

وقال الإمام أبو القاسم الرافعي في "العزيز" (12/ 62، ط. دار الكتب العلمية): [وتختص التضحية بالأنعام إجماعًا] اهـ.

وقال الإمام النووي في "المجموع" (8/ 394، ط. المنيرية): [نقل جماعة إجماع العلماء عن التضحية لا تصحُّ إلا بالإبل أو البقر أو الغنم، فلا يجزئ شيء غير ذلك] اهـ.

وقال العلامة ابن رشد في "بداية المجتهد" (2/ 193، ط. دار الحديث): [وكلهم مجمعون على أنه لا تجوز التضحية بغير بهيمة الأنعام، إلا ما حكي عن الحسن بن صالح أنه قال: تجوز التضحية ببقرة الوحش عن سبعة، والظبي عن واحد] اهـ.

وممن نقل الإجماع كذلك شيخ الإسلام زكريا الأنصاري في "أسنى المطالب" (1/ 535، ط. دار الكتاب الإسلامي)، والشيخ الخطيب الشربيني في "مغني المحتاج" (6/ 125، ط. دار الكتب العلمية)، والأمير الصنعاني في "سبل السلام" (2/ 537، ط. دار الحديث).

والرأي القائل بجواز التضحية بكل حيوان يُؤْكَل لحمه رأي شاذّ لم يُعَوِّل عليه أهل العلم، حتى رأيناهم قد حكوا الإجماع على خلافه متجاوزين إياه.

وقد صَرّح بهذا الإمام ابن عبد البر في "الاستذكار" (5/ 321، ط. دار الكتب العلمية)؛ فقال: [وقد أجمع العلماء أنه لا يجوز في العقيقة إلا ما يجوز في الضحايا من الأزواج الثمانية، إلا من شذّ ممن لا يُعَدّ خلافًا] اهـ.

وما ورد في "مصنف عبد الرزاق" بسند ظاهره الصحة عن بلال رضي الله عنه من قوله: "مَا أُبَالِي لَوْ ضَحَّيْتُ بِدِيك، ولأن أتصدق بثمنها على يتيم أو مُغَبَّر أحب إليّ من أن أضحي بها"، يحتمل أنه قد أراد الإشارة إلى أن الأضحية ليست بواجبة، لا أنه على حقيقته. انظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (5/ 230).

وأما لو حمل على ظاهره فهو مجرد اجتهاد من الصحابي، لكنه مخالف لما قد صحَّ عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أنه آثر الأضحية على التصدق بثمنها في أيام النحر، وقال: «مَا عَمِلَ ابْنُ آدَمَ يَوْمَ النَّحْرِ عَمَلاً أَحَبَّ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ هِرَاقَةِ دَمٍ» رواه ابن ماجه، فلا حجة فيه.

الخلاصة

عليه: فإن الأضحية لا يُجْزِئُ فيها إلا أن تكون من الأنعام؛ وهي: الإبل، والبقر، والغنم، والرأي القائل بجواز التضحية بكل حيوان يؤكل لحمه، رأي ضعيف، غير معتبر في الإفتاء، ومخالف لعمل الأمة المستقر.

والله سبحانه وتعالى أعلم.

ما حكم التصديق بالأحوال الجوية المتوقعة للطقس، كالصادرة عن الهيئة العامة للأرصاد الجوية؟ وهل تُعدُّ من قبيل التنجيم المنهي عنه شرعًا؟


يقوم بعض الناس بعمل وليمة الفرح بصورة فيها مبالغة؛ فما حكم ذلك شرعًا؟ وما حدّ الإسراف وعدم الإسراف في هذا الأمر؟


كنت أقرأ في بعض كتب الحديث، فتفاجأت بواقعةٍ حدثت وقت موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ حيث طلب أن يكتب للمسلمين كتابًا لكي لا يضلوا بعده، فرفض بعض الصحابة ذلك وعلى رأسهم الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وتعالت أصوات الصحابة عنده حتى طردهم جميعًا من عنده. فكيف نستطيع أن نرد على هذه الشبهة، وماذا نفعل في الحديث الصحيح الذي بين أيدينا؟


هل تصح الأضحية بخروف ليس له قرن، أو شاة؟


اطلعنا على كتاب مدير العلاقات العامة بوزارة الأوقاف الذي طلب فيه الإفادة بالرأي على ما نشر بجريدة الأخبار ضمن باب يوميات الأخبار بعنوان "قرآن عربي بحروف لاتينية"، وملخص ما نشر بالجريدة المذكورة: أن أحد المحاسبين يقوم بإعداد مشروع يرمي إلى تمكين المسلمين في كل أقطار العالم من قراءة القرآن الكريم وتلاوته تلاوة صحيحة مهما اختلفت جنسياتهم ولغاتهم؛ وذلك عن طريق كتابته بحروف لاتينية تطابق في نطقها النطق العربي السليم للآيات الكريمة مع الاستعانة بتسجيلات صوتية للتلاوة والتفسير يستعين به قارئو الكتاب الكريم، ويقول المحاسب: إن عملية التمويل سيقوم بها بنك الأفكار بالإضافة إلى بعض الحكومات الإسلامية التي تبدي اهتمامها بالإسهام في هذا العمل.


ما حكم من اقترض للحج والعمرة ولم يسدد ولم يزر قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟ فقد قام شخص بأداء مناسك الحج عام 1991م، إلا أنه اقترض من أخيه المقيم بالسعودية مبلغ خمسمائة ريال في هذه الأثناء ولم يسددها حتى الآن، وأخوه قد توفي وله أولاد، فهل حجه صحيح؟ واقترض أيضًا من أخيه المقيم بالسعودية مبلغ ثمانمائة ريال سنة 1988م لأداء مناسك العمرة ولم يسددها حتى الآن، فهل عمرته صحيحة؟ وفي أثناء حجه لم يزر قبر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.


مَواقِيتُ الصَّـــلاة

القاهرة · 11 فبراير 2026 م
الفجر
5 :11
الشروق
6 :38
الظهر
12 : 9
العصر
3:17
المغرب
5 : 40
العشاء
6 :59