حكم استنساخ النباتات - الفتاوى - دار الإفتاء المصرية - دار الإفتاء

حكم استنساخ النباتات

حكم استنساخ النباتات

نرجو منكم بيان الحكم الشرعي في عملية استنساخ الأشجار والنباتات. حيث أحدث التقدم التقني ثورةً هائلةً في علم الزراعة والنباتات على مَرِّ العصور والدهور، ومِن جملة ما أحدثته هذه الثورة ويسعى البحثُ العلمي في تطويره والاستفادة منه بشتى طُرُقه واختلاف أساليبه وأنواعه: تقنية الاستنساخ النباتي؛ ونلتمس الإفادة بالرأي الشرعي في استخدام هذه التقنية؟

لا مانع شرعًا من استخدام تقنية الاستنساخ النباتي متى ثبت عدمُ ضرره، وأنه يحقق متطلبات سلامة الغذاء، ويعود بالنفع والمصلحة على البشرية والبيئة النباتية والحيوانية، مع مراعاة ما يقرره تطوُّر العلوم والمعارف المتخصصة في هذا الشأن، والالتزام باستصدار التراخيص اللازمة له من قِبَلِ الجهات المختصة؛ فقد جاءت الشريعة الإسلامية بتحقيق مصالح العباد ودرء المفاسد عنهم، وأمرت بطَلَب العلم، وحثَّت على كلِّ ما مِن شأنه تطوير البحث العلمي الذي ينفع البشرية وتحصل به عمارة الكون في شتَّى المجالات ومُختَلَف التخصُّصات، وعظَّمَت شأنَ العلماء وأكرمتهم؛ سواء كان العلم دينيًّا أو ماديًّا تجريبيًّا.

التفاصيل ....

المحتويات

 

تكريم الله سبحانه وتعالى للإنسان وبيان فضل العلم والعلماء

كرَّم الله الإنسان وشرَّفه، وجعله خليفته في أرضه دون سائر خلقه، وفضَّله عليهم بالعلم، وميَّزه بالعقل، ومهَّد له هذا الكون الفسيح، وأمره بالسعي فيه، وحثَّه على التعلُّم والسَّيْر في الأرض والبحث فيها، واكتشاف الخزائن المودعة في هذا الكون البديع؛ فقال تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾ [العنكبوت: 20]، ثم مدح العلماء وأعلى مكانتهم، ورفع قدرهم، وعظَّم أجرهم، ودعا إلى توقيرهم واحترامهم؛ فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28]، وقال سبحانه: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: 11].

وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا، سَهَّلَ اللهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ، وَإِنَّ طَالِبَ الْعِلْمِ يَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، حَتَّى الْحِيتَانِ فِي الْمَاءِ، وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، إِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، إِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ» أخرجه الأئمة: أبو داود والترمذي وابن ماجه -واللفظ له- في "سننهم"، وابن أبي شيبة وأحمد في "مسنديهما"، وابن حبان في "صحيحه".

حتى كان أول أمر إلهي نزل به الوحي على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو الأمر بالقراءة في قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ۝ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ ۝ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ۝ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ۝ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: 1-5]، فجعل القراءة هي الأولى في الوجود، والثانية في الوحي، وكلاهما صدَر عن الله عزَّ وجلَّ؛ الأول من عالم الخلق، والثاني من عالم الأمر؛ قال تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: 54]، وعلى هذا فلا نهاية لإدراك عالم الخلق؛ حيث إنه يمثل الحقيقة، لأنه من عند الله؛ قال جلَّ شأنُه: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات: 47]، ولا نهاية لإدراك الوحي؛ إذ قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو يصف القرآن الكريم: «وَلَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ، وَلَا يَخْلَقُ عَلَى كَثْرَةِ الرَّدِّ» أخرجه الإمامان: الترمذي في "سننه"، والدارمي في "مسنده"، وصححه الحاكم، وأيضًا لا تعارُض بينهما؛ إذ كلٌّ مِن عند الله؛ قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 82]، وهذا التأسيس يتأكد في قول الله سبحانه وتعالى على صفة الإطلاق: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9].

بيان المراد بالعلم في الاصطلاح الشرعي وشموليته للعلوم الكونية والدنيوية

العلم في الاصطلاح القرآني والشرعي يعني إدراك الأشياء على حقائقها التي هي عليها، وهو بذلك لا يقتصر على العلوم الدينية، بل يشمل العلوم الكونية والدنيوية التي من شأنها أن تُوصِّل إلى معرفة ذي الجلال سبحانه وتعالى، وعندما وصف الله تعالى في كتابه العلماء بأنهم أهل خشيته مِن خَلْقِه؛ جاء ذلك في سياق الكلام على دورة الحياة في الطبيعة، وتنوُّع ألوان الثمار (علم النبات)، واختلاف أشكال الجبال (علم الجيولوجيا)، ومظاهر اختلاف الكائنات الحية (التنوع البيولوجي)، وكلها من العلوم الدنيوية؛ قال سبحانه وتعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ ۝ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [فاطر: 27-28]، فكل ما وصَّل إلى الله تعالى فهو علم، وكل ما أبعد عنه سبحانه فهو جهل، ولذلك قال الإمام مالك: "إِنَّ الْعِلْمَ لَيْسَ بِكَثْرَةِ الرِّوَايَةِ، وَإِنَّمَا الْعِلْمُ نُورٌ يَجْعَلُهُ اللهُ فِي الْقَلْبِ"؛ كما في "تفسير القرآن العظيم" للإمام ابن أبي حاتم (10/ 3180، ط. مكتبة نزار مصطفى الباز).

وأما بخصوص علوم النبات: فقد أذن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في تدخُّل الإنسان من خلال علومه وخبراته لتطوير عالم النبات بما يؤدي إلى زيادة الإنتاج فيه أو تحسين نوعيته، وذلك بإقراره صلى الله عليه وآله وسلم الصحابة الكرام على تأبير النخل بقوله: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ» أخرجه الإمام مسلم في "صحيحه" من حديث أم المؤمنين عائشة وأنسٍ رضي الله عنهما.

فأفاد أنَّ الله تعالى "قَضَى لِيُظْهِرَ حِكْمَتَهُ الْبَاهِرَةَ وَتَتَفَاوَتَ شُهُودُ عِبَادِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ بَأَنَّ دَائِرَةَ الْأَسْبَابِ لَا بُدَّ مِنْ مُرَاعَاتِهَا"؛ كما قال الملَّا علي القاري في "مرقاة المفاتيح" (1/ 230، ط. دار الفكر)، و"أَنَّ مَنْ ظَنَّ فِي شَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الْفِلَاحَةِ وَنَحْوِهَا صَلَاحًا فَلَهُ فِعْلُهُ"؛ كما قال الأمير الصنعاني في "التنوير شرح الجامع الصغير" (4/ 271، ط. مكتبة دار السلام)، كما أفاد مشروعيةَ تطوير البحث العلمي في "الْأُمُورِ الَّتِي وَكَلَهَا الشَّرْعُ إِلَى التَّجْرِبَةِ وَلَمْ يَأْتِ فِيهَا بِأَمْرٍ أَوْ نَهْيٍ جَازِمٍ"؛ كما قال العلامة الهرري في "الكوكب الوهاج" (23/ 262، ط. دار المنهاج).

ومن جملة ما توصل إليه البحث العلمي في هذا المجال وعلى هذا النحو: ما يعرف بـ"استنساخ النباتات".

بيان المراد باستنساخ النباتات وصورته

الاستنساخ لغةً: من النسخ، واختُلِفَ في معناه؛ فقيل: تغيير شيء بشيء آخر، وقيل: نقل الشيء إلى مكانٍ آخر كنسخ الكتب ونحوها؛ كما في "مقاييس اللغة" للعلامة ابن فارس (5/ 424، ط. دار الفكر).

وكلمة الاستنساخ باللغة العربية لها ما يقابلها باللغة الإنجليزية؛ وهي كلمة (cloning)، وأصلها (clone)، ومعناها: الواحد من مجموعة الأحياء التي أنتجت من غير تلقيح جنسي.

ومن ثَمَّ: فالاستنساخ هو تَكَوُّنُ كائنٍ حيٍّ بنسخةٍ مطابقةٍ للأصل الذي جاء منه؛ مِن حيث الخصائص الوراثية والتراكبية والشكلية؛ كما في "الوراثة والاستنساخ" للدكتور خالد فائق العبيدي (ص: 37، ط. دار الكتب العلمية).

وأما استنساخ الأشجار والنباتات، أو ما يعرف: بزراعة الأنسجة النباتية (Plant Tissue Culture)، أو زراعة الخلايا النباتية (Plant Cell Culture): هو أحد طرق الإكثار الخضري للنباتات والأشجار؛ أي أنها تقنيةٌ للوصول إلى نباتٍ مكتملِ النمو في وقتٍ أقل مِن الطرق التقليدية للإنبات، من أجل تحقيق الأمن الغذائي للبلاد والعباد؛ لكونها تعمل على إنتاج النباتات الناضجة بفترة زمنية قصيرة على مدار العام، مما يوفر نتاجًا غزيرًا يكفي الاحتياجات الدائمة.

وصورته: أن يقوم المتخصص باستخلاص أجزاء من النباتات الحية في صورة أنسجة وخلايا نباتية، يتم فصلُها عن الأصل، ووضعُها في أنابيب وحضانات داخل المعامل والمختبرات الخاصة لذلك -وتعرف بالبيئة الصناعية، والتي يستمر فيها النبات المراد استنساخه حتى يتشكل-، ثم يُنقل إلى التربة بعد اكتمال نموه حاملًا صفات النبات الأم الذي تم استخلاص الأنسجة منه سواء بسواء. ينظر: "دليل تقانات زراعة الأنسجة النباتية- النظرية والتطبيق" إصدار المنظمة العربية للتنمية الزراعية، جامعة الدول العربية عام 2023م (ص: 46، وما بعدها)، و"الآثار البيئية لإدخال الأنواع النباتية والحيوانية المحورة وراثيًّا في المناطق العربية" إصدار المنظمة العربية للتنمية الزراعية، جامعة الدول العربية عام 2023م (ص: 43، وما بعدها)، و"الاستنساخ والكائنات المعدلة وراثيًّا" لأوديل روبير (ص: 9، ط. المجلة العربية بالرياض، ترجمة: زينة دهيبي).

حكم استنساخ النباتات وبيان مزايا هذه التقنية وما يترتب على إهمالها

بتحقيق النظر في واقع هذه التقنية وأهدافها نجد أن المصلحة في استخدامها غالبة ومطلوبة؛ فهي تتميز بعدة أمور منها:

- إنشاء عدد كبير من الشتلات في وقت قصير، وكميات كبيرة في مساحات صغيرة، مع ضمان نتاج غزير بجودة عالية.

- التحسين الوراثي للنباتات المستنسخة بشكل سهل ويسير مع المحافظة على صفات النبات الأم الذي تم الاستنساخ منه؛ وذلك بانتخاب أصناف فيها تحاكي الظروف البيئية المختلفة من ملوحة أو جفاف، ونحو ذلك.

- الحفاظ على النباتات النادرة من الانقراض نتيجة سوء أو عدم توافر الظروف البيئية المناسبة لها.

- استمرارية الزراعة أو الاستنساخ على مدار العام؛ لعدم تأثرها بطقس أو موسم محدد؛ عن طريق تهيئة الفصول الأربعة داخل البيئة الصناعية.

وهي معانٍ وإجراءاتٌ عصريةٌ تتلاقى مع ما قرره الشرع الشريف من ضرورة تعمير الأرض وحرثها وإثارتها للزراعة من أجل توفير الطعام وتحقيق الأمن الغذائي للإنسانية؛ كما قال تعالى: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61]؛ "يعني: أمركم من عمارتها بما تحتاجون إليه، وفيه الدلالة على وجوب عمارة الأرض للزراعة والغراس والأبنية"؛ كما قال الإمام الجصاص في "أحكام القرآن" (4/ 378، ط. دار إحياء التراث العربي)؛ فلولا الطعام ما عاشت الأجسام، ولذا عَدَّ الفقهاءُ الزراعةَ من فروض الكفايات؛ "لِأَنَّهُ لَا يَقُومُ الدِّينُ والدُّنْيَا وَأُمُورُ الْمَعَايِشِ كُلُّهَا إِلَّا بِهَا؛ فَإِنْ تَرَكَهَا كُلُّ النَّاسِ أَثِمُوا كُلُّهُمْ"؛ كما قال العلامة جمال الدين الحبيشي الوصابي [ت: 782هـ] في "البركة في السعي والحركة" (ص: 9، ط. مطبعة الفجالة الجديدة).

وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لَا يَغْرِسُ مُسْلِمٌ غَرْسًا، وَلَا يَزْرَعُ زَرْعًا، فَيَأْكُلَ مِنْهُ إِنْسَانٌ، وَلَا دَابَّةٌ، وَلَا شَيْءٌ؛ إِلَّا كَانَتْ لَهُ صَدَقَةً».

وعنه أيضًا رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَزْرَعَهَا وَعَجَزَ عَنْهَا، فَلْيَمْنَحْهَا أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، وَلَا يُؤَاجِرْهَا إِيَّاهُ» أخرجهما الإمام مسلم في "صحيحه".

قال الإمام مظهر الدين الزيداني -كما نقله عنه الملَّا علي القاري في "مرقاة المفاتيح" (5/ 1989): [يعني ينبغي أن يحصل للإنسان نَفْعٌ مِن ماله؛ فمن كانت له أرض فيزرعها حتى يحصل له نَفْعٌ منها، أو لِيُعْطِهَا أخاه ليحصل له ثواب، فإن لم يفعل هذين الشيئين فليمسك أرضه، وهذا توبيخٌ لمن له مالٌ ولم يحصل له منه نَفْعٌ] اهـ.

ومن المعلوم والمقرر في الشريعة الإسلامية أنها جاءت "لِتَحْقِيقِ الْمَصَالِحِ وَدَرْءِ الْمَفَاسِدِ"؛ كما في "الموافقات" للإمام الشاطبي (6/ 446، ط. دار ابن عفان)، وأن المصلحة إذا وُجدت فَثَمَّ شرع الله، كما هو مقرر عند أهل العلم؛ وذلك فيما لم يرد فيه نص قاطع ولم يعارض حكمًا مقررًا، وأنَّ "الْأَصْلَ فِي الْأَشْيَاءِ الْمُنْتَفَعِ بِهَا الْإِبَاحَةُ"؛ كما في "الأشباه والنظائر" لجلال الدين السيوطي (ص: 60، ط. دار الكتب العلمية).

إضافة لما في هذه التقنية من المصلحة التي تحقق للبشرية الأمن الغذائي واستمراريته، فإن عدم استخدامها خاصة في ظل الأزمات العالمية والمناخية التي تهدّد الأمن الغذائي في العالم، مع الزيادة السكانية الهائلة؛ فإن ذلك يؤول إلى أضرار واقعة وأخرى متوقَّعة:

فأما الأضرار الواقعة؛ فبيانها كالآتي:

أولًا: أن النبات يصاب بالفيروسات والأمراض في مراحله الأولى من الإنبات؛ مما يحتم على المزارعين رش هذه النباتات بالمبيدات الحشرية للحفاظ عليها، فيعود الإكثار من هذه المبيدات بالضرر على الإنسان والحيوان والنبات، ومن ثَمَّ فإن هذه التقنية تقوم على وقاية النباتات من الإصابة بالأمراض والفيروسات المختلفة التي تتعرض لها النباتات في مراحلها الأولى من غير إضرار بالإنسان أو الحيوان أو النبات؛ وهذا ما أثبتته الدراسات المتخصصة من أن تأثير هذه التقنية على صحة الإنسان محدودٌ، وذلك وفقًا لتقرير أكاديمية الطب الفرنسية الصادر في ديسمبر/ 2002م؛ كما في "الاستنساخ والكائنات المعدلة وراثيًّا" لأوديل روبير (ص: 57).

ثانيًا: أن الزراعة التقليدية تحتاج إلى كثير من الأسمدة الكيماوية في مراحلها الأولى؛ مما يسبب أضرارًا تراكمية للتربة وللمياه الجوفية، إضافة إلى التكلفة المادية والمجهودات البدنية، وذلك بخلاف البيئة الصناعية التي تمنع أو تقلل استخدام الأسمدة الكيماوية في هذه البيئة؛ مما يساعد على زيادة النمو، وتحسين المستوى الاقتصادي، والمحافظة على الأراضي الزراعية، وتقليل التكاليف المادية.

ثالثًا: أن الزراعة التقليدية تحتاج إلى كميات كبيرة من المياه للري؛ بخلاف البيئة الصناعية التي تقوم على ترشيد استهلاك المياه والمحافظة عليها وعدم إهدارها، ولا تستهلك منها إلا بقدر حاجة النبات.

وأما الضرر المتوقَّع: فيتمثل في نقص الموارد الغذائية، مع الزيادة السكانية، وعدم القدرة على توفير حاجة الناس مع كثرة مطالبهم واحتياجهم، والتي قد تصل إلى مرتبة الضرورة في حياة الإنسان، أو الحاجة.

واتقاء الأضرار والبعد عنها وتجنبها هو ما حثَّ عليه الشرع الشريف، فكان الأمر بدرء المفاسد وإزالة الضرر ودفعه ورفعه؛ كما هو مقرر القواعد الشرعية أن "الضرر يزال" كما في "الأشباه والنظائر" لتاج الدين السبكي (1/ 41، ط. دار الكتب العلمية)، والأصل فيها قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» أخرجه الأئمة: أحمد في "مسنده"، وابن ماجه في "سننه"، والحاكم في "مستدركه" وغيرهم.

وهذه التقنية وإن كانت ممدوحةً في نفسها مشروعًا فعلُها، إلا أنَّ استخدامها مقيدٌ باللوائح والقوانين المنظمة لهذا الشأن، وما تقرره الجهات المختصة والمعنية بذلك؛ كما هو مفاد المادتين (2)، (4) من قانون رقم (904) لسنة 2008م، في شأن شروط ترخيص معامل زراعة الأنسجة، والذي قررته "وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي الزراعية".

الخلاصة

بناءً على ذلك: فإن الشريعة الإسلامية قد جاءت بتحقيق مصالح العباد ودرء المفاسد عنهم، وأمرت بطَلَب العلم، وحثَّت على كلِّ ما مِن شأنه تطوير البحث العلمي الذي ينفع البشرية وتحصل به عمارة الكون في شتَّى المجالات ومُختَلَف التخصُّصات، وعظَّمَت شأنَ العلماء وأكرمتهم؛ سواء كان العلم دينيًّا أو ماديًّا تجريبيًّا.

وفي واقعة السؤال: لا مانع شرعًا من استخدام تقنية الاستنساخ النباتي متى ثبت عدمُ ضرره، وأنه يحقق متطلبات سلامة الغذاء، ويعود بالنفع والمصلحة على البشرية والبيئة النباتية والحيوانية، مع مراعاة ما يقرره تطوُّر العلوم والمعارف المتخصصة في هذا الشأن، والالتزام باستصدار التراخيص اللازمة له من قِبَلِ الجهات المختصة.

والله سبحانه وتعالى أعلم.

اقرأ أيضا