حكم إخراج زكاة الفطر من اللحوم - الفتاوى - دار الإفتاء المصرية - دار الإفتاء

حكم إخراج زكاة الفطر من اللحوم

حكم إخراج زكاة الفطر من اللحوم

ما حكم إخراج زكاة الفطر لحمًا؟

يجوز إخراج زكاة الفطر لحمًا؛ إذا كان من أغلب قوت أهل البلد، وفيه نفع وإغناء للفقراء في يوم العيد؛ لما هو مقرر من أن المقصود من زكاة الفطر هو سد حاجة الفقراء والمساكين في هذا اليوم، ومواساتهم من جنس ما يقتات أهل بلدهم.

وإن كان الأفضل والأوفق لمقاصد الشرع والأرفق بمصالح الخلق هو جواز إخراج زكاة الفطر مالًا؛ لكي يتمكن من شراء وقضاء احتياجاته من مأكلٍ -أيًّا كان نوعه وجنسه- وغيرِه.

التفاصيل ....

المحتويات

 

حُكْم زكاة الفطر وبيان حِكْمة مشروعيتها

زكاة الفطر: هي مقدار مُتَقَوَّم من المال يَجِبُ على المسلم بشروط مخصوصة؛ صغيرًا كان أو كبيرًا، ذكرًا أو أنثى، وقد قدَّرها النبي صلى الله عليه وآله وسلم بصاع من تمر أو شعير أو قُوتِ البلد وهو ما مقداره 2.040 كجم -على مذهب الجمهور-، على كُلِّ نَفْسٍ من المسلمين؛ كما في حديث عبد الله بن عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، عَلَى كُلِّ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ، ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى مِنَ المُسْلِمِينَ» متفقٌ عليه. وفي رواية أخرى: «عَلَى الْعَبْدِ وَالحُرِّ، وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ» أخرجه البخاري.

وقد نقل الإجماعَ على وجوبها غيرُ واحد من الأئمة؛ كالإمام ابن المُنذِر في "الإشراف" (3/ 61، ط. مكتبة مكة)، والإمام ابن قُدامة في "المغني" (3/ 79، ط. مكتبة القاهرة)، والحافظ ولي الدين أبو زرعة العراقي في "طرح التثريب" (4/ 46، ط. المطبعة المصرية القديمة).

والحكمة من مشروعيتها: التزكية للصائم، والطُّهْرة له، وجبر نقصان ثواب الصيام، والرفق بالفقراء، وإغناؤهم عن السؤال في مناسبة العيد، وجبر خواطرهم، وإدخال السرور عليهم، في يوم يُسَرُّ فيه المسلمون؛ كما في حديث عبد الله بن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: «فَرَضَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الْفِطْرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ، وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ» أخرجه أبو داود وابن ماجه والبيهقي في "السنن"، والحاكم في "المستدرك" وصححه.

وعن ابن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال في زكاة الفطر: «أَغْنُوهُمْ فِي هَذَا الْيَوْمِ» رواه الدارقطني في "السنن"، وفي رواية: «أَغْنُوهُمْ عَنِ الطَّوَافِ فِي هَذَا الْيَوْمِ» رواه ابن وهب في "جامعه"، وابن زَنْجَوَيْه في "الأموال"، والبَيْهَقي في "السنن الكبرى".

مذاهب الفقهاء في حكم إخراج زكاة الفطر من اللحوم

الأصل في زكاة الفطر أن تخرج من طعام أهل البلد كالبُرِّ والتمر والشعير ونحوه من كل حَبٍّ وثَمر يُقتَات؛ لما ورد عنه صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث السابق أنه «فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، عَلَى كُلِّ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ، ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى مِنَ المُسْلِمِينَ» متفقٌ عليه، وغيره من أحاديث الباب.

أما عن إخراجها -أي زكاة الفطر- لحمًا: فللفقهاء في المسألة تفصيل؛ حيث ذهب الحنفية إلى جواز إخراج القيمة في زكاة الفطر سواء أكانت نقدًا أم غير نقدٍ.

قال العلامة القُدوري الحنفي في "التجريد" (3/ 1248، ط. دار السلام): [قال صلى الله عليه وآله وسلم: (أغنوهم عن المسألة)، وهذا يفيد عموم ما يقع بالاستغناء.. وقد فهم السلف هذا المعنى] اهـ.

وقال العلَّامة علاء الدين السَّمَرْقَنْدِي الحنفي في "تحفة الفقهاء" (1/ 338، ط. دار الكتب العلمية): [وما سوى ذلك -أي الأصناف المذكورة- فيعتبر قيمته بقيمة الأشياء المنصوص عليها بأن أدَّى الدراهم أو العروض والثمار ونحوها] اهـ.

وقال العلامة الكاساني الحنفي في "بدائع الصنائع" (2/ 73، ط. دار الكتب العلمية): [وأما صفة الواجب -أي في زكاة الفطر- فهو أن وجوب المنصوص عليه من حيث إنه مال متقوَّم على الإطلاق لا من حيث إنه عين؛ فيجوز أن يعطي عن جميع ذلك القيمة: دراهم، أو دنانير، أو فلوسًا، أو عروضًا، أو ما شاء، وهذا عندنا] اهـ. ويؤخذ من هذه النصوص جواز إخراج قيمة الحبوب عند الحنفية من اللحوم.

وذهب المالكية والحنابلة إلى جواز إخراج زكاة الفطر من اللحم إذا كان هو غالب قوت البلد أو كان هو الأفضل من غالب قوتهم.

قال الشيخ الدردير المالكي في "الشرح الصغير" (1/ 676، ط. دار المعارف): [(وهي): أي زكاة الفطر (صاع).. (من أغلب قوت أهل المحل من) أصناف تسعة: (قمح، أو شعير، أو سُلْت، أو ذرة، أو دُخْن، أو أرز، أو تمر، أو زبيب، أو أَقِط): وهو يابس اللبن المخرج زبده.. فيتعيَّن الإخراج مما غلب الاقتيات منه من هذه الأصناف التسعة، فلا يجزئ الإخراج من غيرها، ولا منها إن اقتات غيرُه منها إلا أن يُخرِج الأحسن؛ كما لو غلب اقتيات الشعير فأخرج قمحًا.

(إلا أن يقتات غيرها) أي غير هذه الأصناف كعَلَس ولحم وفول وعدس وحمص ونحوها (فمنه) يخرج، فإن غلب شيء تعين الإخراج منه، وإن ساوى غيره خير] اهـ.

وقال العلامة ابن جُزَيٍّ المالكي في "القوانين الفقهية" (ص: 76، ط. دار القلم): [فإن كان القوت من القَطَانِي أو التين أو السَّوِيق أو اللحم أو اللبن فتجزئ في المشهور] اهـ. ونقله أيضًا الشيخ زروق المالكي في "شرحه على متن الرسالة" (1/ 517، ط. دار الكتب العلمية) بقوله: [لو اقتيت التين أو السَّوِيق أو اللحم أو اللبن أو القِطْنِيَّة أجزأ على المشهور، وقاله ابن القاسم] اهـ.

وقال العلامة المَرْداوي الحنبلي في "الإنصاف" (3/ 182، ط. دار إحياء التراث العربي): [قوله (إلا أن يعدمه، فيخرج مما يقتات عند ابن حامد) سواء كان مكيلًا أو غيره، كالذرة والدُّخْن واللحم واللبن، وسائر ما يقتات به، وجزم به في "العمدة"، و"التلخيص"، و"البلغة". قال في "التلخيص": هذا المذهب، وقيل: لا يعدل عن اللحم واللبن] اهـ.

بينما ذهب الشافعية إلى عدم جواز إخراج زكاة الفطر لحمًا.

قال الإمام النَّوَوي الشافعي في "المجموع" (6/ 130-131، ط. دار الفكر): [يشترط في المُخرَج من الفطرة أن يكون من الأقوات التي يجب فيها العُشر فلا يجزئ شيء من غيرها إلا الأَقِط والجبن واللبن على خلاف فيها.. (وأما) اللحم فالصواب الذي نص عليه الشافعي وقطع به المصنف والأصحاب في جميع الطرق أنه لا يجزئ قولًا واحدًا، وقال إمام الحرمين: قال العراقيون: في إجزائه قولان كالأَقِط، قال: وكأنهم رأوا اللبن أصل الأَقِط وهو عصارة اللحم، وهذا الذي نقله عن العراقيين باطل ليس موجودًا في كتبهم بل الموجود في كتبهم مع كثرتها القطع بأنه لا يجزئ بلا خلاف، فهذا هو الصواب] اهـ.

وقال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري الشافعي في "أسنى المطالب" (1/ 392، ط. دار الكتاب الإسلامي): [(لا مَخيضٍ وسمن ولحم) فلا يجزئ شيء منها وإن كان قوت البلد؛ لأنه ليس في معنى ما نص عليه، وكما لا يجزئ في سائر الزكوات، والتصريح باللحم من زيادته] اهـ.

بيان المختار للفتوى في هذه المسألة

المختار للفتوى هو جواز إخراج زكاة الفطر من اللحوم إذا كانت من قوت أهل البلد، وكان فيه نفع للفقراء والمساكين، وإغناؤهم عن السؤال في يوم العيد.

قال القاضي أبو بكر العربي المالكي: [يخرج من عيش كل قوم من اللبن لبنا، ومن اللحم لحما، ويخرج اللوبيا وغير ذلك؛ لأن الأصل تسوية الفقراء والأغنياء فيما في أيدي الأغنياء] اهـ، كما في "الذخيرة" للقَرافي (3/ 169، ط. دار الغرب الإسلامي)، و"البناية شرح الهداية" للعَيْني (3/ 494، ط. دار الكتب العلمية).

فكما يحتاج الفقير إلى الحبوب أصبح يحتاج إلى اللحوم ونحوها؛ ولذا جرت الفتوى في دار الإفتاء المصرية منذ أمد بعيد على جواز إخراج زكاة الفطر مالًا؛ لكي يتمكن الفقير من تغطية احتياجاته ومستلزماته وشراء ما يحتاج إليه في هذا اليوم من مأكلٍ -حَبًّا أو لحمًا- ومشربٍ وملبسٍ ونحوه.

وإذا انتهينا إلى جواز إخراج زكاة الفطر من اللحوم بالضوابط السابقة فإنها تقدر بالوزن وليس بالكيل.

قال العلامة الحَطَّاب المالكي في "مواهب الجليل" (2/ 369، ط. دار الفكر): [إذا كان اللحم واللبن قوت قوم، وقلنا: يخرجون، فقال ابن ناجي في "شرح المدونة": إذا فرَّعنا على المشهور فكان شيخنا أبو محمد الشبيبي يفتي بأنه يخرج من اللحم واللبن وشبههما مقدار عيش الصاع، وكان شيخنا يعني البرزلي لا يرتضيه، ويقول: الصواب أنه يكال كالقمح وهو بعيد؛ لأن اللحم وشبهه لا يكال ولا يعرف فيه، انتهى. (قلت): وما قاله الشبيبي ظاهر، والله أعلم] اهـ.

وقال العلامة الدسوقي في "حاشيته على الشرح الكبير" (1/ 506، ط. دار الفكر): [(قوله وبالوزن من نحو اللحم) أي من اللحم ونحوه كاللبن بأن يخرج خمسة أرطال وثُلُثًا بالبغدادي كما مر للشارح، ورد بقوله: والصواب على مَن قال إنه يخرج من اللحم واللبن مقدار عيش الصاع فإذا كان الصاع من الحنطة يغدي إنسانا ويعشيه أعطى من اللحم أو من اللبن ما يغدي ويعشي، وفي "المجموع": وهل يقدر نحو اللحم بجرم المد أو شبعه؟ وصوب كما في الحطاب-، أو بوزنه خلاف] اهـ.

الخلاصة

بناءً على ذلك وفي واقعة السؤال: فإنه يجوز إخراج زكاة الفطر لحمًا؛ إذا كان من أغلب قوت أهل البلد، وفيه نفع وإغناء للفقراء في يوم العيد؛ لما هو مقرر من أن المقصود من زكاة الفطر هو سد حاجة الفقراء والمساكين في هذا اليوم، ومواساتهم من جنس ما يقتات أهل بلدهم.

وإن كان الأفضل والأوفق لمقاصد الشرع والأرفق بمصالح الخلق هو جواز إخراج زكاة الفطر مالًا؛ لكي يتمكن من شراء وقضاء احتياجاته من مأكلٍ -أيًّا كان نوعه وجنسه- وغيرِه.

والله سبحانه وتعالى أعلم.

اقرأ أيضا