ما حكم رفع اليدين عند كل تكبيرة من تكبيرات صلاة الجنازة؟ فرجلٌ اعتاد رفع يديه في تكبيرات صلاة الجنازة بعد التكبيرة الأولى، ويلاحِظ أحيانًا أن مَن يصلي إلى جواره لا يرفع يديه فيها، فما الصواب؟
يُستحب شرعًا رفع اليدين عند التكبيرة الأُولى في صلاة الجنازة، وأما سائر التكبيرات بعد الأُولى فمختلفٌ في استحباب رفعِهِما فيها من عدمه، ومِن ثَمَّ فمَن شرع في صلاة الجنازة جاز له رفعُهُما أو تركُهُما، وكلاهما صحيح شرعًا ولا حرج فيه على فاعله؛ لأن فِعلَهُ وافَقَ قولَ طائفة من الأئمة المجتهدين، ولا يُعتَرَض على مَن فَعَل ذلك أو تَرَكَه، فالأمر في ذلك واسع.
المحتويات
صلاة الجنازة لها فضلٌ كبيرٌ، وأجرٌ عظيمٌ، وهي حقٌّ مِن حقوق الميت على الحي، وفرضٌ من فروض الكفاية، وقد أكَّد الشرع الشريف عليها، وحَثَّ على اغتنام ثوابها، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَنِ اتَّبَعَ جَنَازَةَ مُسْلِمٍ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، وَكَانَ مَعَهُ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا وَيُفْرَغَ مِنْ دَفْنِهَا، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ مِنَ الْأَجْرِ بِقِيرَاطَيْنِ، كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ تُدْفَنَ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيرَاطٍ» أخرجه الشيخان.
وعنه أيضًا رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ خَمْسٌ: رَدُّ السَّلَامِ، وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ، وَاتِّبَاعُ الْجَنَائِزِ، وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ، وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ» أخرجه الشيخان.
صلاة الجنازة أربعُ تكبيراتٍ فيما استقر عليه عمل الأمة، بل نقل بعضُهم الإجماعَ عليه.
قال الإمام ابن عبد البَر في "التمهيد" (6/ 334، ط. أوقاف المغرب): [اختلف السلف في عدد التكبير على الجنازة، ثم اتفقوا على أربع تكبيرات] اهـ.
وقال الإمام النَّوَوِي في "المجموع" (5/ 230، ط. دار الفكر): [التكبيرات الأربع أركانٌ، لا تصح هذه الصلاة إلا بهن، وهذا مُجمَعٌ عليه، وقد كان لبعض الصحابة وغيرهم خلافٌ في أن التكبيرَ المشروعَ خَمسٌ أم أربعٌ أم غير ذلك، ثم انقرض ذلك الخلافُ وأجمَعَت الأُمةُ الآن على أنه أربعُ تكبيراتٍ بلا زيادةٍ ولا نَقْصٍ] اهـ.
بخصوص رفع اليدين عند التكبير فقد ثبت أنه "لا اختلاف بين أهل العلم في أنَّ رفع اليدين في الصلاة على الجنائز ليس بواجب، وإنما يُتَكَلَّمُ في هذا على ما يُستَحبُّ منه"، كما قال الإمام أبو الوليد بن رُشْد الجد في "البيان والتحصيل" (2/ 249، ط. دار الغرب الإسلامي).
والفقهاء وإن اتفقوا على أن رفع اليدين في صلاة الجنازة ليس بواجب، وإنما يُتَكَلَّمُ في هذا على ما يُستَحبُّ منه، إلا أنهم نصُّوا "على أنَّ المُصلِّي على الجنازة يَرفَع يديه في أول تكبيرة يُكَبِّرُها"، كما في "الإجماع" للإمام ابن المُنْذِر (ص: 44، ط. دار المسلم)، و"بداية المجتهد" للإمام أبي الوليد بن رُشْد الحفيد (1/ 248، ط. دار الحديث)، و"المغني" للإمام ابن قُدَامَة (2/ 366، ط. مكتبة القاهرة).
قد اختلف الفقهاء في حكم رفع اليدين في التكبيرات الثلاث بعد التكبيرة الأولى في صلاة الجنازة:
فذهب إلى استحباب رفع اليدين في كلِّ التكبيرات الأربع في صلاة الجنازة: مشايخ بَلْخٍ من الحنفية، وهو قول عند المالكية، ومذهب الشافعية والحنابلة، والمروي عن بعض السلف والخلف، منهم: عمر بن الخطاب، وأنس بن مالك، وعبد الله بن عمر رضي الله عنهم، وعُروة بن الزُّبَير، وسالم بن عبد الله، وقَيْس بن أبي حازم، وعمر بن عبد العزيز، والحسن البصري، وعطاء بن أبي رباح، ومحمد بن سِيرِين، والزُّهْرِي، وإسحاق بن راهويه، وعبد الله بن المبارَك، والأَوْزَاعِي، وابن المُنْذِر، وغيرهم؛ لأنها تكبيرةٌ حال القيام والاعتدال، ولا تتصل بسُجُودٍ ولا قُعُودٍ، فأشبَهَت التكبيرةَ الأُولى وهي تكبيرة الإحرام.
فعن موسى بن نُعَيْمٍ مولى زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: «مِنَ السُّنَّةِ أَنْ تَرْفَعَ يَدَيْكَ فِي كُلِّ تَكْبِيرَةٍ مِنَ الْجِنَازَةِ» رواه الإمام أبو بكر بن أبي شَيْبَة في "المصنف".
وعن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه «أَنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ مَعَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ فِي الْجِنَازَةِ وَالْعِيدَيْنِ» رواه الإمام البَيْهَقِي في "السنن الصغرى".
وكان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما «يَرْفَعُ يَدَيْهِ مَعَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ عَلَى الْجِنَازَةِ» رواه الإمام أبو بكر بن أبي شَيْبَة في "المصنف".
قال الإمام فخر الدين الزَّيْلَعِي الحنفي في "تبيين الحقائق" (1/ 241، ط. الأميرية): [وكَثيرٌ من مَشايِخ بَلْخٍ اختارُوا الرَّفعَ في كُلِّ تكبيرةٍ] اهـ.
وقال الإمام أبو الحسن علي بن خَلَف المُنُوفِي في "كفاية الطالب الرباني" (1/ 425، ط. دار الفكر) في بيان الخلاف في مسألة رفع اليدين عند تكبيرات صلاة الجنازة: [ثانيها: أنه يرفع في كلِّ تكبيرة، وهو في "المدونة"، واختاره ابن حَبِيب] اهـ.
وقال الإمام الدُّسُوقِي المالكي في "حاشيته على الشرح الكبير" (1/ 418، ط. دار الفكر) في معرض ذكر الخلاف في رفع اليدين عند التكبير في صلاة الجنازة بعد التكبيرة الأُولى: [ورفعُهُما عند الجميع] اهـ.
وقال الإمام شمس الدين الخطيب الشِّرْبِينِي الشافعي في "مغني المحتاج" (2/ 23، ط. دار الكتب العلمية) في معرض حديثه عن أركان صلاة الجنازة وسُننها: [(ويُسنُّ رفعُ يديهِ في التكبيراتِ) فيها حذوَ منكِبَيْهِ، ووضعُهمَا بعدَ كلِّ تكبيرةٍ تحتَ صدرهِ كغيرها من الصَّلواتِ] اهـ.
وقال الإمام ابن قُدَامَة الحنبلي في "المغني" (2/ 366) في بيان مَن قال برفع اليدين في تكبيرات صلاة الجنازة كلِّها: [(ويرفع يديه في كلِّ تكبيرة)... وكان ابن عمر يرفع يديه في كل تكبيرة، وبه قال سالم، وعمر بن عبد العزيز، وعطاء، وقَيس بن أبي حازم، والزُّهري، وإسحاق، وابن المُنْذِر، والأَوْزَاعِي] اهـ.
وقال الإمام أبو السعادات البُهُوتِي الحنبلي في "كشاف القناع" (2/ 137، ط. دار الكتب العلمية) في بيان أحكام صلاة الجنازة: ([ويَرفعُ يديهِ مع كُلِّ تكبيرةٍ)... لأنهُ لا يَتَّصِلُ طرفُها بِسجودٍ ولا قُعودٍ، فَسُنَّ فيها الرفعُ كَتكبيرةِ الإحرامِ] اهـ.
وقال الإمام البَغَوِي في "شرح السُّنَّة" (5/ 347، ط. المكتب الإسلامي): [واختلف أهل العلم في سائر التكبيرات، فذهب جماعةٌ من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم -منهم: عبد الله بن عمر- أنه يرفع يديه حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ في كلِّ تكبيرة، وعن أنسٍ مثلُه، وبه قال سعيد بن المسيِّب، وعروة بن الزبير، ويُروَى عن عطاء بن أبي رباح، والحسن، وابن سِيرِين، وعمر بن عبد العزيز، وهو قول ابن المبارك] اهـ.
بينما ذهب الحنفية في ظاهر الرواية، والمالكيةُ في المشهور إلى عدم استحباب رفع اليدين في تلك التكبيرات الثلاث بعد التكبيرة الأُولى، أسوةً بركعات الصلاة بعد الركعة الأُولى، حيث لا يستحب عندهم رفع اليدين عند الانتقال إليها، ولأنها تَكبيراتٌ في صلاةٍ لا ركوعَ فيها، فأشبَهَت التكبيرَ في سجود التلاوة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم «إِذَا صَلَّى عَلَى الْجِنَازَةِ رَفَعَ يَدَيْهِ فِي أَوَّلِ تَكْبِيرَةٍ، ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى» أخرجه الأئمة: الترمذي، والدَّارَقُطْنِي -واللفظ له-، والبَيْهَقِي في "السنن".
قال الإمام علاء الدين الكَاسَانِي الحنفي في "بدائع الصنائع" (1/ 314، ط. دار الكتب العلمية): [ولا يرفع يديه إلا في التكبيرة الأُولى... لأن كلَّ تكبيرة قائمة مقام ركعة، ثم لا تُرفع الأيدي في سائر الصلوات إلا عند تكبيرة الافتتاح عندنا، فكذا في صلاة الجنازة] اهـ.
وقال الإمام فخر الدين الزَّيْلَعِي الحنفي في "تبيين الحقائق" (1/ 241): [ولا يرفع يديه إلا في التكبيرة الأولى في ظاهر الرواية] اهـ.
وقال الإمام أبو عبد الله المَوَّاق المالكي في "التاج والإكليل" (3/ 35): [(ورفع اليدين بأولى التكبير) من "المدونة"، قال مالك: لا يرفع يديه إلا في الأُولى] اهـ.
وقال الإمام الدُّسُوقِي المالكي في "حاشيته على الشرح الكبير" (1/ 418): [(قوله: ورفع اليدين بأُولى التكبير فقط) أي: وأما رفعُهما في غير أُولَاه فخلاف الأَوْلَى، وهذا هو المشهور] اهـ.
ومحل الخلاف الحاصل بين الفقهاء في مسألة رفع اليدين في التكبيرات الثلاث التالية للتكبيرة الأُولى في صلاة الجنازة -مِن قبيل الاستحباب لا الوجوب، ومِن ثَمَّ فمن رَفَعَ يديه في التكبيرات الثلاث التالية للتكبيرة الأُولى أو تَرَكَها فقد أصاب؛ لأن فِعلَهُ وافَقَ قولَ طائفة من الأئمة المجتهدين، ولا يُعتَرَض على مَن فَعَل ذلك أو تَرَكَه، فالأمر في ذلك واسع.
بناءً على ذلك وفي واقعة السؤال: فإنه يُستحب شرعًا رفع اليدين عند التكبيرة الأُولى في صلاة الجنازة، وأما سائر التكبيرات بعد الأُولى فمختلفٌ في استحباب رفعِهِما فيها من عدمه، ومِن ثَمَّ فمَن شرع في صلاة الجنازة جاز له رفعُهُما أو تركُهُما، وكلاهما صحيح شرعًا ولا حرج فيه على فاعله، ولا يُنكَر عليه فِعلُه.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
سائل رأى بعينيه إمامًا يأمر المؤتمين به أن يصلوا صلاة الجنازة وهم لابسو أحذيتهم، كما صلى هذا الإمام بنعله، وإن هذه الحالة حدثت في بلد أرياف لا يمكن فيها التحرز عن النجاسة مطلقًا. وطلب السائل بيان الحكم الشرعي في الصلاة بالنعال على النحو المذكور.
طلب السائل من خطيب الزاوية التي يصلي بها بأن يقصر في الخطبة؛ لأنه رجل مسن عمره 80 عامًا، ويستند على عكازين، فرد عليه الشيخ وقال له: ليس لك صلاة، ودعنا نعلم الناس.
علمًا بأن السائل يقرر بأن خطبته تمتد أكثر من ساعة، ويقرر أنه تعرض للإهانة من ذلك الشيخ تمس شخصه.
ويطلب: هل من حق خطيب هذه الزاوية طرد شيخ مسن من مسجد لمجرد أنه طلب سرًّا منه عدم إطالة الخطبة لأكثر من ساعة رحمة بالمسنين والمرضى؟ وهل يحق لهذا الخطيب إهانة مسن والاستهزاء بمصلٍّ جاء إلى بيت الله يرجو رحمته ورضاه؟ وهل جعلت المساجد لذكر الله وعبادته أم للمجادلة والاستهزاء بكبار السن؟ وهل طلب التخفيف يوقف تعليم الناس كما اتهمه الإمام المذكور بأنه يقف عقبة في تعليم الناس؟ وبيان الحكم الشرعي.
ما كيفية تسوية الصف في الصلاة بالنسبة للجالس على الكرسي؟ وهل لا بد مِن المساواة بالقَدِم بينه وبين مَن يصلي بجانبه قائمًا؟ فرجلٌ يصلي على كرسي في الصف خلف الإمام بجوار غيره من المأمومين، ويضع قدميه حذو قدم مَن يصلي بجواره حتى يكون مستويًا معهم على خط الصف، مع العلم أَنَّ الكرسي يعيق حركة سجود المصلي خلفه لتأخر الكرسي قليلًا عن الصف حتى أَخَذ مِن حيز مكان المصلي خلفه.
ما الحكمة من جهر وإسرار المُصلّي في الصلاة؟
ما حكم صلاتي في المنزل بدلًا من المسجد خوف الوقوع في الرياء وحبّ الظهور؟ وما الذي يجب عليَّ فعلُه؟
ما هي كيفية قضاء صلاة الجمعة لمن فاتته؟ فأنا لم أصلّ الجمعة مع الجماعة في المسجد لعذرٍ لأني كنت مريضًا. فهل أصليها ركعتين بنية الجمعة أم أصلي أربع ركعات بنية الظهر؟