توفي رجل بتاريخ 11/ 10/ 2016م، وكان قد طلق امرأته بتاريخ 15/ 7/ 2016م في مرض الموت، وكانت هذه الطلقة هي الثالثة، فهل يقع هذا الطلاق، وبالتالي لا ترث الزوجة المطلقة منه، أم لا يقع هذا الطلاق، وبالتالي ترث هذه الزوجة منه؟
من الضوابط المقررة في تحديد مرض الموت أن يكون مرض الموت مما يغلب فيه الهلاك، ويشعر معه المريض بدنو أجله، وأن ينتهي بوفاته، فإذا استطال المرض لأكثر من سنة فلا يعتبر مرض موت مهما تكن خطورة هذا المرض واحتمال عدم برء صاحبه منه.
وتكون تصرفات المريض في هذه الفترة صحيحة، ولا تعتبر من حالات مرض الموت إلا في فترة تزايدها واشتداد وطأتها، إذ العبرة بفترة الشدة التي تعقبها الوفاة. وقيام مرض الموت أو عدم قيامه هو من مسائل الواقع التي تستقل بتقديره محكمة الموضوع.
وليس معنى مرض الموت أن يلازم المريض الفراش، فكثيرًا ما يكون الداء دفينًا ويموت الإنسان به فجأة، وكثيرًا ما يبرح الإنسان فراشه ويسير في الطرقات والمرض ينخر في جسمه.
ولا يشترط في مرض الموت لزوم صاحبه الفراش على وجه الاستمرار والاستقرار، بل يكفي أن يلازمه وقت اشتداد العلة به، كما لا يشترط فيه أن يؤثر على سلامة إدراك المريض أو ينقص من أهليته للتصرف، وهذا ما جرى به قضاء محكمة النقض المصرية (طعن 1002/ 49ق ج – 8/ 2/ 1984م).
ومن شروط ميراث الزوجة: قيام الزوجية عند الوفاة، وقيامها بأن تكون الوفاة وهما زوجان أو تكون في عدة من طلاق رجعي، فإذا توفي الزوج وهي مطلقة طلاقًا رجعيًّا ولم تكن العدة قد انتهت ورثت منه، وكذلك إذا توفي وهي في العدة؛ وذلك لأن الطلاق الرجعي لا يزيل ملك النكاح فلا يمنع التوارث، أما إذا كان الطلاق بائنًا فإنه لا توارث ولو كانت الوفاة في حال العدة، إلا إذا كان مَن تولى سبب الفُرقة قد اعتُبر فارًّا من الميراث.
ويُعتبر فارًّا إذا كانت الفُرقة من قِبَل من مات وهو مريض مرض الموت بغير رضا الطرف الآخر، وعلى ذلك: إذا طلق المريض مرض الموت امرأتَه، وكان طائعًا مختارًا في طلاقها، وكان الطلاق بغير رضاها، وكانت مستحقة للميراث من وقت الطلاق إلى وقت خروجها من العدة، فإنه يعتبر فارًّا من الميراث بهذا الطلاق البائن في مرض الموت، أما إذا كان الطلاق بطلبها، أو كان الطلاق على مال، فإنه لا يعتبر فارًّا؛ لأن طلبها أزال مظنة الفرار.
وعلى ذلك: فإذا ثبت أن هذا المرض هو مرض الموت بشروطه، فإن تصرفات هذا الزوج المطلِّق غير صحيحة، ومن ثَمَّ فإذا كان الزوج المذكور قد طلق زوجته فرارًا من الميراث وتوفي وهي في عدتها الشرعية -إذا كانت من ذوات الحيض فعدتها ثلاث حيضات، وإذا كانت آيسة فعدتها ثلاثة أشهر- استحقت ميراثًا في تركته، فيكون لها ثُمن تركته فرضًا إن كان له أولاد، ويكون لها ربع تركته فرضًا إن لم يكن له أولاد، أما إذا لم يكن فارًّا من الميراث فلا تستحق زوجته شيئًا من الميراث.
والمرجع في ذلك كله إلى القضاء؛ حيث إن القاضي مُخَوَّلٌ من قِبَل الشرع في الوصول إلى حقيقة ما في الواقع ونفس الأمر باستشهاد الشهود واستقراء القرائن، وله السلطة التامة في تحصيل فهم وقائع الدعوى، وعليه أن يأخذ بما لاح له دليل صدقه، أو ظهرت له أمارات الحق فيه.
وهذا هو المعمول به قضاءً؛ حيث ذهبت محكمة النقض إلى ذلك بقولها: "وحيث إن محكمة الموضوع لها السلطة التامة في تحصيل فهم الواقع في الدعوى والأخذ بما تطمئن إليه من أقوال الشهود وتطرح ما لا تطمئن إليه منها، غير ملزمة في ذلك بإبداء أسباب عدم اطمئنانها، إلا أن ذلك مشروط بأن يكون تحصيلها متفقًا مع الثابت بالأوراق، وألا تخرج بأقوال الشهود عما يفيد مدلولها". (نقض 25/ 1/ 1983م، طعن 2360 س 51ق).
والله سبحانه وتعالى أعلم.
ما حكم تفويض المرأة في الطلاق الثلاث، وذلك بأن يفوضها زوجها في تطليق نفسها الثلاث طلقات متفرقات (واحدة بعد واحدة)؟ وهل يجوز لها أن تشترط ذلك في عقد الزواج؟
ما حكم طلاق المرأة من زوجها الغائب؛ حيث سئل بإفادة من محافظة الإسكندرية؛ مضمونها: أنه بعد الاطلاع على الخمسة والعشرين ورقة المرسلة طيه، الواردة لها بإفادة من مخابرات الجيش المصري، نمرة 8 مخابرات سودان، بخصوص زواج امرأةٍ بآخرَ خلاف زوجها حالة كونها لم تزل على عصمته. يفاد بما يقتضيه الحكم الشرعي في هذا المسألة.
ومن ضمن الأوراق المذكورة: إعلامٌ صادرٌ من نائب خط الخندق السماني؛ مضمونه: أنه حضرت لديه المرأة المذكورة، من ناحية "ملواد" من ملحقات الخط المقال عنه، وأورت له أنها زوجة للمذكور، ومنكوحته بنكاح صحيح شرعي، وحال وقوع العقد في الجهة البحرية ونقلتها للناحية المذكورة من هناك، ورغبتها لقدومه معها، فما كان منه ذلك، ولا بانتظارها له العام (يحلفه)، ولتراكم الضرر القائم بها في جزئيات أحوالها وكلياتها، وخشية من طروء الفساد عليها بعدم المعاشرة، تلتمس فسخ نكاحها منه على إحدى تلك الوجوه. وعملًا بقولها، ونظرًا لرعاية جانب الغائب، طلب منها النائب المذكور البينة المطابقة لدعواها من الزوجية وخلافها، فأحضرت شاهدين شهدا طبق قولها، وقد استحلفها النائبُ المذكورُ اليمينَ كما هو المقتضى شرعًا، ولقبول شهادتهما ثبت عند هذا النائب صحة دعواها، وتأكد ضررها، وعملًا بالنصوص الواردة في هذا الشأن قد فسخ نكاحها من زوجها، وأباح زواجها بمن ترغبه بعد وفاء العدة لبراءة رحمها بقُرء واحد، وصارت بائنة منه بفسخ نكاحها.
ولمعلومية ذلك قد تحرر لها هذا الإعلام بيدها، ومن ضمن الأوراق المذكورة أيضًا: عريضة من الزوج المذكور للحربية، وعريضة أخرى لمحافظة الإسكندرية؛ بزواج امرأته المذكورة بغيره حالة أنها على عصمته، ورغبته الاستفتاء عن هذه المادة من إفتاء الديار المصرية، واتضح من باقي الأوراق أنه صارت التحريات اللازمة بواسطة الحربية، فاتضح أنها كانت زوجة له وتزوجت بغيره بناءً على الإعلام المذكور.
ما حكم الخلوة بين المرأة والمطلِّق أثناء فترة العدة؟ فقد طَلَّق زوجٌ زوجتَه طلاقًا بائنًا، وعنده منها طفلٌ رضيعٌ يريد رؤيته، فهل يجوز التواجد معها في المنزل لرؤية طفله، أو يشترط وجود مَحْرَمٍ؟
تزوجت من سيدة بعقد زواج رسمي، واتفقنا في بندٍ منه على أنَّه على مذهب الإمام أبي حنيفة، ولم نتفق في هذا العقد على أنه يجوز لها التطليق منه وفقًا لأي مذهب فقهي آخر خلافه.
فهل يجوز لها شرعًا الاستناد إلى المادة السادسة من قانون الأحوال الشخصية رقم 25 لسنة 1929م التي تستقي أحكامها -مأخذها- من مذهب الإمام مالكٍ؛ لترفع ضدي دعوى تطليق للضرر بمحكمة شؤون الأسرة، مع أن القاعدة الشرعية تقرر أن: "العقد شريعة المتعاقدين"؟
امرأة تزوجت بشخص بمقتضى قسيمة رسمية، وبتاريخ أول فبراير سنة 1926م حرر الزوج المذكور على نفسه ورقة لزوجته المذكورة تسجلت بمحكمة عابدين الأهلية، أقر فيها على نفسه بقوله لها: "جعلت أمرك بيدك، بحيث إنك متى وكلما أردت طلاقك مني وأظهرت إرادتك بقولك في غيبتي أو حضوري بصيغة الغائب أو صيغة الخطاب لي ما يدل على أنك طلقت نفسك مني أو حرمت نفسك علي، سواء صرحت بالواحد أو الاثنين أو الثلاث تكونين طالقًا مني فور تصريحك على الطريقة التي تصرحين بها، سواء كانت رجعية أو بائنًا بينونة صغرى أو كبرى، أولى أو ثانٍ أو ثلاث، على دفعة أو دفعات"، على الوجه المدون بالورقة التي حررها على نفسه.
وبما لها من الحق المذكور أشهدت الزوجة المذكورة على نفسها بأنها فعلت المعلق عليه الطلاق بالعقد العرفي، وأظهرت إرادتها في طلاق نفسها من زوجها المذكور بقولها: "طلقت نفسي من زوجي ... طلقة واحدة بائنة من الآن، فلا أحل له إلا بعقد ومهر جديدين"، وذلك بمقتضى إشهاد صادر منها في 14 يونية سنة 1926 بمحكمة مصر الشرعية، وهو مرفق مع هذا.
بناءً عليه نرجو من فضيلتكم التفضل بإفادتي عما إذا كان الطلاق المذكور واقعًا أم لا؟ وإذا كان واقعًا فهل يحل للزوجة المطلقة نفسها أن تتزوج بزوج آخر بعد انقضاء عدتها من مطلقها المذكور؟ أرجو الجواب، ولكم الأجر والثواب.
بِاسم رئيس وأعضاء المجلس الإسلامي للإفتاء في الداخل الفلسطيني نرفع أسمى معاني الشكر والتقدير لهيئة وإدارة وعلماء مجمعكم الكريم ونسأل الله تعالى لكم الثبات والسداد والرشاد.
وإننا -وإذ نبارك هذه الجهود الطيبة المباركة- نتوجه إليكم بطرح هذه المسألة التي عمَّت بها البلوى وشاعت في حياتنا الاجتماعية على مختلف الأقطار والأمصار؛ وهي مسألة طلاق الغضبان والطلاق البدعي؛ حيث إنه وكما هو معلوم لديكم ونظرًا لانتشار ظاهرة التلاعب بألفاظ الطلاق على ألسنة الأزواج بصورة لم يسبق لها مثيل من قبل، ومعظم هؤلاء الذين يتلفظون بالطلاق لا يقفون عند حدوده وآثاره، ثمَّ يبحث بعد ذلك يلتمس الفتوى ويطرق أبواب المفتين، ولعل الذي يتوسل أمام باب المفتي عادةً هي الزوجة التي وقع عليها الطلاق.
ويقف المفتي حائرًا بين أمرين أحلاهما مر:
إمَّا أن يفتي بوقوع طلاق الغضبان ما دام أن الزوج يدرك ويعي ما يقول، وإما أن يقلد قول بعض أهل العلم ممن لا يوقعون طلاق الغضبان في حالة الغضب الشديد ولو كان يدرك ما يقول، أو أن يقلد قول من يقول بعدم وقوع الطلاق البدعي؛ وذلك من باب لمِّ شمل الأسرة، ونظرًا لانتشار هذه الظاهرة المقيتة. وتستدعي الحاجة والضرورة تقليد هؤلاء الأئمة في الانتهاء لا في الابتداء؛ أي عندما تتوقف الحياة الزوجية على تقليدهم وذلك في الطلقة الثالثة، وإلا لترتب على القول بوقوع الطلاق -عملًا بقول المذاهب الأربعة- أن تعيش آلاف البيوت بلا مبالغة في الحرام في بلادنا.
الأمر الذي دفع المجلس الإسلامي للإفتاء أن يبحث عن رخصة فقهية ولو مرجوحة للحفاظ على الأسرة، وإلا لتمزقت الأسر بسبب تهور الأزواج والعبث غير المسؤول.
ولمَّا كانت هذه المسألة من الحساسية بمكان، ولا يتصور أن تُبحث على نطاق مجلسنا الضيق، كما أنه لا يمكن بسبب ظروف بلادنا السياسية إجراء تعديل على قانون الأحوال الشخصية الذي ينص تقليدًا للمذهب الحنفي على وقوع الطلاق البدعي والطلاق في حالة الغضب، بل إن القضاة عندما يتوصل الطرفان إلى اتفاق على استمرارية الحياة الزوجية وإغلاق ملف الطلاق يوجهونه علينا كمجلس إفتاء لاستصدار فتوى بإمكانية الاستمرار. وإننا في المجلس الإسلامي للإفتاء نقف حائرين ومضطربين أمام هذه المسائل لأن المنهجية عندنا عدم الخروج عن المذاهب الأربعة إلا بموجب قرار صادر عن مجمع فقهي، ولذا قررنا أن نتوجه لمجمعكم الكريم بتعميم هذه المسألة على أعضاء المجمع كي نخرج برأيٍ جماعيٍّ تطمئن النفس باتباعه وتطبيقه بخصوص هذه المسألة، ونؤكِّد سلفًا أن المجلس لن يعمم هذه الفتوى، بل ولن يفتي بها ابتداءً، وإنِّما ستكون من قبيل الإفتاء الخاص المعيَّن، وذلك في حالة توقف الحياة الزوجية على قول من يقول بعدم وقوع الطلاق البدعي والغضب الشديد في الطلقة الثالثة وليس في المرتين الأوليين.
وختامًا نسأل الله تعالى لكم التوفيق في الدارين. والله وليُّ المؤمنين.