مدى جواز عدم قبول الهدية

تاريخ الفتوى: 20 فبراير 2023 م
رقم الفتوى: 7614
من فتاوى: الأستاذ الدكتور / شوقي إبراهيم علام
التصنيف: آداب وأخلاق
مدى جواز عدم قبول الهدية

ما مدى جواز عدم قبول الهدية؟ وما هي الحالات التي يجوز فيها شرعًا رد الهدية وعدم قبولها؟

نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن رد الهدية إلا إذا وُجد مانع من قبولها؛ كأن كانت الهدية شيئًا محرمًا، أو كانت رشوة، أو كانت مُهداة لأخذ أكثر منها، أو كانت بمثابة الدَّيْن، أو على سبيل المَنِّ، ويستحب لمن امتنع عن قبول هدية لعذرٍ أن يبين عذره للمُهدي؛ تطييبًا لقلبه وجبرًا لخاطره.

المحتويات

 

حكم رد الهدية من دون سبب شرعي

نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن رد الهدية إذا لم يكن هناك سبب يدعو لذلك؛ رَوى الإمام أحمد في "مسنده"، وابن حبان في "صحيحه" أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «أَجِيبُوا الدَّاعِيَ، وَلَا تَرُدُّوا الْهَدِيَّةَ، وَلَا تَضْرِبُوا الْمُسْلِمِينَ».

قال الإمام ابن حبان في "روضة العقلاء ونزهة الفضلاء" (ص: 242، ط. دار الكتب العلمية): [زجر النَّبِيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وآله وسلَّم في هذا الخبر عَن ترك قبول الهدايا بين المسلمين؛ فالواجب على المرء إذا أهديت إليه هدية أن يقبلها ولا يردها، ثم يثيب عليها إذا قدر ويشكر عنها، وإنَّي لأستحب للناس بعث الهدايا إلى الإخوان بينهم إذ الهدية تورث المحبة، وتذهب الضغينة] اهـ.

الحالات التي يجوز فيها شرعًا رد الهدية

لا يجوز شرعًا رد الهديّة إلا لسببٍ شرعيٍّ؛ كما في الأسباب الآتية:

أولًا: أن تكون الهدية شيئًا مُحرمًا؛ كالخمر مثلًا، فيحرُم قبولها؛ لما في ذلك من تناول الحرام، وهو من المعاونة على الإثم، قال ابن عباس رضي الله عنه: إِنَّ رَجُلًا أَهْدَى لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ رَاوِيَةَ خَمْرٍ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ: «هَلْ عَلِمْتَ أَنَّ اللهَ قَدْ حَرَّمَهَا؟» قَالَ: لَا، فَسَارَّ إِنْسَانًا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ: «بِمَ سَارَرْتَهُ؟»، فَقَالَ: أَمَرْتُهُ بِبَيْعِهَا، فَقَالَ: «إِنَّ الَّذِي حَرَّمَ شُرْبَهَا حَرَّمَ بَيْعَهَا»، قَالَ: فَفَتَحَ الْمَزَادَةَ حَتَّى ذَهَبَ مَا فِيهَا. رواه مسلم في "صحيحه"؛ هذا الحديث نصٌّ في تحريم قبول الهدية المحرمة؛ قال الإمام النووي في "شرحه على صحيح مسلم" (11/ 4،  ط. دار إحياء التراث العربي): [لعل السؤال كان ليعرف حاله؛ فإن كان عالمًا بتحريمها: أنكر عليه هديتها، وإمساكها وحملها، وعزَّره على ذلك، فلما أخبره أنه كان جاهلًا بذلك عذَرَه، والظاهر أن هذه القضية كانت على قرب تحريم الخمر قبل اشتهار ذلك] اهـ.

ثانيًا: أن تكون الهدية بمثابة الرشوة؛ لإبطال حق، أو إثبات باطل؛ كالهدية لبعض الموظفين ونحوهم؛ لقضاء حاجة الـمُهدي أو لتمكينه من شيء ليس من حقه، أو التجاوز عن شيءٍ لا يحق لهم التجاوز عنه، فحينئذ يحرُم الإهداء، ويحرم على المتلقى قبول الهدية؛ روى الإمام أحمد في " مسنده" عَن عَبْدِ اللهِ بن عمرٍو رضي الله عنهما قَالَ: "لَعَنَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ".

وروى أيضًا أنَّ عُمَر بن عَبْد العَزِيز قال: "كَانَتِ الهَدِيَّةُ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ هَدِيَّةً، وَاليَوْمَ رِشْوَةٌ"؛ فهذه النصوص تدل على عدم جواز قبول الهدية إذا كانت على هذه الحالة.

ثالثًا: إذا كان الـمُهدي أهداها لأخذ أكثر منها ممن أهديت إليه مستقبلًا، فيُكره قبولها؛ ويدل على ذلك ما رواه الإمام أحمد في "مسنده" عَن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَهْدَى إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ بَكْرَةً، فَعَوَّضَهُ مِنْهَا سِتَّ بَكَرَاتٍ، فَتَسَخَّطَهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ فُلَانًا أَهْدَى إِلَيَّ نَاقَةً، وَهِيَ نَاقَتِي أَعْرِفُهَا كَمَا أَعْرِفُ بَعْضَ أَهْلِي، ذَهَبَتْ مِنِّي يَوْمَ زَغَابَاتٍ، فَعَوَّضْتُهُ سِتَّ بَكَرَاتٍ، فَظَلَّ سَاخِطًا، لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ لَا أَقْبَلَ هَدِيَّةً إِلَّا مِنْ قُرَشِيٍّ، أَوْ أَنْصَارِيٍّ، أَوْ ثَقَفِيٍّ، أَوْ دَوْسِيٍّ».

قال الإمام الطيبي في "الكاشف عن حقائق السنن" (7/ 2230، ط. مكتبة نزار الباز): [كُره قبول الهدية ممن كان الباعث له عليها طلب الاستكثار] اهـ.

رابعًا: إذا كان الـمُهدي يعتبر هديته بمثابة الدَّين على المهدى إليه، إلا ما جرت به بعض الأعراف، أو أن يكون منَّانًا يمنُّ بهديته ويتحدث بها، ففي هاتين الحالتين يُكره قبول الهدية.
يقول الإمام البهوتي في "كشاف القناع" (4/ 322، ط. دار الكتب العلمية): [(ويجُوز ردُّها) أي: الْهَدِيَّة (لِأمُورٍ: مثل أن يريد أَخْذَهَا بِعَقْدِ مُعَاوضةٍ)... (أوْ يكُون الْمُعْطَى لَا يَقْنَعُ بالثَّواب الْمُعْتاد)؛ لِما فِي الْقَبُولِ من الْمشقَّة حينئذٍ (أَوْ تكُونُ) الْهَديَّة (بعد السُّؤَالِ وَاستشْرَافِ النَّفْسِ لَهَا).. (أَوْ لِقَطْعِ الْمِنَّةِ) إذَا كان على الْآخِذِ فيه منَّة] اهـ.

الاعتذار عند رد الهدية

مما تجدر الإشارة إليه، ولا ينبغي الغفلة عنه أنَّه إذا وُجد سبب شرعي يدعو لرد الهديّة، فإنَّه ينبغي تطييب قلب المهدي ببيان العذر في عدم قبول هديته؛ ويدل على ذلك ما ورد عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ اللَّيْثِيِّ أَنَّهُ أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ حِمَارًا وَحْشِيًّا، وَهُوَ بِالأَبْوَاءِ أَوْ بِوَدَّانَ، فَرَدَّهُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَى مَا فِي وَجْهِهِ قَالَ: «إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ» متفق عليه.

قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (4/ 34، ط. المكتبة السلفية): [وفيه الاعتذار عن رد الهدية؛ تطييبًا لقلب المهدي] اهـ.

الخلاصة

بناءً على ما تقدَّم: فرد الهدية يخالف الهدي النَّبوي إلا إذا وُجد مانع من قبولها؛ كأن كانت الهدية شيئًا محرمًا، أو كانت رشوة، أو كانت مُهداة لأخذ أكثر منها، أو كانت بمثابة الدَّيْن، أو على سبيل المَنِّ، ويستحب لمن امتنع عن قبول هدية لعذرٍ أن يبين عذره للمُهدي؛ تطييبًا لقلبه وجبرًا لخاطره.

والله سبحانه وتعالى أعلم.

كيف نُقَدِّم الإسلام للغرب؟ وهل هناك تصورٌ في عرض القضايا الإسلامية للوصول للرأي العام الغربي من أجل تصحيح صورة الإسلام والمسلمين؟


سائل يسأل فيقول: سمعت أنَّ مكة المكرمة أفضل من المدينة المنورة؛ فما مدى صحة هذا الكلام؟


ما حكم رفع الصوت في مسجد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم دون قصد؟ فقد وقف بعضنا عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عند الرأس الشريف يسأله أن يدعو له مشتغلًا بالصلاة والسلام عليه متوسلًا به في حق نفسه مستشفعًا به إلى ربه، وبينا هو في ورد صلاةٍ عليه جاءه بعض العسكر فأمروه بالانصراف، فأبى إذ كان موقفه متأخرًا مبعدًا عن الطريق ليس فيه من إيذاء ولا تضييق على أحد، فجذبوه بالعنف حتى كادوا أن يمزقوا ثيابه وهو يقول نحوًا من: دعني، اتركني يا هذا، أنا مشتغلٌ بالصلاة على رسول الله، أنا في حمى رسول الله، ولم يجاوز نحو هذه الألفاظ، ثم تذكر أنه قد رفع صوته ببعضها دون أن يشعر مع شدة وطأة العسكر عليه رغم حرصه على ألا يرفع صوته هناك بشيء. فهل ترونه قد حبط عمله وضاعت حجته وزيارته، أم ترانا نسمع منكم ما يبشره ويسلي الله به قلبه ويفرج كربه؟ علمًا بأنه قد رأى بعدها في المنام أنه قد أصبح الإمام الراتب لمسجد رسول الله وبعض الناس يتربصون به، علمًا بأنه قصد موقفه الأول بعد ذلك مستخفيًا في الناس متنكرًا حتى لا تراه العسكر، فرأوه فجاءوا إليه مغمومين يطلبون العفو والسماح.


ما حكم الشرع الشريف في التحرُّش الجنسي؟ حيث قام أحد الأشخاص بمحاولة التحرّش بالألفاظ تجاة إحدى الفتيات في الطريق، وعندما نهيتُه عن ذلك ادّعى أنَّ الفتاة هي السبب؛ لنوع ملابسها التي ترتديها. نرجو منكم التكرّم بالردّ على مثل هذه الدعاوى التي تُبرِّر هذه الجريمة وتُلقي بالتهمة على الفتاة وملابسها. 


ما حكم النداء على المفقود عبر مكبرات الصوت بالمسجد؟ فقد حدث خلافٌ كبيرٌ في بلدتنا إثر نداء أحد العامة على طفل مفقود باستخدام مكبرات الصوت بالمسجد الكبير في البلدة؛ تلبيةً لاستغاثة أمه التي كاد قلبها ينفطر من البكاء، فاختلف الناس في أمر هذا النداء بين مؤيد ومعارض، حتى وصل الخلاف إلى حدِّ الاتهام في الدين والإيمان، فالمعارضون يستدلون بحديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إذا رأيتم الرجل ينشُد ضالته في المسجد فقولوا له: لا ردها الله عليك»، ويستدلون أيضًا بأن المساجد ما جُعلت لذلك، وإنما جُعِلت للعبادة، ويرون أن هذا ليس من العبادة.
والمؤيدون يستدلون بأن حفظ النفس من مقاصد التشريع، وأن هذه نفس مفقودة، ومن مقاصد التشريع أيضًا حفظ العقل والدين، ومن يكون في هذا الموقف يكاد يطير عقله، واستدل المؤيدون أيضًا بأن هذا الدين دين رحمة وسماحة، وأن المقصود بالضالة في الحديث: البهائم وما في حكمها كما ورد في سبب الحديث، وأن حرمة الإنسان أعظمُ من حرمة البنيان كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم للكعبة: «ما أعظم حرمتَك عند الله! وَلَدَمُ امرئ مسلم أعظمُ حرمةً منكِ».


ما ضابط التناجي المنهي عنه شرعًا؟ وهل الكلام الخاص مع شخصٍ ما في حضور ثالث يُعدُّ من التناجي الممنوع؟


مَواقِيتُ الصَّـــلاة

القاهرة · 15 مارس 2026 م
الفجر
4 :38
الشروق
6 :5
الظهر
12 : 4
العصر
3:29
المغرب
6 : 3
العشاء
7 :20