ثواب سماع القرآن الكريم

تاريخ الفتوى: 26 يناير 2025 م
رقم الفتوى: 8543
من فتاوى: فضيلة أ. د/ نظير محمد عياد - مفتي الجمهورية
التصنيف: الذكر
ثواب سماع القرآن الكريم

هل تحصل المرأة الكبيرة في السن التي لا تحفظ كثيرًا من القرآن، ولا تستطيع القراءة من المصحف، على ثواب الاستماع للقرآن الكريم من المذياع ونحوه؟

قراءة القرآن الكريم أو الاستماع لتلاوته كلاهما من أفضل العبادات، وأكدت نصوص الشرع فضلهما وثوابهما، وينبغي على المسلم الجمع بين وجوه الخير، فيقرأ تارة ويستمع تارة أخرى، فإذا لم يستطع القراءة، وكان قادرًا على الاستماع بأن يلقي سمعه، ويحضر قلبه بما يتحقق معه الفهم والتدبر -فلا شك أنه محمودٌ مأجورٌ بإتيانه ما يقدر عليه من ذلك، ومعذورٌ بما عجز عنه، ويتحقق الاستماع لتلاوة القرآن بالكريم بكل ما هو متاح على حسب الطاقة، سواء كان بسماع من يقرأه مباشرة، أو بواسطة مذياع أو تلفاز أو هاتف ونحو ذلك، وبه يحصُل الثواب الموعود.

المحتويات

 

فضل الاستماع لتلاوة القرآن الكريم

قراءة القرآن الكريم أو الاستماع لتلاوته كلاهما عبادة من أفضل العبادات، والسنة النبوية عامرة بالنصوص المؤكِّدة لفضلهما وثوابهما: ففي خصوص قراءته جاء عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، لا أَقُولُ الم حَرْفٌ، وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ وَلَامٌ حَرْفٌ وَمِيمٌ حَرْفٌ» رواه الترمذي.

وفي خصوص الاستماع إليه جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَنِ اسْتَمَعَ إِلَى آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ كُتِبَ لَهُ حَسَنَةٌ مُضَاعَفَةٌ، وَمَنْ تَلَاهَا كانت لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» رواه الإمام أحمد.

وقد حث الله تعالى عباده المؤمنين على الاستماع إلى القرآن الكريم والإنصات له، فقال سبحانه: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: 204]، فالله عز وجل أرشد المؤمنين به المصدقين بكتابه إلى أن يصغوا وينصتوا إلى القرآن إذا قرئ عليهم؛ ليتفهموه ويعقلوه ويعتبروا بمواعظه؛ إذ يكون ذلك سبيلًا لرحمة الله تعالى بهم.

قال الإمام الطبري في تفسيره "جامع البيان" (10/ 658، ط. دار هجر): [يقول تعالى ذكره للمؤمنين به المصدقين بكتابه الذين القرآن لهم هدى ورحمة: ﴿وَإِذَا قُرِئَ﴾ عليكم أيها المؤمنون، ﴿الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾، يقول: أصغوا له سمعكم لتتفهموا آياته، وتعتبروا بمواعظه، وأنصتوا إليه لتعقلوه وتتدبروه، ولا تلغوا فيه فلا تعقلوه، ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ يقول: ليرحمكم ربكم باتعاظكم بمواعظه، واعتباركم بعبره، واستعمالكم ما بينه لكم ربكم من فرائضه في آيه] اهـ.

وقال الإمام الليث: [يُقال: ما الرحمة إلى أحدٍ بأسرع منها إلى مستمع القرآن؛ لقول الله جل ذكره: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾، و"لعل" من الله واجبةٌ] اهـ. يُنظر: "الجامع لأحكام القرآن" للإمام القرطبي (9/1، ط. دار الكتب المصرية).

استماع النبي صَلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَ لتلاوة القرآن من غيره

كان النبي صَلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَ يحب أن يستمع لتلاوة القرآن من غيره، وهذا مما يؤكِّد سنية الاستماع والإصغاء لتلاوة القرآن الكريم واستحبابه؛ فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قالَ: قال لي النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَ: «اقْرَأْ عَلَيَّ، قُلتُ: آقْرَأُ عَلَيْكَ وعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟ قالَ: فإنِّي أُحِبُّ أنْ أسْمَعَهُ مِن غَيرِي، فَقَرَأْتُ عليه سُورَةَ النِّسَاءِ، حتَّى بَلَغْتُ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾، قالَ: أمْسِكْ، فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ» أخرجه الشيخان، واللفظ للبخاري.

قال الإمام ابن بطال في "شرح صحيح البخاري" (10/ 277، ط. مكتبة الرشد): [«إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي» معنى استماعه القرآن من غيره -والله أعلم- ليكون عرض القرآن سنة، ويحتمل أن يكون كي يتدبره ويفهمه، وذلك أن المستمع أقوى على التدبر، ونفسُه أخلى وأنشط من نفس القارئ؛ لأنه في شغل بالقراءة وأحكامها] اهـ.

وقال الإمام النووي في "شرح صحيح مسلم" (6/ 88، ط. دار إحياء التراث العربي): [وفي حديث ابن مسعود هذا فوائد، منها: استحباب استماع القراءة والإصغاء لها، والبكاء عندها، وتدبرها، واستحباب طلب القراءة من غيره ليستمع له، وهو أبلغ في التفهم والتدبر من قراءته بنفسه، وفيه تواضع أهل العلم والفضل ولو مع أتباعهم] اهـ.

اجتماع الصحابة الكرام على تلاوة القرآن الكريم والاستماع إليه

قد كان هذا حال الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين مع القرآن؛ فكانوا إذا اجتمعوا أمروا رجلًا منهم أن يقرأ وهم ينصتون إليه، وهو أيضًا حال التابعين ثم مَنْ بعدهم مِن العلماء والصالحين والمتعبدين.

فعن أبي نضرة قال: «كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا اجْتَمَعُوا تَذَاكَرُوا الْعِلْمَ وَقَرَءُوا سُورَةً» أخرجه الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع". وينظر: "التبيان في آداب حملة القرآن" للإمام النووي الشافعي (ص: 113، ط. دار ابن حزم)، و"مجموع الفتاوى" للشيخ ابن تيمية الحنبلي (11/ 626، ط. مجمع الملك فهد لطباعة المصحف).

ثواب سماع القرآن الكريم

مما ينبغي على المسلم اتباعه أن يجمع بين كل ذلك الخير، فيقرأ تارة ويستمع تارة أخرى؛ إذ التلاوة تشمل الاستماع إلى قراءة نفسه، وتزيد على ذلك لتشمل النظر في المصحف الشريف إن كانت القراءة منه، وتحريك اللسان بكلام الله تعالى، وفي جميع الأحوال ينبغي الحرص على أن يكون قلبه أقرب للخشوع والتدبر والفهم لآيات القرآن الكريم.

فإذا لم يستطع قراءة القرآن الكريم، وكان قادرًا على السماع بأن يلقي سمعه، ويحضر قلبه بما يتحقق معه الفهم والتدبر، فلا شك أنه محمودٌ مأجورٌ بإتيانه ما يقدر عليه من ذلك، وهو معذورٌ فيما عجز عنه، ولا ينبغي أن يكون ما عجز عنه عذرًا أو وسيلة لترك ما يقدر عليه من الخير، فما يمكن له الإتيان به سواء كان واجبًا أو مستحبًا لا يسقط عنه لأجل ما عجز عنه؛ لأن "الميسور لا يسقط بالمعسور"، كما هو مقررٌ في القواعد، قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16]، ومن قوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَ: «إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» أخرجه البخاري. يُنظر: "الأشباه والنظائر" للإمام تاج الدين السبكي (1/ 155، ط. دار الكتب العلمية).

ويحصل الاستماع لتلاوة القرآن الكريم بكل ما هو متاح على حسب الطاقة، سواء كان بسماع من يقرأه مباشرة، أو بواسطة مذياع أو تلفاز أو هاتف ونحو ذلك.

الخلاصة

بناءً عليه وفي واقعة السؤال: فقراءة القرآن الكريم أو الاستماع لتلاوته كلاهما عبادة من أفضل العبادات، جاءت نصوص الشرع مؤكدة لفضلهما وثوابهما، وينبغي على المسلم أن يجمع بين وجوه الخير، فيقرأ تارة ويستمع تارة أخرى، فإذا لم يستطع قراءة القرآن الكريم، وكان قادرًا على الاستماع بأن يلقي سمعه، ويحضر قلبه بما يتحقق معه الفهم والتدبر -فلا شك أنه محمودٌ مأجورٌ بإتيانه ما يقدر عليه من ذلك، ومعذورٌ بما عجز عنه، ويتحقق الاستماع لتلاوة القرآن الكريم بكل ما هو متاح على حسب الطاقة، سواء كان بسماع من يقرأه مباشرة، أو بواسطة مذياع أو تلفاز أو هاتف ونحو ذلك، وبه يحصُل الثواب الموعود.

والله سبحانه وتعالى أعلم.

سائل يقول: نرجو منكم الرد على مَن يدَّعي عدم مشروعية الذكر الجماعي، مستدلًا بما ورد عن سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه نهي عن رفع الصوت بالذِّكر.


ما حكم ترجمةُ معاني القرآن الكريم بِلُغَةِ الإشارة؛ فأنا مترجمةُ إشارةٍ لِلصُّمِّ وضِعافِ السمْع، وقد بدأْتُ أنا وبعضٌ مِن مترجِمِي الإشارة في ترجمة القرآن الكريم لِلصُّمِّ؛ حيث إننا نُفَسِّرُ القرآنَ بالإشارة، عِلمًا بأن الصُّمَّ لا يفهمون ألفاظ القرآن الكريم، فهُم غيرُ قادِرِين على قراءته وفهمه، وإننا نقوم بالترجمة ولا نُتَرجِمُ التجويدَ والتشكيل، ولكننا نُتَرجِمُ اللَّفظَ ومعناه وتفسيرَه. فهل يجوز ذلك؟


سائل يقول: ناقشني بعض أصدقائي بخصوص قرار وزارة الأوقاف المصرية المتضمن "الصلاة على النبي" في جميع المساجد عقب صلاة الجمعة القادمة لمدة ثلاث أو خمس دقائق بالصيغة الإبراهيمية، ويقول بأن هذا الأمر بدعة، وهو يحرضني على الخروج من المسجد بعد سلام الإمام مباشرة لأنني سأكون مشاركًا في هذا الفعل، وأرجو الإفادة بالرأي الصحيح في ذلك.


ما حكم رفع اليدين بالدعاء أثناء خطبة الجمعة، وبين الخطبتين أثناء جلسة الإمام؟


 في الآية الكريمة: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:13]، لماذا اختلف رسم كلمة السفهاء في الآية الكريمة بالنسبة لحرف الهاء؟ ولماذا اختلف رسم الميم في (أنهم) عنه في (هم)، خاصة أن هذا الرسم متكرر في كتاب الله بصفه دائمة، وهو الرسم الذي عُرِضَ على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وخاصة بالنسبة لحروف: هـ، هـ- ك، ك- ل، ل- م، م. وحرف الراء ر، ر ي، ي بالإضافة إلى حرف الواو الزائدة في اسم داود في الوصل بين كلمتين، وفي السموات- الحيوة- الزكوة؟ فمثلًا في مطلع سورة الزخرف يقول الله تعالى: ﴿حم • وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾، وفي مطلع سورة الدخان يقول الله تعالى: ﴿حم • وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ نفس الحروف ونفس الكلمات ولكن اختلاف في الرسم، لماذا؟


أرجو من فضيلتكم بيان مفهوم الاستعاذة، وما هي الصيغ الواردة فيها؟


مَواقِيتُ الصَّـــلاة

القاهرة · 24 سبتمبر 2026 م
الفجر
5 :17
الشروق
6 :44
الظهر
12 : 47
العصر
4:13
المغرب
6 : 49
العشاء
8 :7