رجلٌ يسأل في أنه سوف يذهب لأداء العمرة، ويتكرر دخوله إلى المسجد الحرام بعد أدائه العمرةَ للصلاة، فهل تحيته تكون بالطواف في كل مرة، أو بأداء ركعتين كما هي الحال في سائر المساجد؟
إذا أدّى السائلُ عمرتَه وطاف فيها بالكعبة المشرفة طوافَ العمرة، فلا يُطلب منه الطوافُ في كلِّ مرةٍ يدخل فيها المسجدَ الحرامَ للصلاة، بل تكون التحية في حقه حينئذٍ بالصلاةِ، كما هي الحال في سائر المساجد.
المحتويات
جعل اللهُ سبحانه وتعالى للمساجد منزلةً رفيعةً، فأضافها إلى نفسه إضافةَ تشريفٍ وتعظيم، فقال سبحانه وتعالى في محكم التنزيل: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَدًا﴾ [الجن: 18].
ولتلك المنزلة الرفيعة رَغَّبَ الشرعُ الحنيفُ في صلاة ركعتين تحيةً للمسجد بمجرد دخوله، فعن أبي قتادة السَّلَمِيِّ رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ المَسجِدَ فَليَركَع رَكعَتَينِ قَبلَ أَن يَجلِسَ» متفق عليه.
لمَّا كان المسجدُ الحرامُ مختصًّا بمزيدِ فضلٍ وشرفٍ؛ لاشتماله على الكعبةِ المشرفة، قبلةِ المسلمين وملاذِ الآمِنين -فإن التحية المندوبة عند دخوله يُفرَّق فيها بين حالتين:
الحالة الأولى: أن يكون الداخلُ قاصدًا الكعبة المشرفة لأداء نُسُكٍ -حجًّا كان أو عمرةً-، أو قاصدًا الطوافَ بها تطوُّعًا -فيُشرع في حقه تحيتان:
التحية الأولى: تحيةُ الكعبة المشرفة، وهي الطوافُ بها سبعةَ أشواطٍ متى تمكن منه، فيبدأ بهذا الطواف، ويجزئ عنها طوافُ النُّسُك أو التطوع؛ لأن الكعبة المشرفة -وإن كان الداخلُ قاصدًا إياها لا يصل إليها إلا بدخول المسجد الحرام- قبلةُ كل مسجد، ولأن قاصد الطواف لا يجلس غالبًا إلا بعد أن يُتم طوافه ويصلي إثره ركعتين خلف المقام، فكانت "تحية الكعبة مقدَّمة على تحية المسجد" -كما في "حاشية المنتهى على منتهى الإرادات" للعلامة ابن قائد (2/ 141، ط. مؤسسة الرسالة)-.
والتحية الثانية: تحيةُ دخول المسجد، وهي ركعتان كتحية سائر المساجد، وتجزئ عنها الركعتان بعد الطواف بالكعبة المشرفة؛ إذ يحصل بهما المقصودُ من تحية المسجد، وهو ألَّا يجلسَ داخلُهُ فيه حتى يصلي ركعتين.
ويستدل على البدء بالطواف في حق من دخل المسجد الحرام قاصدًا الكعبة المشرفة لنُسُكٍ أو طوافِ تطوعٍ بما ورد عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: «لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ دَخَلَ المَسجِدَ، فَاستَلَمَ الحَجَرَ، ثُمَّ مَضَى عَلَى يَمِينِهِ، فَرَمَلَ ثَلَاثًا، وَمَشَى أَربَعًا، ثُمَّ أَتَى المَقَامَ فَقَالَ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: 125]، فَصَلَّى رَكعَتَينِ وَالمَقَامُ بَينَهُ وَبَينَ البَيتِ، ثُمَّ أَتَى البَيتَ بَعدَ الرَّكعَتَينِ فَاستَلَمَ الحَجَرَ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّفَا» أخرجه الأئمة: مسلم، والترمذي، والنسائي واللفظ له.
قال الإمام شهاب الدين الرملي في "حاشيته" على "أسنى المطالب" لشيخ الإسلام زكريا الأنصاري (1/ 476، ط. المطبعة الميمنية) عند الكلام على تحية المسجد الحرام: [(قوله: ولأنها تحصل بركعتيه غالبًا) قال القاضي أبو الطَّيب: إذا صلى ركعتي الطواف أجزأته عن تحية المسجد، قال في "العباب": ولا يبدأ بتحية المسجد؛ إذ تحصل بركعتي الطواف] اهـ.
وقال العلامة شهاب الدين القليوبي في "حاشيته على شرح المحلي على المنهاج" (1/ 246، ط. دار الفكر): [تحية المسجد ولو المسجد الحرام بالصلاة، وتحية البيت بالطواف، ولا يفوت أحدهما بالآخر] اهـ.
وقال في (2/ 130) عند الكلام على طواف القدوم: [قوله: (أي: المسجد الحرام) المعتمد أنه تحية البيت، وأن تحية المسجد الركعتان بعده] اهـ.
وقال العلامة البهوتي في "كشاف القناع" (2/ 477، ط. عالم الكتب): [(وتحية المسجد) الحرام (الصلاة، وتجزئ عنها الركعتان بعد الطواف)] اهـ.
والحالة الثانية: أن يكون الداخلُ إلى المسجد الحرام غيرَ قاصدٍ الكعبة المشرفة لنُسُكٍ أو لطوافِ تطوعٍ، كالمقيم بمكة، أو مَن فرغ مِن نُسُكه، أو مَن سبق له الطواف في زيارته ثم تكرَّر دخوله بقصد الصلاة، أو الجلوس، أو التمتع والتعبد بالنظر إلى الكعبة المشرفة، أو حضور حِلَق العلم، أو الذكر، أو قراءة القرآن أو نحو ذلك، وكذا من لم يتمكَّن منه لعذرٍ خارجٍ عن إرادته، كشدة الزحام، أو الإجراءات التنظيمية -فإن تحيَّته حينئذٍ هي أداء ركعتين تحية المسجد كتحية سائر المساجد؛ لعموم حديث أبي قتادة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ المَسجِدَ فَليَركَع رَكعَتَينِ قَبلَ أَن يَجلِسَ» متفق عليه.
قال العلامة ابن عابدين في "رد المحتار" (2/ 492، ط. دار الفكر): [(قوله: لأنه تحيَّةُ البيتِ) أي: لمن أرادَ الطوافَ، بخلاف من لم يُرِدهُ وأرادَ أن يجلس، فلا يَجلس حتى يُصلي ركعتين تحية المسجد] اهـ.
وقال الإمام الخرشي في "شرح مختصر خليل" (2/ 7، ط. دار الفكر): [(ص) وتحية مسجد مكة الطواف. (ش) أي: للقادم بحجٍّ أو عمرةٍ أو إفاضةٍ، أو المقيم الذي يريد الطواف، أمَّا مَن دخله للصلاة أو للمشاهَدَة فتحيته ركعتان] اهـ.
وقال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري في "أسنى المطالب" (1/ 476): [ولو دخل وقد مُنِع الناس من الطواف صلَّى تحية المسجد، جزم به في "المجموع"، وإنما قدم الطواف عليها -أي: تحية المسجد- فيما مَرَّ؛ لأن القصدَ من إتيان المسجد البيتُ، وتحيته الطواف، ولأنها تحصل بركعتيه غالبًا] اهـ.
وقال الإمام البيجوري في "حاشيته على شرح ابن قاسم" (1/ 263، ط. دار الكتب العلمية): [لو دخل المسجد الحرام مُريدًا للطواف فإن تحيته بالنسبة للبيت الطواف، وبالنسبة لبقية المسجد: الصلاةُ، ويؤخرها عن الطواف، فلو قدَّمها عليه كُره، فإن لم يُرد الطوافَ فالتحيةُ الصلاةُ فقط، وتتكرر التحية بتكرر الدخول ولو عن قُرب] اهـ.
وقال العلامة ابن قاسم في "حاشية الروض المربع" (4/ 93، بدون ناشر): [الطواف قبل تحية المسجد لمن طاف، وإن لم يطف كأن دخل في وقت منع الناس فيه من الطواف.. أو دخل المسجد غير مريد الطواف، لم يجلس حتى يصلي الركعتين، فإن الطواف تحية الكعبة، وتحية المسجد الصلاة] اهـ.
بناءً على ذلك وفي واقعة السؤال: فإن السُّنَّة في حقِّ من دخل المسجدَ الحرام قاصدًا الكعبة المشرفة لأداء نُسُك (حجًّا كان أو عمرةً) أو ليتطوع بالطواف بها -أن يبتدئَ بالطواف سبعة أشواطٍ تحيةً للكعبة المشرفة؛ ليكون الطوافُ أوَّلَ عهده بها تعظيمًا وإجلالًا لها، فهي قبلة المساجد، وإليها يتوجه كلُّ ساجد، ثم يُصلِّي بعد الطواف ركعتين تقعان له تحيةً للمسجد الحرام.
أمَّا من دخل المسجدَ الحرام غيرَ قاصدٍ الكعبة المشرفة لنُسُكٍ أو لطوافِ تطوعٍ، كالمقيم بمكة، أو مَن فرغ مِن نُسُكه، أو مَن سبق له الطواف في زيارته، ثم تكرَّر دخوله بعد ذلك للصلاة أو التمتع والتعبد بالنظر إلى الكعبة المشرفة أو نحو ذلك -فإن السُّنَّة في حقِّه صلاةُ ركعتين تحيَّةَ المسجد، ولا يُطلب منه الطوافُ مع كلِّ دخول.
وما دام السائلُ سيؤدِّي عمرتَه ويطوفُ فيها بالكعبة المشرفة طوافَ العمرة، فلا يُطلب منه الطوافُ في كلِّ مرةٍ يدخل فيها المسجدَ الحرامَ للصلاة، بل تكون التحية في حقه حينئذٍ بالصلاةِ، كما هي الحال في سائر المساجد.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
ما حكم البيع الإلكتروني بعد الأذان لصلاة الجمعة وقبل الوصول للمسجد؟
ما حكم صلاة الاستخارة وكيف تعرف نتيجتها؟ فأنا فتاة وقد تقدم لي أكثر من عريس وأريد أن أستخير الله في الاختيار بينهم، سؤالي هو: كيف أصلي صلاة الاستخارة؟ وكيف أعرف نتائجها؟ وشكرًا.
ما حكم صلاة التسابيح وكيفيتها؟ ومدى صحة الحديث الوارد فيها؛ حيث اعتدنا أن نصلي صلاة التسابيح جماعةً بعد صلاة العشاء ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان كل عام، لكن رأينا بعض الشباب ينشقون عن الجماعة، ويقولون: إن صلاة التسابيح بدعة، مما نتج عنه تشتيت الناس واختلافهم.
ما حكم المسح على الجورب الأعلى بعد المسح على الجورب الأسفل؟ فأنا توضأتُ ولبستُ جَوْرَبَيْن، ثم انتقض وضوئي، فتوضأتُ ومسحتُ عليهما، ثم لبست جَوْرَبَيْن آخَرَين فوقهما قبل أن ينتقض وضوئي مرة أخرى، فهل يجوز المسح عليهما، أو عليَّ نزعُهما والمسحُ على الجَوْرَبَيْن الأَوَّلَيْن؟
حكم تنظيم أوقات الامتحانات بما يتناسب مع أوقات الصلاة؛ حيث تقوم إحدى الجامعات الأجنبية بالقاهرة بتقديم شهادة الماجستير في إدارة الأعمال الدولية، والذي يتطلب إجراء امتحانات دورية في نصف ونهاية كل فصل دراسي، ونوعية الدارسين من الموظفين؛ بما يتحتم معه أن تكون مواعيد الامتحانات من الساعة السابعة مساءً حتى التاسعة مساءً، وبعض الطلبة يطلبون الخروج أثناء وقت الامتحانات لدخول دورات المياه للوضوء والصلاة؛ مما يربك بقية الحاضرين من زملائهم في القاعة وخارجها ويشتت أفكارهم ويسمح لبعضهم بإجراء مكالمات تليفونية أو للغش في الامتحان.
فبرجاء الإفتاء عن وجوب الخروج من الامتحان للصلاة من عدمه، وبرجاء الإفادة عما إذا كان هذا النظام مُتَّبَعًا في كليات جامعة الأزهر من عدمه.
ما حكم قراءة الإمام من المصحف في الصلاة؟ حيث كان إمام المسجد يقرأ في صلاة التراويح من المصحف خِفْيَةً، وكان يدَّعي خلاف ذلك، وبالتحقيق معه اعترف بأنه يقرأ من المصحف فعلًا. فما رأي الشرع في ذلك؟