حكم العمل في تطبيق يتضمن محادثات صوتية وألعاب ومراهنات

تاريخ الفتوى: 18 يناير 2026 م
رقم الفتوى: 8887
من فتاوى: فضيلة أ. د/ نظير محمد عياد - مفتي الجمهورية
التصنيف: الكسب
حكم العمل في تطبيق يتضمن محادثات صوتية وألعاب ومراهنات

ما حكم العمل في تطبيقات تتضمن محادثات وألعاب ومراهنات؟ فقد ظهر في الآونة الأخيرة تطبيقٌ إلكترونيٌّ قائمٌ على إنشاء غرفٍ صوتية يتواصل فيها المستخدمون من الرجال والنساء، وقد يقع في بعض تلك الغرف كلامٌ غير لائقٍ بين المستخدمين من الجنسين، ومن ضمن أنشطته كذلك ألعابٌ تقوم على المراهنات، ويُستعمل فيها رصيدٌ رقميٌّ يُسمَّى (الماس)، يُشترى بالمال الحقيقي، ويقوم نظام التطبيق على وجود وكلاء شحن، تتمثَّل مهمتهم في شحن هذا الرصيد الرقمي للمستخدمين مقابل عمولةٍ محددة، دون تدخُّلٍ منهم في كيفية استخدامه بعد الشحن، فما الحكم الشرعي في عمل وكيل الشحن في هذا التطبيق؟ وهل يُعدُّ ذلك من التعاون على الإثم والعدوان؟ وما الحكم الشرعي كذلك في العمل بخدمة عملاء هذا التطبيق؟ حيث يقتصر دور الموظف على الإجابة عن استفسارات المستخدمين، وشرح آلية فتح الوكالات، ورفع المشكلات الفنية أو الإدارية إلى الإدارة، دون مشاركةٍ مباشرةٍ في الشحن أو في أنشطة الألعاب.

يحرم شرعًا العمل في التطبيق المذكور أو لصالحه، والذي تجري فيه محادثاتٌ غيرُ منضبطةٍ بين الرجال والنساء، ويشتمل على ألعابٍ قائمةٍ على المراهنات المالية، ولا يخضع لأي سلطةٍ رقابِيَّةٍ، وسواءٌ كان العمل في وكالة الشحن، أو في خدمة العملاء.

المحتويات

 

ضوابط الكسب في الإسلام

حثَّ الشرع الشريف على العمل والسعي والكسب، فقال تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: 105]، وقال عزَّ وجلَّ: ﴿فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: 10]. ومعنى ﴿ابتغوا﴾: اطلبوا الرزق واجتهدوا في اكتسابه.

قال الإمام أبو الليث السَّمَرقَندِي في "بحر العلوم" (3/ 363، ط. دار الكتب العلمية): [﴿فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ يعني: اطلبوا الرزق مِن الله تعالى بالتجارة والكسب] اهـ.

والعملُ والكسبُ في الشريعة الإسلامية إنما يكونان مشروعين متى كانا واقعين في نطاق المباح، قائمين على منفعةٍ مشروعةٍ خاليةٍ من المحظورات الشرعية، فما كان محرَّمًا في ذاته، أو في مقصده، أو في وسيلته، حَرُم على المسلم أن يعمل فيه أو أن يُسهم في تسييره؛ لأن العمل فيه حينئذٍ يكون داخلًا في التعاون على الإثم والعدوان، وهو منهيٌّ عنه شرعًا بقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2].

ومن القواعد الفقهية المقررة أنَّ "الوسائل لها أحكام المقاصد"، كما في "قواعد الأحكام" للإمام العز بن عبد السلام (1/ 53، ط. مكتبة الكليات الأزهرية)، فالعمل متى كان مفضيًا بذاته إلى تسيير شيءٍ محرَّم كان محرَّمًا كذلك.

حكم العمل في تطبيق يتضمن محادثات صوتية وألعاب ومراهنات

بالنظر إلى التطبيق المسؤول عنه نجد أنَّه يشتمل على جملةٍ من المحاذير الشرعية، والتي تجعل العمل فيه -سواء في وكالة الشحن أو في خدمة العملاء- محرَّمًا؛ لكونه حينئذٍ إعانةً على المحرَّم، ومن تلك المحاذير ما يلي:

أوَّلًا: العلاقة غير المنضبطة بين الرجال والنساء، واشتمال الغرف الصوتية على كلام غير لائق بين المستخدمين من الجنسين، فإنَّ الشريعة الغراء قد أجازت الكلام بين الرجل والمرأة الأجنبية عنه عند الحاجة، فإن لم يكن الكلام لحاجةٍ، وكان فيه نوع خضوع أو فحش أو نحو ذلك، أو كان مظنة الميل والافتتان -كان حرامًا شرعًا.

قال العلامة أبو سعيد الخادمي في "بريقة محمودية" (4/ 7، ط. الحلبي) عند تعداده أصناف الكلام الذي الأصل فيه الحظر: [(السادس والخمسون: التكلم مع الشَّابَّة الأجنبية، فإنَّه لا يجوز بلا حاجة)؛ لأنَّه مظِنَّة الفتنة، فإنْ بحاجةٍ كالشهادة والتبايع والتبليغ فيجوز] اهـ.

وقال العلامة الطحطاوي في "حاشيته على مراقي الفلاح" (ص: 242، ط. دار الكتب العلمية): [إنَّا نجيز الكلام من النساء الأجانب ومحاورتهنَّ عند الحاجة إلى ذلك، ولا نجيز لهُنَّ رفعَ أصواتهنَّ ولا تمطيطها ولا تليينها وتقطيعها؛ لما في ذلك من استمالة الرجال إليهنَّ وتحريك الشهوات منهنَّ] اهـ.

والشريعةُ لما أجازت هذا الكلام لحاجةٍ، فإنَّها قيَّدته بمراعاة شرطين:

أحدهما: عدم الخضوع بالقول.

والآخر: أن يكون الكلام في حدود القول المعروف، أي: القول الصواب الذي لا تنكره الشريعة ولا تستقبحه النفوس السليمة، قال تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: 32].

قال الإمام ناصر الدين البيضاوي في "أنوار التنزيل" (4/ 231، ط. دار إحياء التراث العربي): [﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾ فلا تجئن بقولكنَّ خاضعًا ليِّنًا مثل قول المريبات، ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ فجور، وقُرئ بالجزم عطفًا على محلِّ فعل النهي على أنَّه نهى مريض القلب عن الطَّمَع عقيب نهيهِنَّ عن الخضوع بالقول، ﴿وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ حسنًا بعيدًا عن الريبة] اهـ.

ولا يُقال إن هذا الحكم خاصٌّ بأمهات المؤمنين؛ فإنَّ الخطاب لهن، ولمن جاء بعدهُنَّ من نساء المؤمنين إلى أن تقوم الساعة.

قال الحافظ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" (6/ 408، ط. دار طيبة): [هذه آدابٌ أمرَ الله تعالى بها نساءَ النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ونساءُ الأمة تبعٌ لهنَّ في ذلك] اهـ.

ثانيًا: اشتماله على مراهنات مالية، حيث يقوم المستخدم بالاشتراك بقدرٍ محدَّدٍ من الـ(ماسات) المشتراة بمال في لعبة معينة من خلال التطبيق، فإن فاز فيها ربح مالًا، وإن لم يفُز خَسِر ماله، وتلك صورة من صور المقامرة المحرمة شرعًا؛ لما فيها من المخاطرةِ، و"كلُّ شَيءٍ فيه خطرٌ فهو من الميسر"، كما قال الإمام ابن سِيرِين ونقله عنه الإمامُ الزَّمَخشَرِي في "الكشاف" (1/ 262، ط. دار الكتاب العربي).

ويُعرف القُمارُ أيضًا بالمَيْسر، وسُمِّيَ بذلك اشتقاقًا مِن اليُسر، إذ يحصل فيه المقامِرُ على المال بيُسرٍ وسهولةٍ إن كان له نصيبٌ في المكسب، وإلا خسر ما قدَّمه مِن المال، كما في "مفاتيح الغيب" للإمام فخر الدين الرَّازي (6/ 400، ط. دار إحياء التراث العربي).

وقد حرَّم اللهُ تعالى اتِّخاذ الميسر وسيلةً للكسب، فقال جَلَّ وَعَلَا في محكم التنزيل: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: 90].

وعن قَيس بن سعد بن عبادة رضي الله عنهما أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إِنَّ رَبِّي حَرَّمَ عَلَيَّ الخَمرَ وَالمَيسِرَ» أخرجه الإمامان أحمد، والبيهقي في "السنن الصغرى" وقال: "ورُوِّينا عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: الميسر: القمار".

وقد أجمع الفقهاءُ على حرمة الميسر والمقامرة، ونقل الإجماعَ على ذلك غيرُ واحدٍ مِن العلماء.

قال الإمام أبو بكرٍ الجَصَّاص في "أحكام القرآن" (1/ 398، ط. دار الكتب العلمية): [ولا خلاف بين أهل العلم في تحريم القمار، وأنَّ المخاطَرة مِن القمار، قال ابن عباس: المخاطَرة قمار] اهـ.

وقال الإمام برهان الدين ابن مَازَه في "المحيط البرهاني" (5/ 324، ط. دار الكتب العلمية): [والقمار حرامٌ بالإجماع وبنصِّ التنزيل] اهـ.

والحِكمَة مِن تحريم المقامرة -فضلًا عما ثبت فيها مِن الخطر-: إذهاب المال وإضاعته بغير عِوضٍ مقبولٍ عند العقلاء، كما نصَّ عليه الإمام ابن أمير حاج في "التقرير والتحبير" (1/ 137، ط. المطبعة الأميرية).

ثالثًا: عدم خضوع البرنامج لأي جهة رقابية، وهو ما يعرِّض أموال الناس للخطر والضياع، وقد مَنَعَ الشرعُ الشريف إضاعةَ المال أو إتلافه؛ لأنَّه جعله وسيلةً لقيام الحياة الدنيا، قال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: 5].

وعن المُغِيرَة بن شُعبَة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إِنَّ اللهَ كَرِهَ لَكُم ثَلَاثًا: قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةَ المَالِ، وَكَثرَةَ السُّؤَالِ» متفقٌ عليه.

كما أن حفظ المال أحد المقاصد الكلية الكبرى في الإسلام، ولم تختلف الشرائع السماوية كلها في وجوب حفظه ورعايته، وحرمة إتلافه وإضاعته.

قال الإمام الغزالي في "المستصفى" (ص: 174، ط. دار الكتب العلمية): [ومقصود الشرع من الخلق خمسة: وهو أن يحفظ عليهم دِينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم.. وتحريم تفويت هذه الأصول الخمسة والزجر عنها يستحيل أن لا تشتمل عليه ملة من الملل وشريعة من الشرائع التي أُريدَ بها إصلاح الخَلق] اهـ.

الخلاصة

بناءً على ذلك وفي واقعة السؤال: فإنه يحرم شرعًا العمل في التطبيق المذكور أو لصالحه، والذي تجري فيه محادثاتٌ غيرُ منضبطةٍ بين الرجال والنساء، ويشتمل على ألعابٍ قائمةٍ على المراهنات المالية، ولا يخضع لأي سلطةٍ رقابِيَّةٍ، وسواءٌ كان العمل في وكالة الشحن، أو في خدمة العملاء.

والله سبحانه وتعالى أعلم.

نرجو منكم بيان حقيقة الغيبة المحرمة شرعًا.


سائل يقول: قام إمام مسجد بقريتنا بالقنوت في صلاة الفجر؛ فادَّعى أحد المصلين أن ما قام به من القنوت في صلاة الفجر بدعة، وحدث خلافٌ بين المصلين في ذلك؛ فما حكم القنوت في صلاة الفجر؟


ما ثواب تجفيف الطرقات من مياه الأمطار لأجل مصلحة من يسير فيها؟


ما هو حكم استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لمراقبة الموظفين في بيئة العمل؟ وهل يجوز أن يمتد ذلك إلى تتبع خصوصياتهم خارج نطاق الوظيفة؟


ما حكم وكيفية التخلص من المال الحرام؛ حيث إنَّ شخصًا قد كسب مالًا كثيرًا من الحرام ويريد التوبة منه. فهل يجوز له أن يتصدق به، وهل إذا فعل ذلك يكون له أجر عليه؟


ما موقف من يأخذ مصحفًا من المسجد موقوفًا لله تعالى بهذا المسجد، فهل يجوز ذلك أم لا؟


مَواقِيتُ الصَّـــلاة

القاهرة · 31 مارس 2026 م
الفجر
4 :18
الشروق
5 :46
الظهر
11 : 59
العصر
3:30
المغرب
6 : 13
العشاء
7 :31