ما حكم سجود التلاوة والشكر للحائض؟ فقد قرأتُ على وسائل التواصل الاجتماعي منشورًا متداولًا حول حكم سجود الحائض للتلاوة والشكر، فبينما قرر صاحبه فيه أنه يجوز للحائض سجود التلاوة والشكر، جاء بالتعليقات أن ذلك حرام، وقد أثار هذا الخطاب جدلًا واسعًا بين الناس. فأرجو الإفادة بالحكم الشرعي، وجزاكم الله خيرًا.
سجود التلاوة والشكر للحائض ممتنع شرعًا كما هو قول جمهور الفقهاء؛ لاحتياج كل منهما إلى الطهارة من الحدثين الأصغر والأكبر، فهما في معنى الصلاة، ولا تصح الصلاة بلا طهارة، ومع ذلك فمن سجدت تقليدًا لمن أجاز فلا حرج ولا إثم عليها؛ إذ لا يُنكَر المختلف فيه وإنما يُنكَر المتفق عليه.
ولا يجوز لأحد من الناس أن يجعل من مثل هذه الأمور الخلافية مثار فتنة وتنازع بين المسلمين، حفاظًا على الجماعة والألفة، وإخمادًا للفتن والنزاع بين المسلمين على منصات التواصل الاجتماعي، فالمسألة تتسع للرأيين.
المحتويات:
سجدة التلاوة مطلوب شرعي على خلاف فيه بين الوجوب كما يقول الحنفية والسنية كما يقول الجمهور، حال القراءة أو الاستماع لمواضع توقيفية بالقرآن الكريم إظهارًا لتمام العبودية والامتثال لله عزَّ وجلَّ.
وأصل مشروعيتها قوله تعالى: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: 107- 109].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إِذَا قَرَأَ ابْنُ آدَمَ السَّجْدَةَ فَسَجَدَ، اعْتَزَلَ الشَّيْطَانُ يَبْكِي يَقُولُ: يَا وَيْلَهُ -وَفِي رِوَايَةِ أَبِي كُرَيْبٍ: يَا وَيْلِي-؛ أُمِرَ ابْنُ آدَمَ بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَأُمِرْتُ بِالسُّجُودِ فَأَبَيْتُ فَلِيَ النَّارُ» رواه مسلم.
أما سجود الشكر فهي سجدة واحدة يؤديها المسلم عند حصول نعمةٍ، أو اندفاع نقمةٍ وانكشافها؛ حمدًا لله تعالى وشكرًا وثناء وتَعبُّدًا، وهي مشروعة بقوله تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: 7].
وعن أبي بَكْرَةَ رضي الله عنه «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا أَتَاهُ أَمْرٌ يَسُرُّهُ أَوْ بُشِّرَ بِهِ، خَرَّ سَاجِدًا؛ شُكْرًا لِلَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى» رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه.
ذهب جماهير الفقهاء من المذاهب الأربعة -وهو المختار للفتوى- إلى اشتراط الطهارة لسجود التلاوة والشكر؛ لأنهما في معنى الصلاة، والصلاة لا تصح إلا بها، سواء كان سبب السجود هو التلاوة لآيات بها سجدة أو الاستماع إليها، ولذلك منعوا الحائض من السجود، وعللوا ذلك بأن السجدة ركن من أركان الصلاة، والحائض لا تلزمها الصلاة، بل تحرُم منها.
وعلى ذلك تواردت نصوصهم:
قال الإمام السرخسي في "المبسوط" (2/ 5، ط. دار المعرفة): [وليس على الحائض سجدة قرأت أو سمعت؛ لأن السجدة ركن من الصلاة والحائض لا تلزمها الصلاة مع تقرر السبب وهو شهود الوقت، فلا يلزمها السجدة أيضًا] اهـ.
وقال العلامة ابن جزي المالكي في "القوانين الفقهية" (ص: 83، ط. دار ابن حزم): [يمنع الحيض والنفاس اثني عشر شيئًا منها السبعة التي تمنعها الجنابة، وهي الصلوات كلها، وسجود التلاوة، ومس المصحف، ودخول المسجد، والطواف والاعتكاف، وقراءة القرآن] اهـ.
وقال الإمام النووي في "المجموع" (2/ 353، ط. دار الفكر): [قال أصحابنا: وفي معنى الصلاة سجود التلاوة والشكر، فيحرمان على الحائض والنفساء] اهـ.
وقال العلامة الرحيباني الحنبلي في "مطالب أولي النهى" (1/ 153، ط. المكتب الإسلامي): [(فصل: يحرم بحدث) أكبر أو أصغر (حيث لا عذر) منعه من الطهارة (صلاة)؛ لحديث ابن عمر مرفوعًا: «لا يقبل الله صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول» رواه الجماعة إلا البخاري. وسواء الفرض والنفل وسجود التلاوة والشكر وصلاة الجنازة] اهـ.
واستدلوا على ذلك بما أخرجه الإمام مسلم أن عبد اللهِ بن عمر رضي الله عنهما قَالَ: إِنِّي سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «لَا تُقبَلُ صَلَاةٌ بِغَيرِ طُهُورٍ».
فعموم الحديث ينفي عدم قبول الصلاة بغير تحقيق الطهارة، ويدخل في عمومه السجود، سواء سجود التلاوة أو الشكر؛ لأنه صلاة، فيشترط له ذلك كالصلاة المعتادة.
وذهب بعض المالكية والشيخان تقي الدين ابن تيمية والشوكاني إلى أن الطهارة لا تُشترط في سجود التلاوة والشكر، وروي عن الإمام الشعبي ما يدل عليه، ويترتب على ذلك جواز سجود التلاوة للحائض حال الاستماع إلى آيات بها سجدة، وكذلك سجدة الشكر.
قال الإمام الحطاب المالكي في "مواهب الجليل" (2/ 62، ط. دار الفكر) بعد أن ذكر ظاهر المذهب في سجود الشكر: [واختار بعض من لقيناه من القرويين عدم افتقاره إليها -الطهارة-؛ لما أنه إذا تركه حتى يتوضأ أو يتطهر أو يتيمم زال سر المعنى الذي أتى بسجوده له] اهـ.
وقال الشيخ ابن تيمية في "الفتاوى الكبرى" (1/ 349، ط. دار الكتب العلمية): [ويسجد للتلاوة على غير طهارة، كان هو مما يبين أنه لم يكن معروفًا بينهم أن الطهارة واجبة لها، ولو كان هذا مما أوجبه النبي صلى الله عليه وآله وسلم لكان ذلك شائعًا بينهم كشياع وجوب الطهارة للصلاة، وصلاة الجنازة، وابن عمر لم يعرف أن غيره من الصحابة أوجب الطهارة فيها. ولكن سجودها على الطهارة أفضل باتفاق المسلمين] اهـ.
وقال الإمام ابن قدامة الحنبلي في "المغني" (1/ 444، ط. مكتبة القاهرة): [وعن الشعبي فيمن سمع السجدة على غير وضوء يسجد حيث كان وجهه] اهـ.
وقال الشيخ الشوكاني في "نيل الأوطار" (3/ 127، ط. دار الحديث) بعد ذكر الأحاديث التي وردت فيها سجدة الشكر: [ومما يؤيد ثبوت سجود الشكر قوله صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث المتقدم في سجدة (ص): «هِيَ لَنَا شُكْرٌ وَلِدَاوُد تَوْبَةٌ». وليس في أحاديث الباب ما يدل على اشتراط الوضوء وطهارة الثياب والمكان، وإلى ذلك ذهب الإمام يحيى وأبو طالب] اهـ.
واستدلوا على ذلك بأن الصحابة رضي الله تعالى عنهم كانوا إذا جاءهم الخبر السارُّ يسجدون عقبه، ولم يأمرهم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بالوضوء، وأن هذه الأمور تفاجئ العبد وهو على غير طهارة، وتركها مضيع لمصلحتها، كما أنَّ الله تعالى أذن في هذا السجود وأثنى على فاعله، وأطلق ذلك دون اشتراط الطهارة فيه، ولم يأمر بها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه رضي الله تعالى عنهم.
وذهب سعيد بن المسيب إلى أن الحائض متى سمعت سجدة التلاوة، تومئ برأسها، وهو مروي عن عثمان بن عفان رضي الله عنه.
قال الإمام ابن قدامة الحنبلي في "المغني" (1/ 444، ط. مكتبة القاهرة): [روي عن عثمان بن عفان رضي الله عنه في الحائض تسمع السجدة، تومئ برأسها. وبه قال سعيد بن المسيب] اهـ.
وبهذا يتضح أن مسألة سجود الحائض للتلاوة والشكر مسألة خلافية، فجمهور الفقهاء على عدم جوازها، وبعضهم أجازه، ومن القواعد المقررة أنه لا يُنكَر المختلفُ فيه وإنما يُنكَر المتفق عليه، وأنه يجوز الأخذ بقول أي من المجتهدين في مسائل الخلاف ما دام ذلك موافقًا للمصلحة ومحققًا للتيسير والتخفيف، وأن الخروج من الخلاف مستحب حيث أمكن ذلك ولا مُعارِض.
فالأَوْلى العملُ بما عليه جمهور الفقهاء من حرمةِ سجود التلاوة والشكر للحائض؛ خروجًا من خلاف الفقهاء، ومن سجدت لهما أو أومأت برأسها كان ذلك جائزًا على قول البعض.
بناءً على ذلك وفي واقعة السؤال: فسجود التلاوة والشكر للحائض ممتنع شرعًا كما هو قول جمهور الفقهاء؛ لاحتياج كل منهما إلى الطهارة من الحدثين الأصغر والأكبر، فهما في معنى الصلاة، ولا تصح الصلاة بلا طهارة، ومع ذلك فمن سجدت تقليدًا لمن أجاز فلا حرج ولا إثم عليها؛ إذ لا يُنكَر المختلف فيه وإنما يُنكَر المتفق عليه.
ولا يجوز لأحد من الناس أن يجعل من مثل هذه الأمور الخلافية مثار فتنة وتنازع بين المسلمين، حفاظًا على الجماعة والألفة، وإخمادًا للفتن والنزاع بين المسلمين على منصات التواصل الاجتماعي، فالمسألة تتسع للرأيين.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
تقول السائلة:
1-ما حكم قراءة القرآن في مصحفين أحدهما في المنزل وآخر في العمل؟
2- بعض الوقت يوسوس لي الشيطان أنني قلت كلامًا غير مباح، ولم ينطق لساني بهذا الكلام، فهل علي ذنب؟
3- هل الصلاة في غرفة النوم حرام؟
4- أقوم بإخراج صدقة على روح والدي، فماذا أقول عند إخراجها؟
5- هل السمسرة حرام؟
هل الأفضل في تكبيرات العيدين أن يفعلها الشخص منفردًا أو في جماعة؟ وهل الأحسن أن تكون سرًّا أو جهرًا؟
ما حكم الذكر والدعاء داخل الصلاة بألفاظ لم ترد في الكتاب والسنة؟ وهل يُعَدُّ ذلك بدعة؟
ما حكم عمل الوشم غير الثابت (التاتو) الذي تستخدمه بعضُ النساء للزينة: كتحديد العين بدل الكحل أو رسم الحواجب، أو عمل بعض الرسومات الظاهرية على الجلد باستخدام الصبغات التي تزول بعد فترة قصيرة من الوقت ولا يأخذ الشكل الدائم؟
سأل في صبية مسلمة تابعة لدولة أجنبية تزوجت من منذ ثلاث سنوات، وحاضت وحبلت وأسقطت جنينًا، والآن حامل. فهل بهذا الحيض والحمل تعتبر بالغًا شرعًا أم لا؟
نرجو منكم الرد على من أنكر فريضة الحجاب؛ حيث اطلعت مؤخرًا على خبر إعداد رسالة للدكتوراه في كلية الشريعة وأصول الدين بجامعة الأزهر بالمنصورة عنوانها: (الحجاب ليس فريضة في الإسلام)، وأنها قد أجيزت ومُنحت درجة الدكتوراه بامتياز، ومنذ أسبوع قرأت في إحدى الصحف اليومية خبرًا ينفي صدور هذه الرسالة من جامعة الأزهر، ويؤكد أن معظم علمائها مجمعون على فرضية الحجاب للمرأة المسلمة. ولم يظهر حتى اليوم ما يؤيد حكم الرسالة أو إنكار ما ورد بها من قبل أيٍّ من علماء الأزهر الشريف أو من هيئة كبار علمائه. وأعلم أن فضيلتكم خير من يهدينا سواء السبيل ويبين موقف شريعتنا السمحاء في هذا الخلاف، وبخاصة ونحن نجتهد لنشق طريقنا في بناء مجتمع تقوم دعائمه على الحرية والعدالة وكرامة الإنسان ذكرًا وأنثى؛ مصداقًا لحديث خاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّمَا النِّسَاءُ شَقَائِقُ الرِّجَالِ». ولعله من الضروري هنا أن أشير باختصارٍ شديد إلى ما استند إليه صاحب الرسالة (الدكتور مصطفى محمد راشد) من الأدلة والبراهين في حكم أصحاب الرأي القائل بفرضية الحجاب إلى أنهم يفسرون الآيات القرآنية وأحاديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بمعزلٍ عن ظروفها التاريخية وأسباب نزولها، أو المناسبات المحددة لمقولة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لها. ومما استرعى اهتمامي من حجية صاحب رسالة الدكتوراه أن كلمة الحجاب بمعنى غطاء الرأس ليس لها ذكر على الإطلاق في القرآن الكريم، وأن كلمة الحجاب وردت فيه لتشمل معاني متعددة غير غطاء الرأس. ويفند وجوب تغطية الرأس بالحجاب استنادًا إلى ما هو شائعٌ من حديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مع أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما عندما أمرها بأن لا تكشف وجهها وكفيها، وهو -في رأيه- استدلالٌ لا يعتد به؛ لأنه من أحاديث الآحاد التي وردت روايتها من سندٍ واحد مرةً واحدة. تلك أهم الاجتهادات التي أوردها الباحث، وأعلمُ أن لدى فضيلتكم الكثير مما يمكن أن يقال بصدد حكم الفرضية أو عدمها في هذا الصدد. والخلاصة يا صاحب الفضيلة: أرجو منكم هدايتي فيما يلي:
أولًا: هل واقعة رسالة الدكتوراه قد حدثت فعلًا في كلية أصول الدين بفرع جامعة الأزهر بالمنصورة؟
ثانيًا: وإذا كان ذلك كذلك فما موقفكم فيما انتهى إليه الأمر في مسألة فرضية الحجاب من عدمها؟
ثالثًا: هل من رأيٍ قاطع لبعض علمائنا المجتهدين حول فرض الحجاب على المرأة المسلمة دون استثناء، أم أن لدى بعضهم ما لا يُلزمها به؟
رابعًا: في حالة فرضية الحجاب هل من المصلحة التزامُ المسلمات أثناء وجودهن في ثقافة وأعراف دولٍ أو مناسباتٍ عالمية كشروط الألعاب الأوليمبية مما لا تسمح به، وذلك أثناء إقامتهن وعملهن في تلك الأقطار الأجنبية؟ وأخيرًا يا فضيلة المفتي هادينا: أرجو أن تجد هذه المشكلة فسحة من وقتكم المزدحم بقضايا الإفتاء المتعددة ومسئولياتكم الوطنية والإنسانية.. وتقبل مني خالص التقدير والاحترام والإعزاز.