ما حكم التحدث مع المعالج النفسي في أمور خاصة بالزوجية؟ فأنا أعاني ضغوطًا نفسية هائلة في الفترة الأخيرة، مما اضطرني إلى الذهاب لمعالج نفسي، والذي يتيح عمل جلسات للعلاج النفسي، وفي أثناء جلسات العلاج يتطلب الأمر أحيانًا الكلام في مسائل خاصة بالأمور الزوجية، فما حكم ذلك؟
حديث المريض النفسي مع الطبيب النفسي المعالج بما يضيق به صدره ويصعب عليه تحمله كأحد طرق العلاج النفسي أمرٌ جائز شرعًا، وإذا استدعى الأمر الحديث عما لا بد منه من الأمور الخاصة بالزوجية فلا حرج في ذلك ما دام أنَّه من قبيل الاستشارة المنضبطة لغرض إيجاد الحلول وطلب النصيحة.
ومع أن الأصل في إفشاء الأمور الزوجية أنها محرمة إلا أنه يُتسامح في ذلك عند الضرورة أو الحاجة التي تنزل منزلتها، كأن يكون ذلك أحد طرق العلاج النفسي، لكن لا يجوز التوسع في ذلك، وإنما يكون بقدر الحاجة فقط، فما أبيح للضرورة يقدر بقدرها.
المحتويات:
تضافرت النصوص الشرعية على الحثِّ على التداوي والأخذ بأسباب العافية؛ فعن أسامة بن شريك رضي الله عنه قال: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وآله وسلم وَأَصْحَابُهُ كَأَنَّمَا عَلَى رُءُوسِهِمُ الطَّيْرُ فَسَلَّمْتُ ثُمَّ قَعَدْتُ، فَجَاءَ الْأَعْرَابُ مِنْ هَاهُنَا وَهَاهُنَا فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَتَدَاوَى؟ فَقَالَ: «تَدَاوَوْا؛ فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ دَوَاءً غَيْرَ دَاءٍ وَاحِدٍ: الْهَرَمُ» أخرجه أبو داود.
والتداوي في الشريعة الإسلامية من المباحات، قال العلامة المَرْغِينَاني في "الهداية" (4/ 381، ط. دار إحياء التراث): [التداوي مباحٌ بالإجماع، وقد ورد بإباحته الحديث] اهـ.
وقال الشيخ ابن القيم في "زاد المعاد" (4/ 9، ط. مؤسسة الرسالة): [كان مِن هَديِه صلى الله عليه وسلم فعل التداوي في نفسه، والأمر به لمن أصابه مرض من أهله وأصحابه] اهـ.
قد أرشد الشرع الشريف إلى الرجوع في التداوي من الأمراض إلى الأطباء؛ لأنهم أهل الذكر والتخصص في هذا؛ فعن زيد بن أسلم: أنَّ رجلًا أصابه جرحٌ فاحتقن الدم، وأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دعا له رجلين من بني أنمار، فقال: «أيُّكُمَا أَطَبُّ؟» فقال رجل: يا رسول الله، أوَفي الطب خير؟ فقال: «إِنَّ الَّذِي أَنْزَلَ الدَّاءَ أَنْزَلَ الدَّوَاءَ» أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه".
والأمراض النفسية والعصبية داخلة في عموم الأمراض التي أُمر العبد بالتداوي منها، والأخذ بالأسباب لعلاجها.
وهي من جملة الأمراض التي قد تؤثر على مراتب الإدراك العقلي والقدرة على التحكم في الذات، بل قد يُحدث الاضطراب النفسي في بعض الحالات اختلالًا جسيمًا في إدراك الفرد أو ضبطه لمشاعره أو سلوكه، كما أن المرض النفسي يمكن أن يتحول إلى مرضٍ عقليٍّ في حالات الإدمان غير المعالج، وحالات المرض النفسي غير المعالجة، والتي تؤدي إلى ظهور اضطرابات ذُهانية شديدة كالخرف المتدهور، ونوبة الفصام الحاد، ونوبات الهوس الشديدة والحادة، سواء كانت هذه النوبات مزمنة أو غير مزمنة، والتي تؤثر على قوى المصاب بها العقلية والسلوكية، ويُشار إلى الاضطرابات النفسية أيضًا بحالات الصحة النفسية، وهذا المصطلح الأخير أوسعُ نطاقًا؛ لأنه يشمل الاضطرابات النفسية والإعاقات النفسية والاجتماعية؛ كما أفادته منظمة الصحة العالمية في تقرير "الذهان والفصام" المنشور بتاريخ 24/ 10/ 2021م، وتقرير "الاضطرابات النفسية" المنشور بتاريخ 8 يونيو 2022م.
ومن طرق العلاج النفسي، تحدُّث المريض مع أحد المختصين بالصحة العقلية عن حالته ومشاكله ليساعده في تعلُّم مهارات التعامل مع الضغوط ومعالجتها.
وهذه الطريقة من العلاج قد يضطر المريض فيها أن يتحدث في أمور خاصه بالزوجية عن حالته.
ومن المقرر شرعًا أن الأمور الزوجية من شأنها أن تُطوَى ولا تُحكَى؛ ففي إشاعتها فساد عظيم، حيث إن الشرع الشريف حظر على كلا الزوجين التحدث عن أسرار الحياة الزوجية والكشف عن مستورها أمام الآخرين؛ لأنها ذات طبيعة خاصة مبنية على الامتزاج والميثاق الغليظ ودوام الألفة.
فقد ورد عن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه، أن رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: الرَّجُلُ يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ وَتُفْضِي إِلَيْهِ، ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا» أخرجه مسلم.
قال العلامة المُنَاوِي في "فيض القدير" (2/ 538، ط. المكتبة التجارية الكبرى): [(ثم ينشر سرها) أي: يبث ما حقُّه أن يُكتم من الجماع ومقدماته ولواحقه فيحرم إفشاء ما يجري بين الزوجين من الاستمتاع ووصف تفاصيل ذلك بقول أو فعل، ويكره مجرد ذكر الجماع بلا فائدة؛ لأنه خلاف المروءة، ولهذا قال الأحنف: جنبوا مجالسكم ذكر النساء والطعام فكفى بالرجل ذَمًّا أن يكون واصفًا لفرجه وبطنه، والظاهر أن المرأة كالرجل فيحرم عليها إفشاء سره] اهـ.
وقد نصَّ الفقهاء على النهي عن إفشاء ما يجري بين الرجل وزوجته من أمور الاستمتاع.
قال الإمام الإسنوي في "المهمات" (9/ 334، ط. مركز التراث الثقافي المغربي): [ويحرم على الرجل أن يظهر ما جرى بينه وبين امرأته من أمور الاستمتاع ووصف تفاصيل ذلك، وما يجري من المرأة من قول أو فعل؛ لما رواه مسلم "إِنَّ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ عِنْدَ اللهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، الرَّجُلَ يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ، وَتُفْضِي إِلَيْهِ، ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا"، قال: وأما مجرد ذكر الجماع فمكروه إلَّا لفائدة] اهـ.
وقال العلامة البُهُوتي في "الروض المربع" (ص: 548، ط. دار المؤيد) في كلامه عن أحكام الوطء: [(و) يكره (التحدث به) أي: بما جرى بينهما؛ لنهيه صلى الله عليه وسلم عنه] اهـ.
ويُستثنى من ذلك ما إذا كانت هناك حاجة أو ضرورة لذكر هذه الأمور الخاصة، كذكر هذه الأمور من المريض للطبيب المعالج -كما في مسألتنا-.
فإن البوح بالأسرار الخاصة للطبيب جائز بمقدار الحاجة، كأن يذكر له ما يتعلق بالحال الذي هو فيه مما يساعده على معالجته بحسب الضرورة، مبتعدًا عما يضر بالغير أو عما يكون هتكًا للستر بينه وبين الله تعالى.
على أنه ينبغي للمريض أن يوازن بين مقتضى ما يذكره من أمور خاصة ومآلات ذلك، فإن علم من حال الطبيب أنه إذا أشار له بعبارة مُعرِّضة أو كناية لطيفة فهم المراد ولم يحتج إلى مزيد إيضاح، فحينئذ يقتصر على ما يحقق المقصود دون تصريح؛ صيانةً للسان عن الخوض فيما من شأنه الستر، أما إن علم أن الطبيب لا يفهمه أو لا يحصل الغرض المرجو من الاستشارة إلا إذا صرح له بذكر هذه الأمور كان له التصريح؛ طلبًا للنصيحة.
ودليل ذلك ما ورد في حديث الرجل الذي ادَّعَت عليه امرأته الْعُنَّةَ أمام النبي صلى الله عليه وسلم فقال الرجل: «كَذَبَتْ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي لَأَنْفُضُهَا نَفْضَ الأَدِيمِ» أخرجه البخاري. ولم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم قوله: «إِنِّي لَأَنْفُضُهَا نَفْضَ الأَدِيمِ».
قال العلامة القَسْطَلَّانِي في "إرشاد الساري" (8/ 435، ط. المطبعة الكبرى الأميرية): [أي: كنفض الأديم وهو كناية عن كمال قوة الجماع] اهـ.
وقال العلامة ابن بطَّال في "شرح صحيح البخاري" (9/ 103، ط. مكتبة الرشد): [وفيه أنَّ للنساء أن يطالبن أزواجهن عند الإمام بقِلَّة الوطء وأن يُعرِّضن بذلك تعريضًا بيِّنًا كالتصريح ولا عار عليهن في ذلك. وفيه أنَّ للزوج إذا ادُّعِي عليه ذلك أن يخبر بخلافه ويعرب عن نفسه ألا ترى قوله: "يا رسول الله، إني لأنفضها نفض الأديم" وهذه الكناية من الفصاحة العجيبة، وهي أبلغ في المعنى من الحقيقة] اهـ.
وقال الإمام النووي في "شرحه على مسلم" (10/ 8- 9، ط. دار إحياء التراث العربي): [فأما مجرد ذكر الجماع فإن لم تكن فيه فائدة ولا إليه حاجة فمكروه؛ لأنه خلاف المروءة، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» وإن كان إليه حاجة أو ترتب عليه فائدة بأن ينكر عليه إعراضه عنها أو تدعي عليه العجز عن الجماع أو نحو ذلك فلا كراهة في ذكره، كما قال صلى الله عليه وسلم: «إِنِّي لَأَفْعَلُهُ أَنَا وَهَذِهِ» وقال صلى الله عليه وسلم لأبي طلحة: «أَعَرَّسْتُمُ اللَّيْلَةَ؟» وقال لجابر: «الْكَيْسَ الْكَيْسَ»] اهـ.
بناءً على ذلك وفي السؤال: فإن حديث المريض النفسي مع الطبيب النفسي المعالج بما يضيق به صدره ويصعب عليه تحمله كأحد طرق العلاج النفسي أمرٌ جائز شرعًا، وإذا استدعى الأمر الحديث عما لا بد منه من الأمور الخاصة بالزوجية فلا حرج في ذلك ما دام أنَّه من قبيل الاستشارة المنضبطة لغرض إيجاد الحلول وطلب النصيحة.
ومع أن الأصل في إفشاء الأمور الزوجية أنها محرمة إلا أنه يُتسامح في ذلك عند الضرورة أو الحاجة التي تنزل منزلتها، كأن يكون ذلك أحد طرق العلاج النفسي، لكن لا يجوز التوسع في ذلك، وإنما يكون بقدر الحاجة فقط، فما أبيح للضرورة يقدر بقدرها.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
سائلة تسأل عن مدى حدود العلاقة بينها وبين أم زوجها؛ وذلك لوجود العديد من المشكلات بينهما، والناتجة عن سوء معاملتها لها هي وبناتها؟ وهل يجوز شرعًا عدم زيارتها أو الاتصال بها نهائيًّا؟ مع العلم بأن زوجها يقوم بزيارتها والاتصال بها كل فترة.
كنت عاقًّا لأبي في شبابي، ولم أشعر بقيمته إلا بعد وفاته، وبعد أن رزقني الله نعمة الأولاد؛ كيف أبر والدي بعد وفاته؟ وهل ينفعني هذا؟
أغمي عليَّ وأنا صائم في رمضان؛ فما أثر ذلك على الصوم؟
هل هناك فضل في تسمية الأولاد باسمٍ من أسماء النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟ وما الذي ورد في ذلك؟
رجل متزوج ببنت خاله، ويرغب في الزواج ببنت خالته. ويسأل عن حكم الجمع بين المرأة وبين بنت عمتها؟
ما حكم وضع مريض القلب حبة تحت اللسان في نهار رمضان لعلاج الذبحة الصدرية؟ فأنا أعاني من ذبحة صدرية وأحيانًا -حالَ الصيام- تأتيني النوبةُ، فأحتاج إلى وضع حبة دواء تحت اللسان من أجل عودة الأمور إلى طبيعتها؛ فهل يفسد ذلك الصوم؟