سائل يقول: اقترضت مبلغًا ماليًّا من شخص منذ مدة، وحاولت كثيرًا الوصول إليه لتسديده ولكن لم أستطع، فماذا أفعل؟
الدَّين واجبُ الأداء شرعًا، ولا تبرأ ذمةُ المدين منه إلا بردِّه إلى صاحبه أو بإبرائه منه، وعلى السائل أن يبذل وُسعه في البحث عن الدائن والوصول إليه لتسديد ما عليه، فإن تعذر الوصول إليه بعد التحري الجاد وبذل الجهد المعتاد، انتقل الحق إلى ورثته الشرعيين، فيجب ردُّ الدَّين إليهم.
فإن تعذر الوصول إلى الدائن أو إلى ورثته، صُرِفَ المال إلى بنك ناصر الاجتماعي؛ باعتباره في الديار المصرية قائمًا مقام بيت المال الذي تؤول إليه الأموال التي لا يُهتدى إلى مستحقيها، فإن تعذر ذلك أيضًا، جاز للسائل التصدق بقيمة الدَّين على الفقراء والمساكين بنية أن يكون ثوابه لصاحب الحق.
المحتويات:
من المقرر شرعًا أنَّ الديون المالية مِن أهم الحقوق التي يجب الوفاء والالتزام بها، فلا تزال ذمة الـمَدِين مشغولة بالدَّيْن حتى بعد موته، ولذا حَثَّت الأدلة الشرعيَّة على الاهتمام بقضاء الدَّيْن والتَّخَلُّص منه قبل الموت أو أن يبرئه الدائن؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ» رواه الإمام أحمد، والترمذي، وابن ماجه.
قال ابن الأثير في "الشافي في شرح مسند الإمام الشافعي" (2/ 433، ط. مكتبة الرشد): [قوله: «معلقة بدينه» يريد أنها تطالبه بما تخلف عليه من الدَّيْن، ومؤاخذة به في الآخرة بعد الموت إلى أن يُوَفَّى ما عليه من الدَّيْن] اهـ.
الواجب على المقترِض أن يُحسِن الأداءَ، فلا يليق مقابلةُ إحسان المقرِض للمقترض إلَّا بالإحسان، قال تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: 60]، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إِنَّ خِيَارَكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً» رواه البخاري ومسلم.
فيجب على المدين رد الدين لدائنه حتى تبرأ ذمته، فإن فقد المدين الدائن فعليه بذل وسعه في البحث عنه والوصول إليه لرد الدين؛ فإن عجز عن الوصول للدائن لوفاته أو تعذر معرفة مكانه، فعليه رد الدين إلى ورثته الشرعيين؛ فإذا عجز عن الوصول إلى الدائن أو إلى ورثته الشرعيين بعد بذل وسعه، فلزمه دفعه إلى بيت مال المسلمين، وهو ما يمثله في الواقع المصري "بنك ناصر الاجتماعي"، فهو الجهة الرسمية التي تؤول إليها التركات الشاغرة عند عدم الاستدلال على وارثين لها؛ لكونه قائمًا بوظيفة بيت مال المسلمين في الديار المصرية، وقد نصَّ الفقهاء على أن التركات التي لا وارث لها مآلها لبيت مال المسلمين، وسَلَك الحنفيةُ والحنابلةُ في ذلك مَسلَكَ اعتبارِ أنَّ بيت المال غير وارثٍ، وإنما يؤول مال التركة إليه إذا لم يعرف له مستحقٌّ، باعتباره مالًا لا صاحب له كاللُّقطة، فيجري عليه مِن التَّصرف ما تدفع إليه المصلحة العامَّة.
قال العلامة ابن نجيم الحنفي في "البحر الرائق" ومعه "منحة الخالق" للعلامة ابن عابدين (5/ 112، ط. دار الكتاب الإسلامي): [مَن لا وارث له معلومٌ فإرثه لبيت المال، وإن احتمل أن يكون له وارث، وكذا من لا وارث له ظاهرًا] اهـ.
قال العلامة ابن عابدين محشيًا عليه: [(قوله: فإرثه لبيت المال) المراد: يوضع ماله في بيت المال ليصرف في مصارفه؛ لأن المصرح به أن بيت المال غير وارث عندنا] اهـ.
وقال العلامة البهوتي الحنبلي في "كشاف القناع" (4/ 437، ط. عالم الكتب): [(ومال من لا وارث له) بفرض أو تعصيب أو رَحِمٍ وما فضل عن فرض أحد الزوجين (لبيت المال، وليس بيتُ المال وارثًا، وإنما يحفظ المال الضائع وغيره) كالفيء (فهو جهةٌ ومصلحة) وفاقًا للحنفية] اهـ.
وهو ما جرى عليه قانون المواريث رقم 77 لسنة 1943م حيث نصت المادة رقم 4 منه على المستحقين للتركة، وأنَّه: [إذا لم يوجد أحدٌ من هؤلاء آلت التركة أو ما بقي منها إلى الخزانة العامَّة] اهـ.
قال العلامة السنهوري في "الوسيط" (9/ 44- 46، ط. دار إحياء التراث العربي): [التركة التي لا وارث لها: إذا مات إنسان ولم يترك وارثًا، ففي الشريعة الإسلامية تؤول تركته إلى بيت المال، وقد قدَّمنا عند الكلام على الأشياء الخاصة المملوكة للدولة أن بيت المال تمثله الآن خزانة الدولة، فتكون التركات التي لا وارث لها ملكًا خاصًّا للدولة، وتؤول التركة إلى الدولة لا باعتبارها تركةً موروثةً، بل باعتبارها مالًا لا مالك له، وكان مقتضى أن التركة التي لا وارث لها تعتبر مالًا غير مملوك لأحد أن أموال هذه التركة يجوز تملُّكها بالاستيلاء، شأنها في ذلك شأن الأموال التي تصبح دون مالكٍ بعد أن كان لها مالكٌ من قبل، ولكن المشرع أخرج التركات التي لا وارث لها من نطاق الاستيلاء؛ لأهميتها، وتطبيقًا لأحكام الشريعة الإسلامية، وجعل مِلكية هذه التركات للدولة، فتتملك الدولةُ بمجرد وفاة المالك دون وارث تركتَه، وذلك قبل أن تضع يدها على التركة؛ لأنها تتملكها بحكم القانون، لا بحكم الاستيلاء] اهـ.
وقد نصَّ جماعة من العلماء على أنَّه يتصدق بهذا الدين عن صاحبه، وإن وجده بعد ذلك خيَّره في إمضاء الصدقة وله أجرها، وبين إرجاعها إليه ويكون أجر الصدقة له دون صاحب الدين؛ لأن الصدقة بدون الضمان إضاعة لمال المالك لا على وجه بدل وهو غير جائز.
ففي مصنف ابن أبي شيبة عن مغيرة عن إبراهيم قال: إن كان عليك دين لرجل فلم تدر أين هو وأين وارثه؟، فتصدق به عنه,، فإن جاء فخيرِّهُ. وعَنْ أَبِي وَائِلٍ، قَالَ: اشْتَرَى عَبْدُ اللَّهِ -أي ابن مسعود رضي الله عنه- جَارِيَةً بِسَبْعِمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَغَابَ صَاحِبُهَا، فَأَنْشَدَهَا حَوْلًا، أَوْ قَالَ: سَنَةً، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ فَجَعَلَ يَتَصَدَّقُ، وَيَقُولُ: "اللَّهُمَّ فَلَهُ، فَإِنْ أَبَى فَعَلَيَّ وَإِلَيَّ" ثُمَّ قَالَ: "هَكَذَا افْعَلُوا بِاللُّقَطَةِ أَوْ بِالضَّالَّةِ".
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في "فتح الباري" (9/ 430، ط. السلفية): [فرأى ابن مسعود رضي الله عنه أن يجعل التصرف صدقة، فإن أجازها صاحبها إذا جاء حصل له أجرها وإن لم يجزها كان الأجر للمتصدق وعليه الغرم لصاحبها] اهـ.
وقال العلامة الحصكفي في "الدر المختار" (ص: 356، ط. دار الكتب العلمية): [(عليه ديون ومظالم جهل أربابها وأيس) مَن عليه ذلك (مِن معرفتهم، فعليه التصدق بقدرها من ماله وإن استغرقت جميع ماله)، هذا مذهب أصحابنا لا نعلم بينهم خلافًا] اهـ.
وقال شيخ الإسلام النووي في "روضة الطالبين" (11/ 246، ط. المكتب الإسلامي): [وإن تعلق بها حق مالي؛ كمنع الزكاة، والغصب، والجنايات في أموال الناس، وجب مع ذلك تبرئة الذمة عنه، بأن يؤدي الزكاة، ويرد أموال الناس إن بقيت، ويغرم بدلها إن لم تبق، أو يستحل المستحق، فيبرئه ويجب أن يعلم المستحق إن لم يعلم به، وأن يوصله إليه إن كان غائبًا إن كان غصبه منه هناك، فإن مات سلمه إلى وارثه، فإن لم يكن له وارث وانقطع خبره دفعه إلى قاض ترضى سيرته وديانته، فإن تعذر تصدق به على الفقراء بنية الغرامة له إن وجده] اهـ.
وقال العلامة الرحيباني في "مطالب أولي النهى" (4/ 68، ط. المكتب الإسلامي): [قال ابن رجب: [الديون المستحقة كالأعيان] يتصدق بها عن مستحقيها] هـ.
والمختار للفتوى: هو ما نصَّ عليه جماهير العلماء من دفع المدين الدين الذي لم يُتوصَّل إلى صاحبه، إلى وليِّ الأمر -المتمثِّل في بيت المال أو ما يقوم مقامه-، وذلك لاتفاقه مع مقصود الشرع من إبراء العهدة من على المدين من جهة، واتساقه مع الواقع المؤسسي المعاصر الذي تطورت معه سُبل التواصل وتغايرت به طُرق التعريف التي نصَّ عليها الفقهاء.
وأنَّ القول بالتصدق إنَّما أناطوه بتعذر وجود قاضٍ أو حاكم تُحمَدُ سيرته وديانته، حتى يضمن أنه سيوصل الدين لأصحابه، وهذا كان يناسب واقعهم ومتطلبات عصرهم، أمَّا الآن وفي ظلِّ الدولة الحديثة المبنية على المؤسسات، والقائمة على التكامل بين السلطات، فإن القانون هو الذي يحكم القاضي وغيره.
هذا، مع التنبيه على أنَّ مسألة استنفاذ الوسع في الوصول إلى صاحب الدين، ينبغي ألَّا تقتصر على بحث المدين بنفسه فقط، بل عليه أن يستعين أيضًا بطرق البحث المتوفرة في هذا العصر؛ متمثلة في أقسام الشرطة، أو السجلات المدنية، أو الجروبات وصفحات التواصل العامة، ونحو ذلك.
بناءً على ما سبق، وفي واقعة السؤال: فإنَّ الدَّين واجبُ الأداء شرعًا، ولا تبرأ ذمةُ المدين منه إلا بردِّه إلى صاحبه أو بإبرائه منه، وعلى السائل أن يبذل وُسعه في البحث عن الدائن والوصول إليه لتسديد ما عليه، فإن تعذر الوصول إليه بعد التحري الجاد وبذل الجهد المعتاد، انتقل الحق إلى ورثته الشرعيين، فيجب ردُّ الدَّين إليهم.
فإن تعذر الوصول إلى الدائن أو إلى ورثته، صُرِفَ المال إلى بنك ناصر الاجتماعي؛ باعتباره في الديار المصرية قائمًا مقام بيت المال الذي تؤول إليه الأموال التي لا يُهتدى إلى مستحقيها، فإن تعذر ذلك أيضًا، جاز للسائل التصدق بقيمة الدَّين على الفقراء والمساكين بنية أن يكون ثوابه لصاحب الحق.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
ما كيفية سداد الدين إذا وقع خلاف بين الورثة والدائن في تعيين نوعه؟ فقد توفي رجلٌ، وعليه دَين مقداره عشرة آلاف جنيه مصري منذ عام 2009م، وقد تواصلت زوجتُه مع الدائن لتسديد الدَّين، فأخبرها بأنَّه لا يقبل السداد إلا بالذهب، باعتبار أنَّه قد باع ذهبًا وقتها من أجل إقراض زوجها المبلغَ نقدًا. وتسأل: هل تسدد الدَّين إليه ذهبًا كما طلب، أم تسدده بالجنيه مع تعويضٍ عن تغيُّر قيمة العملة بمرور السنين، أو ماذا تفعل؟
ما حكم الاستيلاء على أموال الدولة بغير حق والتهرب من دفع قيمة الفواتير؟ حيث تسأل جامعة الإمام أبي الحسن الأشعري بداغستان -بعد شرح موجز لأحوال المسلمين هناك-:
- ما حكم الأموال التي هي للحكومة -الغير مسلمة-؛ هل يجوز لمسلمٍ أن يستولي على هذا المال خِلْسةً أو سَرِقة وبحيث لا يتضرر أحد، أو يتحايَلَ بالاتفاق مع بعض موظفي الدولة على مقابلٍ. مثلا: يلفِّق الواحد منا أوراقًا تثبت أنه معاقٌ أو مريض وبالتالي تخصص الحكومة له راتبًا شهريًّا ولا يترتب على ذلك ضررٌ بأحد، هل يحل له هذا الراتب؟ أو بأن يلفِّق أوراقًا تثبت أن بيته قد احترق، أو انهدم بسبب العاصفة أو السيل، فتخصص له الحكومة مبلغًا من المال يحصل عليه من غير أن يتضرر أحدٌ من جرَّاء ذلك، إلا أنه أثناء تلفيق الأوراق يتم الاتفاق مع بعض الموظفين بترك قسطٍ متفقٍ عليه من هذا المال لهم.
- أرض بلدنا غنية بثروات طبيعية، كالغاز والبترول، وفي بلدنا عددٌ من مولِّدات الطاقة الكهربائية المائية، وهناك من يلعب بهذه الثروات؛ حيث إن المولدات تبنيها الحكومة الروسية على حسابها، يعني وزارة الطاقة الكهربائية، وتسلمها إلى وزارة الطاقة الداغستانية بسعرٍ معين، وتبيعها لمسئولي الطاقة القوقازية بسعرٍ آخر، وهم بدورهم يقومون ببيعها للجمهوريات القوقازية عامةً بسعر آخر، ثم في كل جمهوريةٍ أيضًا يقوم مسئولوها وبائعوها ببيعها لنا كمستهلكين بثمنٍ غالٍ جدًّا؛ بما تُقدَّر قيمته حاليًا لكل كيلوات بـ 2.5 روبل تقريبًا، ونحن يصعب علينا تسديد فواتير الغاز والكهرباء، فهل تجدون لنا رخصة نأخذ بها في أن نحتال لئلَّا ندفع قيمة هذه الفواتير الظالمة كاملةً أو لندفع جزءًا من قيمتها؟ أليس لنا حقٌّ في هذه الثروات الطبيعية التي أودعها الله سبحانه وتعالى في أرضنا، وهم يتكسبون من ورائنا وعلى حساب صحتنا؛ لأن لهذه المحطات أضرارًا صحية بالإنسان والحيوان؟ وحتى المساجد بيوت الله في الأرض لا يستثنونها من دفع قيمة هذه الفواتير.
ما حكم الشركة عند موت أحد الشريكين؟ فوالدي رحمه الله كان شريكًا لأحد أصدقائه في مالٍ للتجارة فيه، ثم توفي والدي، فما الحكم في هذه التجارة؟ علمًا بأن عليه بعض المتأخرات من حصته في الإيجارات التي يتحملها هو وشريكه، كما أن هناك بعض البضائع في المخازن.
جمعية خيرية تم تسجيلها في وزارة الشؤون الاجتماعية، والغرض منها هو مساعدة المرضى غير القادرين للحصول على خدمات علاجية مميزة عن طريق العلاج في المركز الخيري الطبي الذي أنشئ خصيصًا لهذا الغرض.
والسؤال: هل يجوز للجمعية الصرف من أموال الزكاة لتسديد الديون المتراكمة على الجمعية لصالح كلٍّ من: التأمينات الاجتماعية، ووزارة الكهرباء، ومصلحة الضرائب؟
وهل يجوز للجمعية الصرف من أموال الزكاة على تطوير أماكن تقديم الخدمات الطبية للمرضى القادرين وغير القادرين، مثل: أماكن الإقامة، وغرف العمليات، والبنية التحتية؟
ما حكم سداد الدين المؤجل عند وفاة الدائن وقبل حلول الأجل؟ فقد اقترض رجلٌ من آخَر مبلغًا من المال، واتفق معه على أن يرد إليه المبلغ كاملًا بعد ثلاثة أشهر، ولكن المقرِض مات بعد شهر واحد، فجاء ورثته يطالبون بسداد الدَّين على الفور باعتباره قد أصبح مالَهم، فهل يحق لهم تعجيل قبض الدَّين قبل موعده؟
ما حكم حجز الذهب بدفع بعض قيمته؟ فقد ذهبتُ مع زوجتي إلى تاجر المشغولات الذهبية وقد أعجبها أحد المنتجات المعروضة، وقد أخبرنا التاجر أن ما اخترناه قد بِيع بالفعل، وأنه سَيجلب مثلَه في غضون ثلاثة أيامٍ، لكن لا بد من دفع جزءٍ مِن الثمن، فتم الاتفاق على شراء المنتج مع تحديد جميع الأمور المتعلقة بذلك من صفة المنتج ووزنه وثمنه وموعد تسليمه وتمَّ تحرير فاتورة بيع بذلك، على أن نستلمه بعد ثلاثة أيام ونسدِّد عند ذاك باقي الثمن، فهل تجوز هذه المعاملة شرعًا؟