كيف ينظر الإسلام إلى الإنجاب؟ وهل يُطلب فيه مجرد التكثير العددي، أو أن له مقاصد وضوابط تتعلق بحُسن النشأة والتربية وصلاح المجتمع؟
الشريعة الإسلامية لم تنظر إلى الإنجاب بكونه كثرة عدد الأولاد فقط، بل نظرت إليه من حيث أهميته في بقاء النوع الإنساني وعمارة الكون، فأوجبت على الآباء فعل ما يتحقق به هذا الحفظ من رعاية الأولاد في التربية والنفقة، وحسن التنشئة، ودفع الضرر عنهم، وإعدادهم الإعداد الذي يجعلهم قادرين على القيام بوظيفتهم في عمارة الأرض وتحقيق مراد الله منهم.
المحتويات:
لقد راعت الشريعة الإسلامية فطرة الإنسان المجبولة على محبة الذرية التي تكون سندًا للإنسان في الحياة وامتدادًا لأثره بعد الحياة، فرغَّبت في الزواج والإنجاب، وجعلت بقاء النسل واستمراره من المقاصد الكلية التي جاءت بحفظها ورعايتها؛ إذ به يتحقق عمران الأرض، وتستمر الخلافة فيها، وتُحفظ البشرية من الانقطاع، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [النساء: 1]، وقال سبحانه: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ [النحل: 72].
وقد بيَّن العلامة الطاهر بن عاشور حقيقة هذا المقصد، وأن المراد بحفظ النسل هو المحافظة على بقاء النوع الإنساني واستمراره، وهو أمر ضروري؛ لأنه بمثابة حفظ النفوس، فقال في "مقاصد الشريعة الإسلامية" (3/ 239، ط. أوقاف قطر): [النسل هو خِلفَةُ أفراد النوع، فلو تعطل يؤول تعطيلُه إلى اضمحلال النوع وانتقاصه] اهـ. ثم قال: [فبهذا المعنى لا شبهة في عدِّهِ من الكليات؛ لأنه يعادل حفظ النفوس] اهـ.
ومن أجل حفظ هذا المقصد حث الشرع الحنيف على تكثير النسل، غير أنه قرن هذا التكثير بتحقيق المصالح، ودفع المفاسد والمضار، وصيانة الحقوق، فعن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه: أن رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم قال: «تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ، إِنِّي مُكَاثِرٌ الْأَنْبِيَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» أخرجه الإمام أحمد.
والمكاثرة هنا هي المفاخرة بكثرة الأتباع والأهل، ولا تتأتى هذه المفاخرة بالأتباع إلا بما ينفع، سواء عاد النفع على النفس بالطاعة والعمل الصالح، أم على المجتمع بعمارة الكون، ورفع الظلم عن الآخرين، فالعبرة بجودة النسل وصلاحه، وهذا ما يبينه ظاهر قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «يُوشِكُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمُ الأُمَمُ مِنْ كُلِّ أُفُقٍ كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ عَلَى قَصْعَتِهَا، قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَمِنْ قِلَّةٍ بِنَا يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنْ تَكُونُون غُثَاءً كَغُثَاءِ السَّيْلِ» أخرجه الإمام أحمد.
قال الدكتور محمد سلام مدكور في "نظرة الإسلام" (ص: 66- 67، ط. دار النهضة العربية): [الكثرة منشودة لذاتها أم لما يترتب عليها من صالح الأسرة ومصلحة المجتمع والشعب؟ فالتناسل متحقق مع التقليل منه، والكثرة مطلوبة إذا اقتضتها مصلحة، وأمكن التحكم في توجيهها توجيهًا نافعًا، والقيام بأعبائها دون حرج ولا ضيق، والقليل النافع خير من الكثرة المهملة التي تترك دون تقويم وإعداد] اهـ.
إن الإسلام لم ينظر إلى عملية الإنجاب من الناحية العددية فحسب، بل جعل لها ضوابط حاكمة لها، هذه الضوابط مبنية على جملةٍ من الأصول الشرعية، ومن هذه الضوابط:
1- مراعاة القدرة على الوفاء بالمسؤولية الأسرية عند الإنجاب، فإن الشريعة وإن رغبت في الإنجاب، أوجبت على الوالدين القيام بحقوق الأولاد، من الرعاية، والتربية، والتأديب وحسن التنشئة، والإنفاق، وبينت أن الوالدين مسؤولان عن ذلك يوم القيامة؛ فعن عبد اللهِ بن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، الإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ»، قَالَ: وَحَسِبْتُ أَنْ قَدْ قَالَ: «وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي مَالِ أَبِيهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» متفق عليه.
فهذا الحديث الشريف بيَّن أنه يجب على الأب تحقيق ما يكون به صلاح ولده سواء كان ذلك في أمور الدين أو أمور الدنيا، وأن يؤدي ما عليه من حقوق تجاه هذا الولد، وإلا سُئِلَ عن هذا يوم القيامة، وطُلبت منه هذه الحقوق.
قال العلامة المُناوي في "فيض القدير" (5/ 38، ط. المكتبة التجارية الكبرى): [«كُلُّكُمْ رَاعٍ» أي: حافظ ملتزم بصلاح ما قام عليه، وهو ما تحت نظره من الرعاية، وهي الحفظ، يعني: كلكم مستلزم بحفظ ما يطالب به] اهـ. ثم قال: [«وَكُل» راع «مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» في الآخرة فكل من كان تحت نظره شيء فهو مطلوب بالعدل فيه والقيام بمصالحه في دينه ودنياه ومتعلقات ذلك فإن وَفَّى ما عليه من الرعاية حصل له الحظ الأوفر والجزاء الأكبر وإلا طالبه كل أحد من رعيته بحقه في الآخرة] اهـ.
2- أن يُراعى في قرار الإنجاب اختلاف الأحوال، فلا يُجعل حكمٌ واحدٌ لازمًا لجميع الناس، ذلك أن أحوال الناس تختلف باختلاف قدراتهم الصحية، وأوضاعهم الأسرية، وظروفهم الاجتماعية والاقتصادية، وما يعرض لهم من أعذار أو احتياجات معتبرة، ومن ثم فلا يصح حمل جميع الأسر على قرار واحد في الإنجاب أو تنظيمه؛ إذ الشريعة لم تجعل ذلك من الأحكام الجامدة التي لا تتغير باختلاف الأحوال، وإنما راعت ما يحيط بالمكلَّف من ظروف معتبرة، ما دامت لا تصادم نصًّا شرعيًّا ولا تُفضي إلى تعطيل مقصد حفظ النسل.
3- أن يكون قرار الإنجاب قائمًا على التشاور والتراضي بين الزوجين، فلا ينبغي أن ينفرد أحدهما باتخاذه دون الآخر؛ إذ يقتضي حسنُ العشرة وتحقيقُ السكن والمودة والرحمة التي قامت عليها الحياة الزوجية أن يتوافق الزوجان على ما يحقق مصلحة الأسرة، ويُعين على تحقيق مقاصد الزواج، ويجنبها أسباب النزاع والشقاق.
وقد أرشد القرآن الكريم إلى اعتماد مبدأ التشاور والتراضي في شؤون الأسرة، فقال تعالى: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ [البقرة: 233]، فإذا كان المولى عزَّ وجل قد جعل التشاور والتراضي معتبرين في أمر فطام الطفل بعد ولادته، مع تعلق ذلك بمصلحته، فإن اعتبارهما عند اتخاذ قرار الإنجاب أولى؛ لما يترتب عليه من آثار بعيدة المدى تتعلق بحقوق الزوجين، ومصلحة الأولاد، واستقرار الأسرة.
ولأجل ذلك، قرر جماعة من الفقهاء أن الوسائل المؤثرة في الإنجاب، كالعزل، لا يُلجأ إليها إلا مع مراعاة الحقوق المشتركة بين الزوجين؛ لما يترتب عليها من تعلق حق كل منهما بالولد، وهو ما يؤكد أن القرارات المتعلقة بالإنجاب لا ينبغي أن تُبنى على إرادة أحد الزوجين دون الآخر.
قال الإمام الكاساني في "بدائع الصنائع" (5/ 126، ط. دار الكتب العلمية): [(وأمَّا) المنكوحة فإن كانت حرة يكره له العزل من غير إذنها بالإجماع؛ لأن لها في الولد حقًّا، وفي العزل فوت الولد، ولا يجوز تفويت حق الإنسان من غير رضاه، فإذا رضيت جاز] اهـ.
بناءً على ذلك وفي واقعة السؤال: فالشريعة الإسلامية لم تنظر إلى الإنجاب بكونه كثرة عدد الأولاد فقط، بل نظرت إليه من حيث أهميته في بقاء النوع الإنساني وعمارة الكون، فأوجبت على الآباء فعل ما يتحقق به هذا الحفظ من رعاية الأولاد في التربية والنفقة، وحسن التنشئة، ودفع الضرر عنهم، وإعدادهم الإعداد الذي يجعلهم قادرين على القيام بوظيفتهم في عمارة الأرض وتحقيق مراد الله منهم.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
ما حكم الشرع فيما يقوم به بعض الناس من إرسال برقيات ورسائل إلكترونية عبر وسائل التواصل الاجتماعي تحمل معاني توديع شهر رمضان المبارك عند قرب انتهائه؟
كيف ينظر الإسلام إلى الإنجاب؟ وهل يُطلب فيه مجرد التكثير العددي، أو أن له مقاصد وضوابط تتعلق بحُسن النشأة والتربية وصلاح المجتمع؟
ما حكم كثرة الإنجاب التي تؤدي إلى تقصير الأبوين في حق الأولاد من تربية ونفقة وتعليم ونحو ذلك؟
رجل زوَّج بنته من آخر بشرطِ أن تكون العصمةُ بيدها، وقدم لها بعض مقدم الصداق، ثم أرادت الطلاق منه قبل الدخول، فهل لها أن تُطَلّق نفسها من غير مراجعة القاضي بناءً على الشرط، وإذا كان كذلك فهل لها نصف المهر؛ نظرًا لأن الطلاق قبل الدخول، أو يسقط حقها؛ لأنّ الفرقة من جهتها؟
يقول السائل: ما المقصود بسنن الفطرة؟ وما حكم الالتزام بها؟
سائل يقول: هل يشترط فيمن يكفل طفلًا أو طفلةً أن ترضعه زوجته أو إحدى أخواتها؟ وما عدد الرضعات التي تجعل الطفل المكفول أو الطفلة مُحَرَّمًا على الكافل أو الكافلة؟