حكم إعطاء الابن الغارم من الزكاة

تاريخ الفتوى: 22 يوليو 2026 م
رقم الفتوى: 9024
من فتاوى: فضيلة أ. د/ نظير محمد عياد - مفتي الجمهورية
التصنيف: الزكاة
حكم إعطاء الابن الغارم من الزكاة

ما حكم إعطاء الابن الغارم من الزكاة؟ فقد وجبت زكاة المال على رجلٍ، وله ابنٌ عليه ديونٌ مقسطة، ولا يجد من المال ما يكفي لسدادها والإنفاق على معيشته، فهل يجوز للأب أن يدفع من زكاة ماله إلى ابنه لسداد تلك الديون؟

لا يجوز للأب أن يدفع زكاة ماله إلى ابنه الغارم؛ لاتصال المنافِع المالية بينهما، وشبهة عود نفع الزكاة إليه، إذ يكون صرفُها إلى فرعه في معنى الصرف إلى نفسه، وذلك أحوط لأداء الزكاة على الوجه المتيقن، وأدعى إلى توسيع دائرة إيصالها إلى مستحقيها، ولا يمنع ذلك من أن يعين الأبُ ابنَه الغارمَ على قضاء دَينه من ماله الخاص؛ فإن ذلك من البر والصلة.

المحتويات:

 

بيان وجوب الزكاة لمستحقيها

شرع الله تعالى الزكاة، وجعلها ركنًا من أركان الإسلام، وفرضها على من استكملت فيه شروط الوجوب؛ تحقيقًا للتكافل بين أفراد المجتمع، وسدًّا لحاجات الأصناف الذين جعلهم الله تعالى أهلًا لاستحقاقها، فقال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: 60].

وقال صلى الله عليه وآله وسلم في حديث مُعَاذٍ رضي الله عنه لَمَّا أرسَلَه إلى اليمن: «فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِم، تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ، وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» متفق عليه.

حكم إعطاء الابن الغارم من الزكاة

من المقرر شرعًا أنه لا يجوز للمزكي أن يدفع من زكاته إلى أحد فروعه إذا كان ملزمًا بالإنفاق عليهم؛ لأن في ذلك إسقاطًا لما وجب عليه من النفقة، فكأنه دفع زكاة نفسه إلى نفسه؛ لعود نفعها إليه بكفايته فيما هو واجب عليه من طريق النفقة لا من طريق الزكاة، فيكون قد ردَّها إلى نفسه وهو غني، مع أن الواجب عليه أن يردَّها على الفقراء خالصة من أي تبعة عليه من نفقة أو غيرها.

قال الإمام الكاساني في "بدائع الصنائع" (2/ 49، ط. دار الكتب العلمية) عند الحديث عن الشروط المتعلقة بالمؤدى إليه الزكاة: [ومنها: ألا تكون منافع الأملاك متصلة بين المؤدي وبين المؤدى إليه؛ لأن ذلك يمنع وقوع الأداء تمليكًا من الفقير من كل وجه، بل يكون صرفًا إلى نفسه من وجه، وعلى هذا يخرج الدفع إلى الوالدين وإن علوا، والمولودين وإن سفلوا؛ لأن أحدهما ينتفع بمال الآخر] اهـ.

وقال الإمام النووي في "المجموع" (6/ 229، ط. دار الفكر): [قال أصحابنا: لا يجوز للإنسان أن يدفع إلى ولده ولا والده الذي يلزمه نفقته من سهم الفقراء والمساكين لعلتين (إحداهما) أنه غني بنفقته (والثانية) أنه بالدفع إليه يجلب إلى نفسه نفعًا وهو منع وجوب النفقة عليه] اهـ.

ونقل الإجماعَ على ذلك أكثرُ أهل العلم.

قال الإمام ابن المنذر في "الإجماع" (ص: 48، ط. المسلم): [وأجمعوا على أن الزكاة لا يجوز دفعها إلى الوالدين والولد في الحال التي يُجبر الدافع إليهم على النفقة عليهم] اهـ.

وأمَّا إذا كان دفع الزكاة إلى الفرع لا يقصد به إسقاط نفقة واجبة، وإنما كان لسبب آخر، كقضاء دينه، فقد اختلف الفقهاء في حكم ذلك.

فذهب الحنفية، وهو الصحيح من مذهب الحنابلة، إلى عدم جواز دفع الزكاة إلى الفروع مطلقًا، ولو كانوا من الغارمين، واستدلوا على ذلك بأن المنفعة بين الأصول والفروع متصلة، فلا يتحقق في حقهم تمام التمليك المعتبر في الزكاة، فضلًا عن قيام شبهة المِلك، فلا يختلف الحكم باختلاف جهة الاستحقاق.

قال الإمام المرغيناني الحنفي في "الهداية في شرح بداية المبتدي" (1/ 111، ط. دار إحياء التراث العربي): [(ولا يدفع المزكي زكاته إلى أبيه وجده وإن علا، ولا إلى ولده وولد ولده وإن سفل)؛ لأن منافع الأملاك بينهم متصلة، فلا يتحقق التمليك على الكمال] اهـ.

وقال العلامة فخر الدين الزيلعي الحنفي في "تبيين الحقائق" (1/ 301، ط. الأميرية) في معرض الحديث عمن لا يجوز دفع الزكاة إليه: [لا يجوز الدفع إلى أصوله، وهم: الأبوان، والأجداد، والجدات من قبل الأب والأم وإن علوا، ولا إلى فروعه، وهم: الأولاد، وأولاد الأولاد وإن سفلوا إلى آخر ما ذكر؛ لأن بين الفروع والأصول اتصالًا في المنافع لوجود الاشتراك في الانتفاع بينهم عادة] اهـ.

وقال الإمام أبو بكر الحدادي الحنفي في "الجوهرة النيرة على مختصر القدوري" (1/ 129، ط. المطبعة الخيرية) في معرض حديثه عمن لا يدفع إليه الزكاة: [(قوله: ولا إلى ولده وولد ولده وإن سفل) سواء كانوا من جهة الذكور أو الإناث، وسواء كانوا صغارًا أو كبارًا؛ لأنه إن كان صغيرًا فنفقته على أبيه واجبةٌ، وإن كان كبيرًا فلا يجوز أيضًا؛ لعدم خلوص الخروج عن مِلك الأب؛ لأن للوالد شبهة في مِلك ابنه، فكان ما يدفعه إلى ولده كالباقي على مِلكه من وجه] اهـ.

وقال العلامة المرداوي الحنبلي في "الإنصاف" (7/ 287، ط. هجر): [قوله: (ولا الوالدين وإن علوا، ولا الولد وإن سفل) إن كان الوالدان وإن علوا والولد وإن سفل في حال وجوب نفقتهم عليه لم يجز دفعها إليهم إجماعًا، وإن كانوا في حالٍ لا تجب نفقتهم عليه، كولد البنت وغيره ممن ذكر، (كما إذا لم يتسع للنفقة ماله) لم يجز أيضًا دفعها إليهم على الصحيح من المذهب، ونص عليه، وعليه أكثر الأصحاب] اهـ.

وقال العلامة البهوتي الحنبلي في "كشاف القناع" (2/ 290، ط. مكتبة النصر الحديثة): [(ولا) يجوز دفعها (إلى عمودَي نسبه في حال تجب نفقتهم فيه) عليه (أو لا تجب) نفقتهم فيه (ورثوا أو لم يرثوا، حتى ذوي الأرحام منهم) كأبي الأم وولد البنت. قال أحمد: لا يعطي الوالدين من الزكاة، ولا الولد، ولا ولد الولد، ولا الجد، ولا الجدة، ولا ولد البنت، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ» يعني الحسن، فجعله ابنه؛ لأنه من عمودَي نسبه، ووجه ذلك: اتصال منافع المِلك بينهما عادةً، فيكون صارفًا لنفسه، بدليل عدم قبول شهادة أحدهما للآخر. (ولو) كان أحد عمودَي نسبه أخذ (في غرم لنفسه) بأن تداين دينًا ثم أخذ وفاءه من زكاة أبيه أو ابنه وإن علا أو نزل (أو في كتابه، أو كان) أحد عمودَي نسبه (ابن سبيل) لأن هؤلاء إنما يأخذون مع الفقر، فأشبه الأخذ للفقر] اهـ.

بينما ذهب المالكية والشافعية، وهو أحد القولين عند الإمام أحمد، واختاره الشيخ ابن تيمية من الحنابلة إلى جواز دفع الزكاة إلى الفروع من سهم الغارمين، ولو كانوا ممن تلزم المزكي نفقتهم؛ لأن استحقاقهم للزكاة في هذه الصورة إنما هو بوصف الغرم، فلا يكون دفعها إليهم إسقاطًا للنفقة الواجبة.

قال العلامة الدردير المالكي في "الشرح الكبير" ومعه "حاشية الدسوقي" (1/ 499، ط. دار الفكر) في معرض حديثه عن حكم دفع الزكاة بين الزوجين، وبيان مواضع المنع والجواز فيها: [ومحل المنع ما لم يكن إعطاء أحدهما الآخر ليدفعه في دينه أو ينفقه على غيره وإلا جاز] اهـ.
  قال العلامة الدسوقي محشيًا: [قوله: (ومحل المنع) أي: في مسألة المصنف وفي عكسها ما لم.. إلخ. وقوله: (وإلا جاز، أي: اتفاقًا) ومثل ذلك: إعطاء الولد لوالده حيث تجب نفقته عليه وعكسه ليدفعه في دَينه، فإنه جائز أيضًا، كما في "عبق"] اهـ.

وقال الإمام النووي الشافعي في "المجموع" (6/ 229): [قال أصحابنا: ويجوز أن يدفع إلى ولده ووالده من سهم العاملين، والمكاتبين، والغارمين، والغزاة، إذا كانا بهذه الصفة] اهـ.

وقال الشيخ ابن تيمية الحنبلي في "مجموع الفتاوى" (25/ 92، ط. مجمع الملك فهد): [إذا كان على الولد دين، ولا وفاء له، جاز له أن يأخذ من زكاة أبيه، في أظهر القولين في مذهب أحمد وغيره] اهـ.

والمختار للفتوى هو ما ذهب إليه الحنفية، وهو الصحيح من مذهب الحنابلة، من عدم جواز دفع المزكي زكاة ماله إلى ابنه ولو كان غارمًا ليقضي بها دينه؛ احتياطًا لأداء الزكاة على الوجه المتيقن، وصيانةً لها عن شبهة عود نفعها إلى المزكي، وخروجًا من خلاف من منع ذلك مطلقًا.

قال الإمام السيوطي في "الأشباه والنظائر" (ص: 136، ط. دار الكتب العلمية): [الخروج من الخلافِ مستحبٌّ] اهـ.

ولا يمنع ذلك من أن يُعِين الأبُ ابنَه على قضاء دَينه من غير الزكاة، كأن يقضي عنه دَينه من ماله بقصد الهبة أو التحمل عنه أو كفايته في جميع أموره، أو يدفع إليه بقصد الصدقة والتبرع؛ فإن ذلك من الإحسان وصلة الرحم؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «الصَّدَقَةُ عَلَى الْمِسْكِينِ صَدَقَةٌ، وَهِيَ عَلَى ذِي الرَّحِمِ ثِنْتَانِ: صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ» أخرجه الأئمة: أحمد، وابن ماجه، والترمذي واللفظ له من حديث سيدنا سلمان بن عامرٍ رضي الله عنه.

الخلاصة

بناءً على ذلك وفي واقعة السؤال: فإنه لا يجوز للأب أن يدفع زكاة ماله إلى ابنه الغارم؛ لاتصال المنافِع المالية بينهما، وشبهة عود نفع الزكاة إليه، إذ يكون صرفُها إلى فرعه في معنى الصرف إلى نفسه، وذلك أحوط لأداء الزكاة على الوجه المتيقن، وأدعى إلى توسيع دائرة إيصالها إلى مستحقيها، ولا يمنع ذلك من أن يعين الأبُ ابنَه الغارمَ على قضاء دَينه من ماله الخاص؛ فإن ذلك من البر والصلة.

والله سبحانه وتعالى أعلم.

هل يجوز بناء مسجد من أموال الزكاة؟


هل يجوز إرسال زكاة الفطر إلى محافظة أخرى أو بلد آخر غير مكان إقامة المزكي؟


ما حكم تقديم إيصال يفيد دفع الزكاة للضرائب لتخفيض قيمتها؟ فأنا أعيش في بلدٍ أجنبي، ويفرض عليَّ ضرائب وتسمح الجهة المختصة بتقديم إيصال دفع الزكاة وخصمه مِن الضرائب، فما حكم ذلك؟


ما حكم إخراج الزكاة لعمليات زرع النخاع وغيرها للمرضى الفقراء، وكذلك لشراء الأدوية والأجهزة والمستلزمات المستخدمة في ذلك؟


تقول السائلة: أودعت بعض أموالي لدى صندوق توفير البريد لمدة خمسة أعوام. فأرجو منكم بيان الحكم الشرعي في كيفية إخراج زكاة المال ومصارفها.


هل تجب زكاة المال على دفاتر توفير الأيتام في حالة بلوغ المال النصاب؟ فنحن نتشرف أن نحيط علم سيادتكم بأنه تردد في شهر رمضان السابق في بعض المحطات الفضائية أن دفاتر توفير الأبناء الأيتام تجب فيها زكاة مال، ويلزم الوصي بإخراجها في حالة بلوغ المال للنصاب. لذلك نلتمس من سيادتكم إفادتنا بصحة هذا القول من عدمه؛ لأنه يوجد لدينا دفاتر توفير للأيتام ومجهولي النسب. وما هو النصاب الشرعي لزكاة المال؟ حتى يمكننا مراعاة شرع الله في ذلك.


مَواقِيتُ الصَّـــلاة

القاهرة · 20 أغسطس 2026 م
الفجر
4 :52
الشروق
6 :25
الظهر
12 : 58
العصر
4:34
المغرب
7 : 31
العشاء
8 :53