ما حكم إعطاء الابن الغارم من الزكاة؟ فقد وجبت زكاة المال على رجلٍ، وله ابنٌ عليه ديونٌ مقسطة، ولا يجد من المال ما يكفي لسدادها والإنفاق على معيشته، فهل يجوز للأب أن يدفع من زكاة ماله إلى ابنه لسداد تلك الديون؟
لا يجوز للأب أن يدفع زكاة ماله إلى ابنه الغارم؛ لاتصال المنافِع المالية بينهما، وشبهة عود نفع الزكاة إليه، إذ يكون صرفُها إلى فرعه في معنى الصرف إلى نفسه، وذلك أحوط لأداء الزكاة على الوجه المتيقن، وأدعى إلى توسيع دائرة إيصالها إلى مستحقيها، ولا يمنع ذلك من أن يعين الأبُ ابنَه الغارمَ على قضاء دَينه من ماله الخاص؛ فإن ذلك من البر والصلة.
المحتويات:
شرع الله تعالى الزكاة، وجعلها ركنًا من أركان الإسلام، وفرضها على من استكملت فيه شروط الوجوب؛ تحقيقًا للتكافل بين أفراد المجتمع، وسدًّا لحاجات الأصناف الذين جعلهم الله تعالى أهلًا لاستحقاقها، فقال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: 60].
وقال صلى الله عليه وآله وسلم في حديث مُعَاذٍ رضي الله عنه لَمَّا أرسَلَه إلى اليمن: «فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِم، تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ، وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» متفق عليه.
من المقرر شرعًا أنه لا يجوز للمزكي أن يدفع من زكاته إلى أحد فروعه إذا كان ملزمًا بالإنفاق عليهم؛ لأن في ذلك إسقاطًا لما وجب عليه من النفقة، فكأنه دفع زكاة نفسه إلى نفسه؛ لعود نفعها إليه بكفايته فيما هو واجب عليه من طريق النفقة لا من طريق الزكاة، فيكون قد ردَّها إلى نفسه وهو غني، مع أن الواجب عليه أن يردَّها على الفقراء خالصة من أي تبعة عليه من نفقة أو غيرها.
قال الإمام الكاساني في "بدائع الصنائع" (2/ 49، ط. دار الكتب العلمية) عند الحديث عن الشروط المتعلقة بالمؤدى إليه الزكاة: [ومنها: ألا تكون منافع الأملاك متصلة بين المؤدي وبين المؤدى إليه؛ لأن ذلك يمنع وقوع الأداء تمليكًا من الفقير من كل وجه، بل يكون صرفًا إلى نفسه من وجه، وعلى هذا يخرج الدفع إلى الوالدين وإن علوا، والمولودين وإن سفلوا؛ لأن أحدهما ينتفع بمال الآخر] اهـ.
وقال الإمام النووي في "المجموع" (6/ 229، ط. دار الفكر): [قال أصحابنا: لا يجوز للإنسان أن يدفع إلى ولده ولا والده الذي يلزمه نفقته من سهم الفقراء والمساكين لعلتين (إحداهما) أنه غني بنفقته (والثانية) أنه بالدفع إليه يجلب إلى نفسه نفعًا وهو منع وجوب النفقة عليه] اهـ.
ونقل الإجماعَ على ذلك أكثرُ أهل العلم.
قال الإمام ابن المنذر في "الإجماع" (ص: 48، ط. المسلم): [وأجمعوا على أن الزكاة لا يجوز دفعها إلى الوالدين والولد في الحال التي يُجبر الدافع إليهم على النفقة عليهم] اهـ.
وأمَّا إذا كان دفع الزكاة إلى الفرع لا يقصد به إسقاط نفقة واجبة، وإنما كان لسبب آخر، كقضاء دينه، فقد اختلف الفقهاء في حكم ذلك.
فذهب الحنفية، وهو الصحيح من مذهب الحنابلة، إلى عدم جواز دفع الزكاة إلى الفروع مطلقًا، ولو كانوا من الغارمين، واستدلوا على ذلك بأن المنفعة بين الأصول والفروع متصلة، فلا يتحقق في حقهم تمام التمليك المعتبر في الزكاة، فضلًا عن قيام شبهة المِلك، فلا يختلف الحكم باختلاف جهة الاستحقاق.
قال الإمام المرغيناني الحنفي في "الهداية في شرح بداية المبتدي" (1/ 111، ط. دار إحياء التراث العربي): [(ولا يدفع المزكي زكاته إلى أبيه وجده وإن علا، ولا إلى ولده وولد ولده وإن سفل)؛ لأن منافع الأملاك بينهم متصلة، فلا يتحقق التمليك على الكمال] اهـ.
وقال العلامة فخر الدين الزيلعي الحنفي في "تبيين الحقائق" (1/ 301، ط. الأميرية) في معرض الحديث عمن لا يجوز دفع الزكاة إليه: [لا يجوز الدفع إلى أصوله، وهم: الأبوان، والأجداد، والجدات من قبل الأب والأم وإن علوا، ولا إلى فروعه، وهم: الأولاد، وأولاد الأولاد وإن سفلوا إلى آخر ما ذكر؛ لأن بين الفروع والأصول اتصالًا في المنافع لوجود الاشتراك في الانتفاع بينهم عادة] اهـ.
وقال الإمام أبو بكر الحدادي الحنفي في "الجوهرة النيرة على مختصر القدوري" (1/ 129، ط. المطبعة الخيرية) في معرض حديثه عمن لا يدفع إليه الزكاة: [(قوله: ولا إلى ولده وولد ولده وإن سفل) سواء كانوا من جهة الذكور أو الإناث، وسواء كانوا صغارًا أو كبارًا؛ لأنه إن كان صغيرًا فنفقته على أبيه واجبةٌ، وإن كان كبيرًا فلا يجوز أيضًا؛ لعدم خلوص الخروج عن مِلك الأب؛ لأن للوالد شبهة في مِلك ابنه، فكان ما يدفعه إلى ولده كالباقي على مِلكه من وجه] اهـ.
وقال العلامة المرداوي الحنبلي في "الإنصاف" (7/ 287، ط. هجر): [قوله: (ولا الوالدين وإن علوا، ولا الولد وإن سفل) إن كان الوالدان وإن علوا والولد وإن سفل في حال وجوب نفقتهم عليه لم يجز دفعها إليهم إجماعًا، وإن كانوا في حالٍ لا تجب نفقتهم عليه، كولد البنت وغيره ممن ذكر، (كما إذا لم يتسع للنفقة ماله) لم يجز أيضًا دفعها إليهم على الصحيح من المذهب، ونص عليه، وعليه أكثر الأصحاب] اهـ.
وقال العلامة البهوتي الحنبلي في "كشاف القناع" (2/ 290، ط. مكتبة النصر الحديثة): [(ولا) يجوز دفعها (إلى عمودَي نسبه في حال تجب نفقتهم فيه) عليه (أو لا تجب) نفقتهم فيه (ورثوا أو لم يرثوا، حتى ذوي الأرحام منهم) كأبي الأم وولد البنت. قال أحمد: لا يعطي الوالدين من الزكاة، ولا الولد، ولا ولد الولد، ولا الجد، ولا الجدة، ولا ولد البنت، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ» يعني الحسن، فجعله ابنه؛ لأنه من عمودَي نسبه، ووجه ذلك: اتصال منافع المِلك بينهما عادةً، فيكون صارفًا لنفسه، بدليل عدم قبول شهادة أحدهما للآخر. (ولو) كان أحد عمودَي نسبه أخذ (في غرم لنفسه) بأن تداين دينًا ثم أخذ وفاءه من زكاة أبيه أو ابنه وإن علا أو نزل (أو في كتابه، أو كان) أحد عمودَي نسبه (ابن سبيل) لأن هؤلاء إنما يأخذون مع الفقر، فأشبه الأخذ للفقر] اهـ.
بينما ذهب المالكية والشافعية، وهو أحد القولين عند الإمام أحمد، واختاره الشيخ ابن تيمية من الحنابلة إلى جواز دفع الزكاة إلى الفروع من سهم الغارمين، ولو كانوا ممن تلزم المزكي نفقتهم؛ لأن استحقاقهم للزكاة في هذه الصورة إنما هو بوصف الغرم، فلا يكون دفعها إليهم إسقاطًا للنفقة الواجبة.
قال العلامة الدردير المالكي في "الشرح الكبير" ومعه "حاشية الدسوقي" (1/ 499، ط. دار الفكر) في معرض حديثه عن حكم دفع الزكاة بين الزوجين، وبيان مواضع المنع والجواز فيها: [ومحل المنع ما لم يكن إعطاء أحدهما الآخر ليدفعه في دينه أو ينفقه على غيره وإلا جاز] اهـ.
قال العلامة الدسوقي محشيًا: [قوله: (ومحل المنع) أي: في مسألة المصنف وفي عكسها ما لم.. إلخ. وقوله: (وإلا جاز، أي: اتفاقًا) ومثل ذلك: إعطاء الولد لوالده حيث تجب نفقته عليه وعكسه ليدفعه في دَينه، فإنه جائز أيضًا، كما في "عبق"] اهـ.
وقال الإمام النووي الشافعي في "المجموع" (6/ 229): [قال أصحابنا: ويجوز أن يدفع إلى ولده ووالده من سهم العاملين، والمكاتبين، والغارمين، والغزاة، إذا كانا بهذه الصفة] اهـ.
وقال الشيخ ابن تيمية الحنبلي في "مجموع الفتاوى" (25/ 92، ط. مجمع الملك فهد): [إذا كان على الولد دين، ولا وفاء له، جاز له أن يأخذ من زكاة أبيه، في أظهر القولين في مذهب أحمد وغيره] اهـ.
والمختار للفتوى هو ما ذهب إليه الحنفية، وهو الصحيح من مذهب الحنابلة، من عدم جواز دفع المزكي زكاة ماله إلى ابنه ولو كان غارمًا ليقضي بها دينه؛ احتياطًا لأداء الزكاة على الوجه المتيقن، وصيانةً لها عن شبهة عود نفعها إلى المزكي، وخروجًا من خلاف من منع ذلك مطلقًا.
قال الإمام السيوطي في "الأشباه والنظائر" (ص: 136، ط. دار الكتب العلمية): [الخروج من الخلافِ مستحبٌّ] اهـ.
ولا يمنع ذلك من أن يُعِين الأبُ ابنَه على قضاء دَينه من غير الزكاة، كأن يقضي عنه دَينه من ماله بقصد الهبة أو التحمل عنه أو كفايته في جميع أموره، أو يدفع إليه بقصد الصدقة والتبرع؛ فإن ذلك من الإحسان وصلة الرحم؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «الصَّدَقَةُ عَلَى الْمِسْكِينِ صَدَقَةٌ، وَهِيَ عَلَى ذِي الرَّحِمِ ثِنْتَانِ: صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ» أخرجه الأئمة: أحمد، وابن ماجه، والترمذي واللفظ له من حديث سيدنا سلمان بن عامرٍ رضي الله عنه.
بناءً على ذلك وفي واقعة السؤال: فإنه لا يجوز للأب أن يدفع زكاة ماله إلى ابنه الغارم؛ لاتصال المنافِع المالية بينهما، وشبهة عود نفع الزكاة إليه، إذ يكون صرفُها إلى فرعه في معنى الصرف إلى نفسه، وذلك أحوط لأداء الزكاة على الوجه المتيقن، وأدعى إلى توسيع دائرة إيصالها إلى مستحقيها، ولا يمنع ذلك من أن يعين الأبُ ابنَه الغارمَ على قضاء دَينه من ماله الخاص؛ فإن ذلك من البر والصلة.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
ما حكم الزكاة والصدقات لصالح مؤسسة خيرية؟ حيث يتشرف أحد البنوك بإحاطة فضيلتكم علمًا بتأسيس مؤسسة للتنمية المجتمعية بوزارة التضامن الاجتماعي، وتعمل المؤسسة منذ إنشائها على تطوير مجالي الصحة والتعليم في مصر، وذلك عبر منهج متكامل لا يعتمد فقط على المساهمات المادية، ولكن أيضًا من خلال إدارة عملية للتطوير بالتعاون مع الإدارات المختصة بالمؤسسات العامة التي تعمل بها، وإذ تركز المؤسسة في المرحلة الحالية على المشروعات الصحية، لا يتوقف دورها عند تحديث البنية الأساسية وتطوير الخدمات فحسب، ولكنه يمتد أيضًا ليشمل توفير الدورات التدريبية لأطقم التمريض، والعمل على رفع كفاءة العنصر البشري ككل، وننوه سيادتكم بأن البنك يتحمل كافة التكاليف الإدارية للمؤسسة، بحيث تذهب جميع التبرعات مباشرة للمشروعات التي تتبناها المؤسسة الخيرية.
وتعمل المؤسسة الآن على استكمال التطوير الشامل لثلاثة مشروعات مهمة وهي: مستشفى الأطفال الجامعي التخصصي "أبو الريش الياباني"، المعهد القومي للأورام، وقريبا نبدأ العمل بمركز الكلى بالمنصورة، وذلك للوصول بها إلى مستويات عالمية في الخدمة، حتى نتمكن من خدمة أكبر عدد من المرضى المحتاجين دون تحميلهم أي أعباء مادية، ويأتي اختيار هذه المؤسسات تحديدًا؛ لأنها تخدم المجالين التعليمي والصحي، وهما الهدف الأساسي الذي من أجله أنشئت المؤسسة.
وفي هذا الشأن، نعمل الآن على الاستعداد لإطلاق حملة إعلانية لتعريف الرأي العام بأهداف المؤسسة وبرامجها التنموية، وقد وردتنا في هذا الشأن عدة استفسارات من عملائنا يتساءلون من خلالها عن المواضع التي يمكن أن يتبرعوا من خلالها بالزكاة، وتلك التي تستحق الصدقات بالمؤسسة، كي تنفق منها على المشروعات التي تعمل عليها.
وعليه: فإنا نسأل فضيلتكم عن إمكانية استصدار فتوى مكتوبة وموثقة من دار الإفتاء المصرية تجيز إخراج الزكاة والصدقات لصالح المؤسسة، وتبين المواضع الملائمة لصرف كل منها، مما يشجع السادة المساهمين من أبناء المجتمع المصري لدعم جميع المبادرات التي من شأنها الوصول بمصر إلى ما نصبو إليه من تقدم وازدهار.
هل يجوز توجيه أموال الزكاة من القادرين لتوصيل خدمة مياه الشرب والصرف الصحي لغير القادرين على سداد تكاليف توصيل هذه الخدمات؟
ما حكم إخراج زكاة الفطر مالًا نقديا؟ حيث تعمل جمعية في منطقة فقيرة، بل مُعدَمة، واحتياجات الفقراء فيها كثيرة جدًّا، فهم يحتاجون إلى الطعام والكساء والمال لتدبير كثير من احتياجاتهم اليومية، ومع حلول شهر رمضان تتجدد مشكلة زكاة الفطر السنوية؛ وذلك لوجود مجموعة من الشباب تنشر بين جمهور أهالي المنطقة فكرةَ عدمِ جواز إخراج زكاة الفطر إلا حبوبًا، بل تهاجم القائمين على إدارة الجمعية وتطالبهم بشراء حبوب بكل المال من الصندوق المخصص لزكاة الفطر.
ما حكم الزكاة في الذهب الخاص بالمرأة؟ حيث تمتلك زوجتي مصوغات ذهبية؛ فهل تجب فيها الزكاة؟
ما حكم صرف جزء من زكاة مال في شراء سلع توزع على الفقراء والمحتاجين؟ فأنا أقوم بأخذ جزء من زكاة المال وأشتري به بعض السلع التموينية وأعطيها لبعض الجمعيات الخيرية التي تقوم بدورها بتوزيعها على الفقراء المعلومين لديها، ولكن أحد السادة القائمين على هذه الجمعيات أفاد بأنه لا يجوز إعطاء السلع كزكاة للمال وأن الواجب هو دفع المال نقدًا.
هل يجوز إعطاء زكاة المال لشخص ينوي الحج هو وزوجته حيث لا يمتلك تكاليف الحج لهما سويا؟