ما المقصود بالشائعات، وما أبرز مخاطرها والعوامل التي تسهم في انتشارها بين الناس، وكيف وجَّهت الشريعة الإسلامية إلى مواجهتها والحد من آثارها؟
الشائعات هي الأخبار والمعلومات التي يجري تداولها بين الناس دون التحقق من صحتها، وقد تكون مختلقةً من أصلها، أو مشتملةً على معلومات صحيحة خالطها تحريف أو مبالغة أو تضليل، وتكمن خطورتها فيما قد تسببه من إثارة الفتن، ونشر الخوف والاضطراب، والإضرار بسمعة الأشخاص، وزعزعة الثقة بين أفراد المجتمع، والإخلال بأمن الوطن واستقراره.
وتسهم في انتشار الشائعات عوامل متعددة، من أبرزها التسرع في نقل الأخبار دون التثبت منها، وسرعة تداول المعلومات عبر وسائل الاتصال الحديثة، واستغلال الأحداث التي تثير مخاوف الناس واهتمامهم لتحقيق أغراض شخصية أو سياسية أو غيرها.
وقد وجَّهت الشريعة الإسلامية إلى مواجهة هذه الظاهرة بالتثبت من الأخبار قبل تصديقها أو نقلها، واجتناب القول بغير علم، والرجوع في الأمور العامة إلى الجهات المختصة وأهل العلم والخبرة، وعدم الإسهام في نشر ما يضر بالناس أو يثير الفتن بينهم، كما تقع على الفرد مسؤولية التحلي بالوعي والمسؤولية في تعامله مع الأخبار، والحرص على تصحيح المعلومات الخاطئة متى ثبت بطلانها؛ صيانةً لحقوق الأفراد، وحفظًا للمجتمع من الفتن والاضطراب، وإسهامًا في حماية أمن الوطن واستقراره.
المحتويات:
الشائعات من الظواهر التي تمثل خطرًا على الأفراد والمجتمعات، لما قد يترتب عليها من نشر الأخبار الكاذبة، وإثارة الخوف والاضطراب، والإضرار بسمعة الأشخاص، وزعزعة الثقة بين أفراد المجتمع، لا سيما إذا تعلقت بأمن الوطن واستقراره أو بمصالح الناس وشؤونهم العامة، وقد ازدادت خطورة هذه الظاهرة في ظل انتشار وسائل الاتصال الحديثة، التي أتاحت تداول الأخبار والمعلومات على نطاق واسع وفي وقت قصير، دون أن يسبق ذلك في كثير من الأحيان التحقق من صحتها أو معرفة مصادرها.
والشائعات جمع "شائعة"، وهي اسم فاعل من الفعل الثلاثي "شاع"، يقال في اللغة: شاع يشيع شيعًا وشيوعًا ومشاعًا، وتكاد تتفق المعاجم اللغوية على أن المعنى المراد من هذا الفعل هو: الانتشار والتَّفَرُّق والذُّيوع. ينظر: (مادة: شيع) في "مقاييس اللغة" لابن فارس (3/ 235، ط. دار الفكر)، و"لسان العرب" لابن منظور (8/ 181، ط. دار صادر)، و"تاج العروس" للزبيدي (21/ 301، ط. دار الهداية).
وينعكس هذا المعنى اللغوي على مفهوم الشائعة في الاصطلاح؛ إذ يعرِّفها علماء الاجتماع بأنها: "تدويرٌ لخبرٍ مختَلَقٍ لا أساس له من الواقع، باعتماد المبالغة أو التهوين في سرد خبرٍ فيه جانبٌ ضئيلٌ من الحقيقة؛ وذلك بهدف التأثير النفسي في الرأي العامّ المحلّيّ أو الإقليميّ أو النوعيّ، تحقيقًا لأهداف سياسيةٍ أو اجتماعيةٍ أو اقتصاديةٍ أو عسكرية، على نطاق دولةٍ واحدةٍ أو عدة دول، أو النطاق العالمي أجمعه". ينظر: "الرأي العام والحرب النفسية" لمختار التهامي (ص: 11، ط. دار المعارف، القاهرة).
وبناءً على هذا التعريف، يمكن القول إن الشائعة خبرٌ أو معلومةٌ يجري تداولها بين الناس دون ثبوت صحتها من مصدر موثوق، وقد تكون مختلقةً من أصلها، أو مشتملةً على جزء من الحقيقة أُضيفت إليه معلومات مضللة، أو جرى تحريف مضمونه أو المبالغة فيه بما يغيِّر دلالته ويؤثر في المتلقين، وغالبًا ما ترتبط الشائعات بالأحداث التي تثير اهتمام الناس أو مخاوفهم، وتستهدف التأثير في آرائهم ومواقفهم، وقد يكون الغرض منها تحقيق مصالح شخصية أو سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية، أو الإضرار بالآخرين وإثارة الفتن بينهم.
وتتميز الشائعات بعدد من السمات التي تساعد على التعرف عليها، من أهمها أنها قد تتضمن أخبارًا كاذبة أو معلومات محرَّفة، وربما اشتملت على جانب من الحقيقة يصعب تمييزه عن الأجزاء المضافة إليها، كما يغلب عليها غموض المصدر وعدم إمكان التثبت من صدقها، فضلًا عن ارتباطها بموضوعات يحيط بها الغموض أو تكثر حولها التساؤلات، وتنتقل الشائعة بين الناس من خلال الحديث المباشر أو وسائل الإعلام والاتصال، وتتعدد الأهداف التي تقف وراء إطلاقها وترويجها، وقد يُراد بها توجيه الرأي العام أو التأثير في مواقف الناس، لا سيما في أوقات الأزمات والاضطرابات.
قد جاءت الشريعة الإسلامية بمنهج متكامل في مواجهة الشائعات، يقوم على تحريم الكذب والبهتان، والنهي عن ترويج الأخبار التي تضرّ بالناس أو تثير الفتن بينهم، وإلزام المسلم بالتثبت مما يسمعه قبل نقله أو بناء الأحكام عليه، مع مراعاة ما يترتب على نشر الأخبار من آثار في الأفراد والمجتمع.
وقد حرَّم الإسلام نشر الشائعات وترويجها، وتوعَّد فاعل ذلك بالعقاب الأليم في الدنيا والآخرة؛ فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النور: 19].
وسببُ نزول هذه الآية حادثةُ الإفك، وهي التي قذف فيها المنافقون أمَّ المؤمنين عائشةَ رضي الله عنها بالسوء كذبًا منهم وبهتانًا، قال الإمام البيضاوي في "أنوار التنزيل وأسرار التأويل" (4/ 102، ط. دار إحياء التراث العربي): [﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ﴾ يريدون، ﴿أَنْ تَشِيعَ﴾ أن تنشر، ﴿الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ﴾ بالحد والسعير إلى غير ذلك، ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ﴾ مَا في الضمائر، ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ فعاقبوا في الدنيا على ما دل عليه الظاهر، والله سبحانه يعاقب على ما في القلوب من حب الإِشاعة] اهـ.
وهذا الوعيد الشديد فيمن أحب وأراد أن تشيع الفاحشة بين المسلمين، فكيف الحال بمن يعمل على نشر الشائعات بالفعل! وفي ذلك دلالة على خطورة السعي إلى نشر الأخبار التي تمس أعراض الناس أو تسيء إليهم، وأن مجرد الرغبة في إشاعة السوء والتحريض عليه أمر مذموم شرعًا، فكيف بمن يتعمد اختلاق الأخبار الكاذبة وترويجها، أو يسهم في نشرها دون تثبت، مع علمه بما قد تسببه من أضرار؟
وقد ورد في القرآن الكريم وصف "المرجفين" لمن يسعون إلى بث الأخبار التي تثير الخوف والاضطراب بين الناس، وهو معنى يتصل بترويج الشائعات التي تستهدف زعزعة الاستقرار وإثارة الفزع في المجتمع، قال تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [الأحزاب: 60-61].
وأصل الإرجاف من الرجف وهو الحركة، فإذا وقع خبر الكذب فإنه يوقع الحركة بالناس فسُمِّيَ إرجافًا.
قال الإمام ابن فورك في "تفسيره" (1/ 394، 2/ 121، ط. جامعة أم القرى): [الرجفة: زعزعة الأرض تحت القدم، ورجف السطح من تحت أهله يرجف رجفًا، ومنه الإرجاف، وهو الإخبار بما يضطرب الناس لأجله من غير تحقق به.. والإرجاف: إشاعة الباطل للاغتمام به] اهـ.
وأخرج ابن أبي الدُّنْيَا في "الصمت" موقوفًا على أبي الدَّرْدَاء رضي الله عنه قال: «أَيُّمَا رَجُلٍ أَشَاعَ عَلَى رَجُلٍ كَلِمَةً وَهُوَ مِنْهَا بَرِيءٌ لِيُشِينَهُ بِهَا فِي الدُّنْيَا؛ كَانَ حَقًّا عَلَى اللهِ أَنْ يُدِنيَهُ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي النَّارِ».
وتندرج الشائعات التي تتضمن أخبارًا كاذبة ضمن الكذب المحرم شرعًا، وقد وردت نصوص كثيرة في التحذير منه وبيان عواقبه، ومن ذلك ما أخرجه البخاري من حديث ابن مسعود رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكون صِدِّيقًا. وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يُكتَب عند الله كذابًا».
وفي "الصحيحين" من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب..» الحديث.
وتتضح خطورة الشائعات كذلك فيما قد تفضي إليه من إفساد العلاقات بين الناس، وإشاعة سوء الظن، والنيل من أعراض الأبرياء، وإثارة الخصومات والعداوات، فضلًا عن الأضرار التي قد تلحق بالمجتمع إذا تعلقت الشائعة بأمنه أو اقتصاده أو مؤسساته أو مصالحه العامة، وقد تتحول المعلومة غير الصحيحة، نتيجة تكرار تداولها، إلى سبب في اتخاذ مواقف أو قرارات خاطئة، أو في تعطيل مصالح الناس، أو في نشر الخوف والبلبلة دون مسوغ صحيح.
وقد أشار القرآن الكريم إلى أن نشر الشائعات من شأن المنافقين أو ضعاف النفوس؛ فقال تعالى في شأنهم: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: 83].
قال الإمام النسفي في "مدارك التنزيل" (1/ 378، ط. دار الكلم الطيب): [﴿وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مّنَ الأمن أَوِ الخوف﴾ هم ناسٌ من ضعفة المسلمين الذين لم يكن فيهم خبرةٌ بالأحوال، أو المنافقون؛ كانوا إذا بلغهم خبر من سرايا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أمنٍ وسلامةٍ أو خوفٍ وخللٍ ﴿أَذَاعُواْ بِهِ﴾ أفشوه وكانت إذاعتهم مفسدة، يقال أذاع السر وأذاع به، والضمير يعود إلى الأمر أو إلى الأمن أو الخوف؛ لأن ﴿أو﴾ تقتضي أحدهما ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ﴾ أي ذلك الخبر ﴿إِلَى الرسول﴾ أي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ﴿وإلى أُوْلِى الأمر مِنْهُمْ﴾ يعني كبراء الصحابة البصراء بالأمور أو الذين كانوا يؤمّرون منهم ﴿لَعَلِمَهُ﴾ لَعَلِمَ تدبير ما أخبروا به ﴿الذين يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ يستخرجون تدبيره بفطنهم وتجاربهم ومعرفتهم بأمور الحرب ومكايدها] اهـ.
فأمرنا الله عز وجل بِرَدِّ الأمور؛ سواء من الأمن أو الخوف، إلى أولي الأمر والعِلم أولًا قبل إذاعتها والتكلم فيها، حتى يكون الكلام فيها وإذاعتها عن بينةٍ وتَثَبُّتٍ وتَحَقُّقٍ مِن شأنها، ونبَّهنا تعالى إلى أنه متى لم تَرِد الأمور قبل إذاعتها إلى الرسول وإلى أولي الأمر والعلم فإن ذلك يكون اتباعًا للشيطان.
وفي هذا توجيه واضح إلى أن الأخبار المتعلقة بالشأن العام، لا سيما ما يمسّ أمن المجتمع واستقراره، لا ينبغي أن تكون محلًّا للتداول العشوائي أو الاجتهاد المبني على الظنون، بل يجب الرجوع فيها إلى الجهات المختصة وأهل العلم والخبرة، حتى تتضح حقيقتها، ويُعرف ما ينبغي إعلانه منها وما تقتضيه المصلحة من عدم نشره، فليس كل ما يصل إلى الإنسان من خبر صالحًا للنشر، وليس كل ما يثير اهتمام الناس أو يلفت انتباههم يستحق أن يتحول إلى حديث متداول بينهم.
كما حذَّر النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الانشغال بالقيل والقال، وهو ما يشمل الخوض في أخبار الناس وأحوالهم دون حاجة أو تثبت، ويتأكد هذا التحذير حين يتحول تداول الأقوال إلى وسيلة لنشر الأكاذيب أو إثارة الفتن، وقد أخرج البخاري ومسلم عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إِنَّ اللهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثًا: قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ»، والخوض في أخبار الناس وأحوالهم -فضلًا عن الترويج للأكاذيب والأضاليل وما يثير الفتن- داخلٌ في قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «قِيلَ وَقَالَ».
لهذا كله، جفَّف الإسلام في سبيل التَّصَدِّي لنشر الشائعات منابعَها؛ فألزم الشرعُ المسلمين بالتَّثَبُّت من الأخبار قبل بناء الأحكام عليها؛ فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: 6].
قال العلامة الزمخشري في "الكشاف" (4/ 371، ط. دار الكتاب العربي): [وإن في الظنون ما يجب أن يجتنب من غير تبيين لذلك ولا تعيين؛ لئلا يجترئ أحدٌ على ظنٍّ إلا بعد نظرٍ وتأمُّلٍ وتمييزٍ بين حقه وباطله بأمارةٍ بيّنة، مع استشعارٍ للتقوى والحذر] اهـ.
والتثبت الذي أمرت به الشريعة لا يقتصر على مجرد الشك في الخبر أو التوقف المؤقت عن نشره، بل يقتضي بذل الوسع في معرفة مصدره، والنظر في مدى موثوقيته، ومقارنة مضمونه بالمعلومات الصحيحة المتاحة، والرجوع إلى الجهات المعنية إذا كان متعلقًا بواقعة عامة أو مسألة تحتاج إلى خبرة متخصصة، كما يقتضي عدم تحويل الظنون والتوقعات الشخصية إلى حقائق يجري تداولها بين الناس، وعدم نسبة الأقوال أو الأفعال إلى أشخاص دون دليل معتبر.
وفي سبيل ذلك أيضًا نهى الشرع عن سماع الشائعة كما نهى عن نشرها؛ فقال تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ﴾ [المائدة: 41].
قال الإمام البيضاوي في "تفسيره" (2/ 127، ط. دار إحياء التراث العربي، بيروت): [ومن اليهود قوم ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾، أي قابلون لما تفتريه الأحبار، أي: سماعون كلامك ليكذبوا عليك فيه، ﴿سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ﴾، أي: لجمعٍ آخرين من اليهود لم يحضروا مجلسك وتجافَوْا عنك تكبرًا وإفراطًا في البغضاء، والمعنى على الوجهين: أي مُصْغُونَ لهم قابلون كلامهم، أو سماعون منك لأجلهم والإِنهاء إليهم] اهـ.
كما ذمَّ سبحانه الذين يسَّمَّعون للمرجفين والمروجين للشائعات والفتن؛ فقال تعالى: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [التوبة: 47].
قال الإمام البغوي في "معالم التنزيل" (4/ 377، ط. دار السلام): [﴿ولأوضعوا﴾ أسرعوا، ﴿خلالكم﴾ في وسطكم بإيقاع العداوة والبغضاء بينكم بالنميمة ونقل الحديث من البعض إلى البعض. وقيل: ﴿ولأوضعوا خلالكم﴾ أي: أسرعوا فيما يخل بكم، ﴿يبغونكم الفتنة﴾ أي: يطلبون لكم ما تفتنون به] اهـ.
وتدلّ هذه النصوص على أن مواجهة الشائعات لا تتحقق بالامتناع عن اختلاق الأخبار فحسب، بل تشمل كذلك عدم الإصغاء إلى ما يُراد به الإفساد، وعدم إعانة مروجي الأكاذيب على نشرها، وعدم إعادة تداول الأخبار المجهولة المصدر لمجرد إثارة الفضول أو الرغبة في معرفة التفاصيل، فالمسؤولية في هذا الباب مشتركة بين من ينشئ الشائعة، ومن ينقلها، ومن يسهم في انتشارها دون أن يتحقق من صحتها.
وقد بيَّن الشرعُ الشريفُ سِمَات المعالجة الحكيمة عند وصول خبرٍ غير موثوقٍ منه؛ وذلك في سياق الحديث عن حادثة الإفك؛ فيقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النور: 11-18].
وتكشف هذه الآيات الكريمة عن جملة من المبادئ والخطوات التي ينبغي مراعاتها عند سماع الأخبار المتداولة:
أُولى خطوات السلوك القويم إذا راجت شائعةٌ ما خطيرةٌ: حسنُ الظن بالغير الذي تتعلق به هذه الشائعة.
وثانيها: التحقق ومطالبة مروجي الشائعة بأدلتهم عليها والسؤال عمّن شهدها.
وثالثها: عدم تلقي الشائعة بالألسن وتناقلها.
ورابعها: عدم الخوض فيما لا عِلم للإنسان به ولم يقم عليه دليلٌ صحيح.
وخامسها: عدم التهاون والتساهل في أمر الشائعة، بل اعتبارها أمرًا عظيمًا؛ لما فيها من الوقوع في أعراض الناس وإثارة الفتن والإرجاف في الأرض.
وسادسها: تنزيهُ السمع عن مجرد الاستماع إلى ما يسيء إلى الغير، واستنكارُ التلفظ به؛ كما أرشدنا المولى تبارك وتعالى بقوله: ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: 16].
يقول الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر في "التفسير الوسيط" (10/ 98، ط. دار نهضة مصر) عند تفسير هذه الآية الكريمة: [وهكذا يؤدب اللهُ تعالى عبادَه المؤمنين بالأدب السامي؛ حيث يأمرهم في مثل هذه الأحوال أن ينزّهوا أسماعهم عن مجرد الاستماع إلى ما يسيء إلى المؤمنين، وأن يتحرجوا من مجرد النطق بمثل حديث الإفك، وأن يستنكروا ذلك على من يتلفظ به] اهـ.
ويُضاف إلى هذه الخطوات ضرورةُ مراعاة المسؤولية المترتبة على استخدام وسائل الاتصال الحديثة، فلا يجوز أن يكون سهولة النشر وسرعتهما ذريعةً إلى التسرع في تداول الأخبار، بل ينبغي للمسلم أن يجعل التحقق من المعلومة سابقًا على نشرها، وأن يمتنع عن إعادة إرسال ما يجهل مصدره أو لا يملك دليلًا على صحته، وأن يبادر إلى تصحيح ما يتبين له خطؤه، وألا يشارك في نشر محتوى يثير الفزع أو يضر بالأفراد أو يهدد المصالح العامة، وإذا تعلق الخبر بأمن الوطن أو سلامة المواطنين أو شأن من شؤون المجتمع، كان الرجوع إلى الجهات الرسمية المختصة والمصادر الموثوقة أولى وأحوط.
كما أن مواجهة الشائعات تقتضي نشر الوعي بين أفراد المجتمع، وتعزيز ثقافة التثبت والمسؤولية في تداول المعلومات، والتمييز بين الخبر المؤكد والرأي الشخصي والتوقع غير المستند إلى دليل، ولا يعني ذلك الامتناع عن تداول الأخبار الصحيحة أو حجب المعلومات النافعة، وإنما المقصود أن يكون النشر قائمًا على الصدق والتحقق ومراعاة المصلحة، بعيدًا عن التضليل والإثارة والإضرار بالآخرين.
بناءً على ذلك، وفي السؤال: فإن الشائعات هي الأخبار والمعلومات التي يجري تداولها بين الناس دون التحقق من صحتها، وقد تكون مختلقةً من أصلها، أو مشتملةً على معلومات صحيحة خالطها تحريف أو مبالغة أو تضليل، وتكمن خطورتها فيما قد تسببه من إثارة الفتن، ونشر الخوف والاضطراب، والإضرار بسمعة الأشخاص، وزعزعة الثقة بين أفراد المجتمع، والإخلال بأمن الوطن واستقراره.
وتسهم في انتشار الشائعات عوامل متعددة، من أبرزها التسرع في نقل الأخبار دون التثبت منها، وسرعة تداول المعلومات عبر وسائل الاتصال الحديثة، واستغلال الأحداث التي تثير مخاوف الناس واهتمامهم لتحقيق أغراض شخصية أو سياسية أو غيرها.
وقد وجَّهت الشريعة الإسلامية إلى مواجهة هذه الظاهرة بالتثبت من الأخبار قبل تصديقها أو نقلها، واجتناب القول بغير علم، والرجوع في الأمور العامة إلى الجهات المختصة وأهل العلم والخبرة، وعدم الإسهام في نشر ما يضر بالناس أو يثير الفتن بينهم، كما تقع على الفرد مسؤولية التحلي بالوعي والمسؤولية في تعامله مع الأخبار، والحرص على تصحيح المعلومات الخاطئة متى ثبت بطلانها؛ صيانةً لحقوق الأفراد، وحفظًا للمجتمع من الفتن والاضطراب، وإسهامًا في حماية أمن الوطن واستقراره.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
ما حكم كفالة مجهولي النسب؟ وهل يكون ثوابها مثل ثواب كفالة الطفل اليتيم؟
هل يجوز للإنسان أن يتبرع ببعض خُصَل من شعر رأسه لمستشفى سرطان الأطفال؛ بغرض صنع باروكة يلبسها أولئك الأطفال، بعد أن تسبب العلاج الكيماوي في تساقط شعر رؤوسهم؛ من باب المساهمة في تخفيف الألم النفسي عليهم؟ مع العلم أن بعض الناس يقول: إن ذلك غير جائز؛ لأنه مِن وَصْل الشعر المُحَرَّم شرعًا الملعون فاعله، ولأن المشروع في الشعر المنفصل عن الإنسان أن يُدفن، واستعماله بعد انفصاله ينافي التكريم المطلوب لأجزاء الإنسان، وكذلك لا يجوز هبة ذلك الشعر؛ لأنه ليس مملوكًا لصاحبه، ويعترضون كذلك بأنه لو كان ذلك الشعر من امرأة فإنه سيحرم النظر إليه؛ لأنه من العورة.
ما حكم اختراع آلات تساعد على الانتحار؟ حيث يقول السائل: سمعنا في وسائل الإعلام المختلفة عن اختراع آلة تُسمَّى«Sarco» تساعد -كما يقول مخترعها- على سَلْب حياة الأشخاص الذين يريدون إنهاء حياتهم بدون ألمٍ، وفي غضون دقائق.
فما الحكم الشرعي لمثل هذه الابتكارات العلمية؟ وهل يجوز إقدام الإنسان على استعمال مثل هذه الابتكارات؟
ما حكم الشماتة في الموت وبيان عواقبها؟ حيث إن الشماتة في الموت من الأخلاق الذميمة؛ فنرجو منكم بيانًا في التحذير من ذلك وبيان عواقبه؟
هل يجوز للحاكم التسعير عند استغلال بعض التجار الظروف الاقتصادية التي يمرّ بها العالم وقيامهم بمضاعفة أسعار الأطعمة والسلع؟
هناك من الناس من يعترض على قول صاحب البردة: "ومِن عُلومِكَ عِلْمَ اللوحِ والقَلَمِ" ويتهمُ قائل ذلك باتهامات بالغة، ويدَّعي أن في هذا منازعة لله تعالى في علمه. فما صحة هذا الاعتراض؟ وما الرد على ذلك؟