13 نوفمبر 2017 م

الصَّداقةُ

الصَّداقةُ

 لا يستغني الإنسان عن العلاقة بغيره، فهو كائنٌ اجتماعيٌ، وخلق الله الناس في حاجةٍ بعضِهم لبعض، ومَنْ مَنَحَهُ الله ميزةً وقدرةً على القيام بأمور معينة مَنَعَهُ القدرة على القيام بأمور أخرى.
وإذا كان الإنسان ينشأ في البداية بين أهله وأقربائه عادةً؛ فإنه -بمرور الوقت والاحتكاك بالآخرين- تنشأ له دوائر علاقات أخرى أكثر تنوُّعًا وتشعُّبًا؛ فيحب ويَكره، ويثق ويشك، ويأمِّن ويخوِّن، فيزداد من البعض دُنوًّا وقربًا، ومن آخرين نفورًا وبعدًا، وقد نَبَّهَ القرآن إلى هذه الحقيقة الاجتماعية في التنوُّع والتَّعارف في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: 13].
ومن دوائر القُرب والعمل والتعلُّم والاهتمامات المشتركة تنشأ الصَّداقة بين النَّاس بعضهم مع بعض، ولفظ الصَّداقة من الصِّدقِ، فالصَّداقة تعني العلاقة القائمة على الصِّدق بين الأفراد، وتشتمل على معانٍ راقية من الحبِّ والنُّصح والمواساة والتَّضامن والمؤازرة وغيرها.
فهذه أهم مقومات الصَّداقة، ومن البديهي أنَّ الصَّداقة الحقيقيَّة إنما تكون في الخير، لا في الشَّر، وقد شَبَّهَ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الجليس الصَّالح بحاملِ المسكِ الذي ينفع الناس بالخير، وشَبَّهَ الجليس السُّوء بِكِيرِ الحدَّادِ الذي تؤذيك رائحَتُه ويحرقُ الثِّياب؛ فقال: «مَثَلُ الجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالجَلِيسِ السَّوْءِ، كَمَثَلِ صَاحِبِ المِسْكِ وَكِيرِ الحَدَّادِ، لاَ يَعْدَمُكَ مِنْ صَاحِبِ المِسْكِ إِمَّا تَشْتَرِيهِ، أَوْ تَجِدُ رِيحَهُ، وَكِيرُ الحَدَّادِ يُحْرِقُ بَدَنَكَ، أَوْ ثَوْبَكَ، أَوْ تَجِدُ مِنْهُ رِيحًا خَبِيثَةً» رواه البخاري، وأوصانا النبي صلى الله عليه وآله وسلم بحسن اختيار الصَّديق؛ لأن كثرة المخالطة بين الأصدقاء تؤثِّر في سلوك وأفكار كلِّ منهم، فقال: «لَا تُصَاحِبْ إِلَّا مُؤْمِنًا، وَلَا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلَّا تَقِيٌّ» رواه أبو داود، وقال أيضًا: «الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ» رواه أبو داود.
فالتوجيه النبوي واضحٌ في تقدير قيمة الصَّداقة وضرورة السُّمُوِّ بها نحو مراتب الكمال؛ لتحقيق الغاية العظمى للإنسان بعبادة الله تعالى، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]، فيأتي دور الصَّداقة كعاملٍ مساعدٍ يخفِّفُ عن المرءِ شواغلَ حياتِه وهمومِه، ويحفِّزُه ويُعِينُهُ على فعل الطاعات وترك المنكرات، ويُبَصِّرُه بعيوبه فيعالجها، وينبِّهه إلى العقبات فيتجنَّبها؛ ولذلك جاء توجيه النبي بتدقيق النظر والتحرِّي في اختيار الصَّديق أو الصَّاحب.
وكما أن المؤمن عليه أن يتحرَّى اختيار الصديق الصالح، فإن عليه أيضًا أن يُهيئ نفسه لنفع الناس، فيألفونه ويتخذونه صديقًا؛ ففي الحديث النبوي الشريف: «الْمُؤْمِنُ مَأْلَفٌ، وَلَا خَيْرَ فِيمَنْ لَا يَأْلَفُ، وَلَا يُؤْلَفُ» رواه أحمد، وهذا تأكيدٌ آخرَ على ضرورة إدراك المؤمن لأهميَّة العلاقات الاجتماعيَّة والترابط بين الناس، والدخول في علاقات اجتماعية مبنية على أسس العطاء والمحبَّة، والنفع الخالص، وحبِّ الخير ومرضاة الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، فتلتقي الأرواح المتشابهة بعضها مع بعض، ويصل التَّعارف فيما بينها، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلَّم: «الْأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ، وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ» متفق عليه.
وهذا النُّوع من الصَّداقة الصَّالحة هو الذي يَبْقَى أثرُه في ترابط المجتمع وانتشار المحبة بين الناس وفي الحياة الآخرة؛ قال تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: 67]، أما تلك الصَّداقة الزَّائفة التي تجمع بين النَّاس في الشَّر وفعل المنكرات، فإنَّها لا تنفع صاحبها ويندم عليها يوم القيامة، كما قال الله تعالى حكاية عن أهل النَّار يوم القيامة قولهم في ندمٍ وحسرةٍ: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ ۞ وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء: 100-101].
ويحدد الإمام الماورديُّ أربعَ خصالٍ تعين على اختيار الأصدقاء:
- فالخصلة الأولى: عقلٌ موفورٌ يهدي إلى مراشد الأمور؛ فإنَّ الحُمْقَ لا تثبت معه مودة، ولا تدوم لصاحبه استقامة.
- والخصلة الثانية: الدَّيِّنُ الواقف بصاحبه على الخيرات؛ فإنَّ تارك الدين عدو لنفسه، فكيف يُرْجَى منه مودة غيره.
- والخصلة الثالثة: أن يكون محمودَ الأخلاق مَرْضِيَّ الأفعال، مُؤْثِرًا للخير آمِرًا به، كارهًا للشرِّ ناهيًا عنه، فإنَّ مودَّة الشِّرير تكسب الأعداء وتفسد الأخلاق، ولا خير في مودَّةٍ تجلب عداوة وتورث مَذَمَّة، فإنَّ المتبوعَ تابعُ صاحبِه.
- والخصلة الرابعة: أن يكون من كلِ واحدٍ منهما ميلٌ إلى صاحبه، ورغبة في مؤاخاته؛ فإنَّ ذلك أوْكَدُ لحال المؤاخاة وأَمَدُّ لأسباب المُصَافَاةِ، إذ ليس كلُّ مطلوبٍ إليه طالبًا ولا كل مرغوب إليه راغبًا، ومن طلب مودَّة ممتنعٍ عليه، ورَغِبَ إلى زاهدٍ فيه، كان مُعَنًّى خائبًا.
المصادر:
- "أدب الدنيا والدين" للإمام الماوردي (ص: 167-168).
- "عون المعبود شرح سنن أبي داود" (13/ 122، وما بعدها).
- "الصداقة" للدكتورة منى أحمد أبو زيد، ضمن "موسوعة الأخلاق" (ص:350-360، ط. المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية).

التواضع من الأخلاق الفاضلة التي تسمو بها النفس، وتصلح بها علاقات الناس، وتبعث على المحبة والتآلف بينهم. والتواضع هو: لين المعاملة، وعدم التكبر والتعالي على الناس. وقد حرص القرآن الكريم على بيان فضل التواضع، ومدح من يتحلى به؛ فقال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: 63]،


اليقين من الأخلاق التي ينبغي أن يتحلى بها المسلم، وبه يزداد المسلم قربًا من الله تعالى متوكلًا عليه زاهدًا فيما عند الناس، كما أنه يجعل صاحبه عزيز النفس، صادقًا مع الله مخلصًا في عبادته، مترفعًا عن مواطن الذلة والهوان، ومن علاماته: قلة مخالطة الناس رغبة فيهم واحتياجا إليه، وترك مدحهم عند العطاء، وترك ذمهم عند المنع، والتوكل عليه سبحانه والرجوع إليه في كل أمر. وقد ورد في السنة النبوية المطهرة ما يدعونا إلى اليقين وأن ثوابه الجنة إن شاء الله، فعن شَداد بْن


الإخلاص من القيم والأخلاق المهمة التي يؤدي افتقادها إلى بطلان العمل أو قلة بركته وضياع ثوابه، وفي خِضَمِّ مشاغل الحياة والرغبة في تأمين المعايش وموارد الرزق ينسى كثيرٌ من الناس صدق التوجه إلى الله، الخالق الرزاق القادر على كل شيء، فيعمل بعض الناس العمل من أجل إرضاء شخص له جاهٌ ويُنتظر منه جزاءً على العمل له، أو يلتزمون بشيء خوفًا من عقوبة تطالهم من سلطة أعلى منهم، لا خوفًا من الله ولا إخلاصًا في التوجه له وقصده بالعمل، وهذا شعور دقيق يتعلَّق بالنية، ويخفى على كثير


من الأخلاق الإسلامية التي يجب أن يتحلى بها المسلم ، إفشاء السلام ، والمراد نشر السلام على من عَرفتَ ومَن لم تعرف، والسَّلام من أسماء الله تعالى، والجنَّة هي دار السَّلام، وهو تحيَّة المؤمنين في الجنَّة وتحيَّة أهل الإسلام في الدُّنيا، وهو طريق المحبَّة والمودة بين المسلمين، وبه تزول العداوة والخصومة. وكان من هديه صلى الله عليه وسلم: إلقاء السلام على من يعرف ومن لم يعرف، يدل على هذا ما رواه سيدنا عَبْد اللَّهِ بْن عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ


تُعتبر قضايا الخصوصيَّة من القضايا الـملحَّة في العصر الحديث؛ بسبب التقدم التِّقَني والوسائل المستحدثة التي تعتمد على اختراق خصوصيَّة الإنسان بشكلٍ غيرِ مسبوق، للحَدِّ الذي أصبح فيه الإنسانُ في العصر الحديث كائنًا معلوماتيًّا، يتكوَّن من معلوماتٍ شتَّى تحصُل عليها وتستخدمها أطراف عديدة؛ كشركات التَّسويقِ والبنوك والاتصالات ومواقع التَّواصُلِ الاجتماعي على شبكة الإنترنت، وهو دائمًا مرصودٌ من آلاتِ تصويرٍ مثبَّتةٍ في الشوارع والميادين والمتاجر والمؤسَّسَات وغيرها، بل وصلت الأمورُ حدًّا جعل العميلَ مع مثل هذه الشركات والمستخدمَ لتلك المواقع شريكًا في كشف خصوصيَّةِ نفسه وأيضًا انتهاك خصوصيَّة الآخرين.


مَواقِيتُ الصَّـــلاة

القاهرة · 16 أكتوبر 2026 م
الفجر
5 :31
الشروق
6 :57
الظهر
12 : 40
العصر
3:56
المغرب
6 : 23
العشاء
7 :41