ما مدى اشتراط إعلام الشخص الذي وقعت عليه الغيبة عند التوبة منها؟ حيث إن هناك من يغتاب الناس، ثم يندم ويتوب إلى الله، ويسأل هل من شروط التوبة أن يتحلل ممن اغتابه، ويُعلمه ويطلب منه المسامحة؟
التوبة من الغيبة تتحقق بشروطها؛ من الندم على ما صدر من غيبة، والإقلاع عنها، والاستغفار من هذا الذنب الجسيم، والإخلاص في التوبة إلى الله عزَّ وجلَّ منه، مع العزم على عدم الرجوع إليه مرة أخرى، حتى تكون التوبة توبة نصوحًا، كما يلزم الدعاء والاستغفار لِمَن وقعت عليه الغيبة، ومحاولة ذكر محاسنه ومدحه في مواطن غيبته، ولا يلزم التحلل بإعلام مَنْ اغْتِيب؛ كما هو المختار للفتوى؛ لأن إعلامه مما يدخل الكدر والغم على قلبه، وربما أورث ضررًا وعداوة بينهما تؤدي إلى شرٍّ أكبر من الغيبة، وهذا مما يناقض مقصود الشارع في تحقق التعاطف والتراحم والمحبة بين الناس؛ إذ اعتناء الشارع بالمنهيات أشد من اعتنائه بالمأمورات، فكانت المفسدة في إعلام من اغتيب بالغيبة أعظم من التحلل منها، وقد تقرر في قواعد الشرع الشريف: "دَرْءُ الْمَفَاسِدِ أَوْلَى مِنْ جَلْبِ الْمَصَالِحِ".
المحتويات
الغيبة شرعًا هي: وصف الشخص وهو غائب عن المجلس بوصفٍ يكرهه إذا سمعه.
وبخصوص كيفية التوبة من الغيبة، وهي مما اجتمع فيه حق الله وحق العبد؛ أما حق الله: فلكون المغتاب قد فعل ما نهى الله تعالى عنه، وأما حق العبد: فلكون المغتاب قد وقع في محارم العباد.
والتوبة منها تكون بالندم عليها، والإقلاع عنها، والاستغفار من هذا الذنب الجسيم، وكذا الدعاء والاستغفار لمن اغتيب.
أما استحلال المغتاب وطلبه العفو ممن اغتيب؛ فقد اختلف العلماء في لزومه وفق اعتبار وصول الغيبة لمن اغتيب أو عدم ذلك:
فذهب الحنفية والشافعية والحنابلة في رواية أن مَن اغتيب إذا لم يعلم بالغيبة: فلا يلزم المغتاب التحلل منه، بل يكفي الاستغفار له؛ لأن إعلامه مما يدخل الغم والكدر على قلبه، وربما كان سببًا لعدم عفوه وصفحه عن المغتاب، بخلاف ما لو علم بالغيبة: لزم المغتاب التحلل ممن اغتيب.
واسْتُدِل على ذلك بما ورد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ، فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ اليَوْمَ، قَبْلَ أَنْ لَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ» أخرجه البخاري في "الصحيح".
وعَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ من كَفَّارَةِ الْغِيبَةِ أَنْ تَسْتَغْفِرَ لِمَنِ اغْتَبْتَهُ، تَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا وَلَه» أخرجه الخرائطي في "مساوئ الأخلاق"، والبيهقي في "الدعوات" واللفظ لهما، والدينوري في "المجالسة"، وله شواهد من عدة طرق.
قال علاء الدين الحصكفي الحنفي في "الدر المختار" (6/ 410، ط. دار الفكر) في أحكام الغيبة: [إذا لم تبلغه يكفيه الندم، وإلا شرط بيان كل ما اغتابه به] اهـ.
قال العلامة ابن عابدين في "رد المحتار" (6/ 410، ط. دار الفكر) محشِّيًا عليه: [(قوله وإلا شرط بيان كل ما اغتابه به): أي مع الاستغفار والتوبة، والمراد أن يبين له ذلك ويعتذر إليه ليسمح عنه بأن يبالغ في الثناء عليه والتودد إليه ويلازم ذلك حتى يطيب قلبه، وإن لم يطب قلبه كان اعتذاره وتودده حسنة يقابل بها سيئة الغيبة في الآخرة، وعليه أن يخلص في الاعتذار، وإلا فهو ذنب آخر ويحتمل أن يبقى لخصمه عليه مطالبة في الآخرة، لأنه لو علم أنه غير مخلص لما رضي به] اهـ.
وقال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري الشافعي في "أسنى المطالب" (4/ 357، ط. دار الكتاب الإسلامي): [(ويستغفر الله) تعالى (من الغيبة) إن لم يعلم صاحبها بها (فإن علم صاحبها) بها (استحل منه لا من وارثه) بعد موته. عبارة الأصل: فإن تعذر استحلاله لموته، أو تعسر لغيبته البعيدة: اسْتَغْفَرَ الله تعالى، ولا اعتبار بتحليل الورثة] اهـ.
وقال الشيخ البهوتي الحنبلي في "كشاف القناع" (6/ 115، ط. دار الكتب العلمية): [(وقيل) يشترط إعلامه (إن علم به المظلوم، وإلا دعا له واستغفر ولم يعلمه. ذكره الشيخ عن أكثر العلماء)] اهـ.
وذهب المالكية إلى وجوب التحلل ممن اغتيب سواء علم بالغيبة أو لم يعلم، ولو بالبراءة المجهول متعلقها، نحو قول المغتاب للذي اغتيب: قد اغتبتك فاجعلني في حِلٍّ دون أن يبين له ما اغتابه به.
قال شهاب الدين النفراوي المالكي في "الفواكه الدواني" (2/ 280، ط. دار الفكر): [الغيبة لها جهتان: إحداهما من حيث الإقدام عليها، والأخرى من حيث أذية المغتاب، فالأولى: تنفع فيها التوبة بمجردها، والثانية: لا بد فيها مع التوبة من طلب عفو المغتاب عن صاحبها، ولو بالبراءة المجهول متعلقها عندنا] اهـ.
وذهب الحسن البصري ومجاهد وأبو عبد الله الحناطي من الشافعية والحنابلة في الصحيح عندهم إلى: أنه لا يلزم المغتاب التحلل ممن اغتيب مطلقًا سواء علم أو لم يعلم، بل تكفي التوبة والندم والاستغفار.
قال محيي الدين النووي الشافعي في "روضة الطالبين" (8/ 221، ط. دار الكتب العلمية): [وأما الغيبة إذا لم تبلغ المغتاب، فرأيت في "فتاوى الحناطي" أنه يكفيه الندم والاستغفار وإن بلغته] اهـ.
وقال حجة الإسلام الغزالي الشافعي في "إحياء علوم الدين" (3/ 153، ط. دار المعرفة): [اعلم أن الواجب على المغتاب أن يندم ويتوب ويتأسف على ما فعله ليخرج به من حق الله سبحانه، ثم يستحل المغتاب ليحله فيخرج من مظلمته.. وقال الحسن: يكفيه الاستغفار دون الاستحلال، وربما استدل في ذلك بما روى أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «كَفَّارَةُ مَن اغْتَبْتَه أَن تَسْتَغْفِرَ لَهُ» وقال مجاهد: كفارة أكلك لحم أخيك أن تثني عليه وتدعو له بخير] اهـ.
وقال علاء الدين المرداوي الحنبلي في "الإنصاف" (10/ 225، ط. دار إحياء التراث العربي): [لا يشترط لصحة توبة من قذف وغيبته ونحوهما: إعلامه، والتحلل منه على الصحيح من المذهب] اهـ.
الذي نختاره للفتوى وعليه العمل: أنه لا يشترط لصحة التوبة من الغيبة تحلل المغتاب ممن اغتيب؛ كما هو مذهب الحسن البصري، ومجاهد، وأبو عبد الله الحناطي من الشافعية والحنابلة في صحيح مذهبهم، واختاره الشيخ ابن تيمية؛ لأن إعلامه مما يدخل الكدر والغم على قلبه، وربما أورث ضررًا وعداوة بينهما تولد شرًّا أكبر من الغيبة، وهذا مما يناقض مقصود الشارع في تحقق التعاطف والتراحم والمحبة بين الناس؛ إذ اعتناء الشارع بالمنهيات أشد من اعتنائه بالمأمورات، فكانت المفسدة في إعلام من اغتيب بالغيبة أعظم من التحلل منها، وقد تقرر في قواعد الشرع الشريف: "دَرْءُ الْمَفَاسِدِ أَوْلَى مِنْ جَلْبِ الْمَصَالِحِ"؛ كما في "الأشباه والنظائر" للحافظ السيوطي (ص: 87، ط. دار الكتب العلمية).
قال الشيخ البهوتي في "كشاف القناع" (6/ 115): [وقال) الشيخ -يعني: ابن تيمية- (وعلى الصحيح من الروايتين: لا يجب الاعتراف) للمظلوم] اهـ.
بناء على ذلك وفي واقعة السؤال: فإن التوبة من الغيبة تتحقق بشروطها؛ من الندم على ما صدر من غيبة، والإقلاع عنها، والاستغفار من هذا الذنب الجسيم، والإخلاص في التوبة إلى الله عزَّ وجلَّ منه، مع العزم على عدم الرجوع إليه مرة أخرى، حتى تكون التوبة توبة نصوحًا، كما يلزم الدعاء والاستغفار لِمَن وقعت عليه الغيبة، ومحاولة ذكر محاسنه ومدحه في مواطن غيبته، ولا يلزم التحلل بإعلام مَنْ اغْتِيب؛ كما هو المختار للفتوى؛ لعظم المفسدة في إخباره كما سبق بيانه.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
نرجو منكم بيان الحكم في جلوس الخاطب مع مخطوبته منفردين؟ وهل تُعدُّ المخطوبة زوجةً شرعًا فيجوز للخاطب تقبيلها؟
سائل يسأل عن مدى اهتمام الإسلام بالتعليم؟ وهل يجب على الأب أن يقوم بتعليم أبنائه؟ وما حكم الشرع في إهمال تعليم الأبناء وتسريحهم من المدارس؟
ما حكم معيشة ولد الزوج مع زوجة أبيه إذا كان يؤذيها؟ فقد توفي زوجي إلى رحمة الله، وهذا الزوج له ابن أتم تعليمه وبلغ سن الرشد، وكان والده قد أوصى بأنه عندما يتم تعليمه ينتقل لشقته حتى لا يكون مصدر خطر دائم، وكان يعيش معي في شقة الزوجية حال حياة والده، واستمر ذلك بعد وفاته إلى أن أتم تعليمه وبلغ سن الرشد، وحفاظًا مني على المودة والرحمة بالولد وبأسرة زوجي فقد عملت على خدمة هذا الولد بكل ما أستطيع، إلا أن هذا الولد فاسق بكل المعايير ويقوم بتوجيه ألفاظ نابية إليَّ، وحيائي يمنعني من ذكرها، وهي ألفاظ يندى لها الجبين لا تأتي إلا من مختل عقليًّا، علمًا بأنني أتلو كتاب الله دائمًا وأتدبر معانيه العظيمة، وحافظة جدًّا لحدود الله، وهذا الولد لا يقرأ القرآن ولا يستمع إليه، وحالته هذه كما كانت أيام حياة أبيه، وحاول الأب حال حياته بكل الأساليب التربوية أن يصلح من شأنه إلا أن الولد ظل كما هو حتى توفي والده، والآن أنا أواجَه بسوء سلوكه وعدم احترامه لي، وكان دائم الإساءة لفظًا وضربًا للشغالة وهي خرساء صماء، وخشية عليها وحتى لا تقع كارثة في بيتنا اضطررت أن أسلمها إلى أهلها، وأنا لا أرغب في العداء بحكم أنه نجل زوجي. فماذا أفعل وهو يرفض ترك شقة الزوجية -علمًا بأنها ملك لي- ومقيم معي بطريق البلطجة؟
ما حكم سداد ورثة الكفيل الدَّين المؤجل على الميت بالكفالة بمجرد وفاته؟ فإن رجلًا ضَمِنَ أخاه في سداد دَينٍ مؤجَّل، إلا أنَّه (الكفيل) توفاه الله قبل حلول موعد سداد الدَّين على أخيه (المدين) بخمسة أشهر، فهل يجب على ورثته سداد ذلك الدَّين من التركة بمجرد وفاته؟ علمًا بأن أخاه مُقِرٌّ بالدَّين وعازِمٌ على سداده في موعده بعد الأشهر الخمسة.
ما حكم إذاعة صلاة التراويح من المساجد بصوت مرتفع وبسماعات خارج المسجد بأصوات مرتفعة ممَّا يُؤثّر على المرضى وكبار السن؟
ما حكم رفع الصوت في مسجد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم دون قصد؟ فقد وقف بعضنا عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عند الرأس الشريف يسأله أن يدعو له مشتغلًا بالصلاة والسلام عليه متوسلًا به في حق نفسه مستشفعًا به إلى ربه، وبينا هو في ورد صلاةٍ عليه جاءه بعض العسكر فأمروه بالانصراف، فأبى إذ كان موقفه متأخرًا مبعدًا عن الطريق ليس فيه من إيذاء ولا تضييق على أحد، فجذبوه بالعنف حتى كادوا أن يمزقوا ثيابه وهو يقول نحوًا من: دعني، اتركني يا هذا، أنا مشتغلٌ بالصلاة على رسول الله، أنا في حمى رسول الله، ولم يجاوز نحو هذه الألفاظ، ثم تذكر أنه قد رفع صوته ببعضها دون أن يشعر مع شدة وطأة العسكر عليه رغم حرصه على ألا يرفع صوته هناك بشيء. فهل ترونه قد حبط عمله وضاعت حجته وزيارته، أم ترانا نسمع منكم ما يبشره ويسلي الله به قلبه ويفرج كربه؟ علمًا بأنه قد رأى بعدها في المنام أنه قد أصبح الإمام الراتب لمسجد رسول الله وبعض الناس يتربصون به، علمًا بأنه قصد موقفه الأول بعد ذلك مستخفيًا في الناس متنكرًا حتى لا تراه العسكر، فرأوه فجاءوا إليه مغمومين يطلبون العفو والسماح.