ما مدى حق المشتري في رد السلعة المعيبة إذا كان العيب قديما ولا يعلم به البائع؟ فهناك رجلٌ يعمل في مجال بيع السيارات المستعملة، واشترى سيارة مستعملة، ثم باعها، وبعد مُدَّة قصيرة جاء المشتري مُخْبِرًا أنه وَجَد في السيارة عيبًا قديمًا يُنْقِص مِن ثمنها الذي اشتراها به، ويريد أن يَرُدَّ هذه السيارة فور علمه بالعيب، علمًا بأنَّ هذا الرجل (البائع) لم يكن على علمٍ بهذا العيب عند البيع، والسؤال: هل يجوز للمشتري أن يردَّ هذه السيارة؟
للمشتري في هذه الحالة الخيارُ في أنْ يَرُدَّ السيارة المَعِيبَة فَوْرَ عِلمِه بالعيبِ ما دام البائعُ لم يشترط البراءةَ مِن العيوب، وكان العيبُ سابقًا على الشراء ويُنقِص مِن ثمنها الذي اشتراها به، حتى ولو لَم يكن البائعُ على علمٍ بالعيب عند البيع، وله أيضًا أنْ يُبقِيَها ويأخذَ مِن البائع عِوضَ النَّقْصِ بسبب العيب، وذلك حسبما يتفقان عليه ويتراضيان، فإن اختَلَفَا فمردُّ الفصل بينهما في ذلك إلى القضاء.
المحتويات
الأصلُ في عَقْدِ البيعِ التراضي بين المتبايعين؛ لقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 29]، وقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّمَا الْبَيْعُ عَنْ تَرَاضٍ» أخرجه الإمامان: ابن حبَّان في "صحيحه"، وابن ماجه في "سننه"، وصحَّحه الحافظُ شهاب الدين البُوصِيرِي في "مصباح الزجاجة".
لَمَّا كان رضا المشتري بالسلعة يتوقف على سلامتها من العيوب، فإنه إذا وَجَد في السلعة التي اشتراها عيبًا قد حَدَثَ قَبْل قَبْضه لها، ولم يشترط البائعُ لنفسه البراءةَ من العيوب، وكان هذا المشتري غيرَ عالم بالعيب عند العقد، ثم بادر بالرد فور علمه بالعيب -فيَثبُت له حينئذٍ الحقُّ في ردِّ السلعة المَبِيعَة بالعيب إذا كان هذا العيبُ مُنقِصًا للقيمة أو مُفَوِّتًا غرضًا صحيحًا في الانتفاع بها. ينظر: "تكملة الإمام تقي الدين السُّبْكِي على المجموع" (12/ 123، ط. وزارة التضامن).
ويَثبُت هذا الخيار للمشتري أيضًا حتى ولو لم يكن البائع على علمٍ بهذا العيب عند البيع؛ وذلك لأن الخيار إنما يَثبُت لدفع الضرر عن المشتري، وجهلُ البائع بالعيب لا ينفي ذلك الضرر ولا يَدْفَعُه.
ثم إنَّ العيبَ لا يَعْتَرِفُ أحدٌ بعلمه غالبًا، فإذا اعتبرنا دعوى البائع وفق ذلك تضرر المشتري، ومِن المقرر في قواعد الفقه أنَّ "الضرر يزال"، كما في "الأشباه والنظائر" للإمام تاج الدين السُّبْكِي (1/ 12، ط. دار الكتب العلمية).
ولأنَّ غرضَ المشتري مِن المبيع يتمثل في الانتفاع الكامل به، وهذا الانتفاع الكامل لا يتحقق على الوجه المطلوب إلا بسلامة المبيع مِن العيب، فإذا لم يثبت الخيار للمشتري يتضرر بلُزوم ما لا يرضى به.
قال الإمام علاء الدين الكَاسَانِي الحنفي في "بدائع الصنائع" (5/ 274، ط. دار الكتب العلمية): [(وأما) تفسير العيب الذي يوجب الخيار، وتفصيل المفسر، فكلُّ ما يوجب نُقصان الثمن في عادة التجار نقصانًا فاحشًا أو يسيرًا، فهو عيبٌ يوجب الخيار، وما لا فلا] اهـ.
وجاء في "المدونة" للإمام مالك (3/ 348، ط. دار الكتب العلمية): [قال ابن القاسم: وإنما بَيعُ الناس على الصحة، فمَن دَلَّسَ رُدَّ عليه ما دَلَّس، وما جَهِلَ البائعُ مِن ذلك فهو على بيع الصحة، إلا أنْ تَقُومَ البيِّنةُ للمشتري أنَّ ذلك العيبَ كان عند البائع، فيرده عليه وإن لم يَعلم البائعُ بذلك العيب] اهـ.
وقال الإمام الخَرَشِي المالكي في "شرحه على مختصر خليل" (5/ 131، ط. دار الفكر): [وتارة لا يُدَلِّس فيه البائعُ بأن لا يُعْلِمَهُ بالفعل، وفي هذا للمشتري التَّمَسُّكُ به أو الرَّدُّ] اهـ.
وقال الإمام شهاب الدين ابن حَجَر الهَيْتَمِي الشافعي في "تحفة المحتاج" (4/ 389، ط. المكتبة التجارية الكبرى): [الخيارُ بالعيب لا فَرْقَ فيه بين عِلْمِ البائع به وعدمه] اهـ.
وقال الإمام موفَّق الدين ابن قُدَامَة الحنبلي في "المغني" (6/ 225، ط. عالم الكتب): [متى عَلِمَ بالمبيع عيبًا لم يكن عالمًا به، فله الخيار بين الإمساك والفسخ، سواء كان البائعُ عَلِمَ العيبَ وكَتَمَهُ، أو لَمْ يَعْلَمْ، لا نَعلم بين أهل العِلم في هذا خلافًا] اهـ.
وقال الإمام أبو السعادات البُهُوتِي الحنبلي في "كشاف القناع" (7/ 446، ط. وزارة العدل السعودية): [(فصلٌ فيمَن اشترى معيبًا لم يعلم) حالَ العقد (عيبه، ثم علم بعيبه) فله الخيار، سواء (علم البائع بعيبه فكتمه) عن المشتري (أو لم يعلم) البائع بعيبه] اهـ.
وعلى ذلك جاء القانون المدني المصري رقم 131 لسَنَة 1948م، حيث نصت الفقرة الأولى مِن المادة رقم (447) منه على أنه: [يكون البائع ملزمًا بالضمان إذا لم يتوافر في المبيع وقت التسليم الصفاتُ التي كَفَلَ للمشتري وجودَها فيه، أو إذا كان بالمبيع عيبٌ ينقص مِن قيمته أو نَفْعه بحسب الغاية المقصودة مستفادةً مما هو مبيَّن في العقد، أو مما هو ظاهرٌ مِن طبيعة الشيء، أو الغرض الذي أُعِدَّ له، ويَضمن البائعُ هذا العيبَ ولو لم يكن عالِمًا بوجوده] اهـ.
فإن اتفق البائعُ مع المشتري وتَرَاضَيَا على ردِّ المَبِيع وأَخْذِ كاملِ ثمنه، أو إبقائه دون أَخْذ المشتري قيمةَ النقص مِن البائع بسبب العيب الحاصل فيه، أو إبقائه مع أَخْذه قيمةَ هذا النقص، كان لهما ذلك باتفاق أئمة المذاهب الأربعة، وهذا مقامُ الفَضْل والتراضي.
وأما مقامُ العَدْل فإنهما إذا لم يَتَّفِقَا ويتراضَيَا على شيءٍ مِن ذلك كان للمشتري الخيارُ في أخْذ المَبِيع بجميع الثمن، أو رَدِّهِ إلى البائع دون أخْذ قيمة النقص ما دام رَدُّ المَبِيع على الحال التي استلمه المشتري عليها ممكنًا، وهذا ما عليه جمهور الفقهاء مِن الحنفية والمالكية والشافعية -على تفصيلٍ بينهم في ذلك-، وهو أيضًا روايةٌ عن الإمام أحمد، خلافًا للحنابلة في المعتمد إذ أثبَتُوا للمشتري الخيارَ في أن يَرُدَّ المَبِيعَ إلى البائع، أو يُبقِيَ عليه ويطالِبَ البائعَ بالعِوض عن النَّقْص الحاصل فيه بسبب العيب، سواء تَعَذَّر رَدُّه أو لَمْ يَتَعَذَّر، وهذا هو المختار للفتوى؛ لأنَّ كلَّ جُزءٍ من الثمن الذي دفعه المشتري يُقابله جُزء مِن المبيع، ومع ظهور العيب في المبيع فقد فات جُزءٌ منه، ومن ثَمَّ فيجوز للمشتري أن يَرْجِع على البائع بِبَدَلِ هذا الجزء الفائت مِن المبيع، وهو ما عبَّر عنه الفقهاء بـ"أرش العيب"، ومعناه: أن يُقَوَّمَ المَبِيعُ صحيحًا، ثم يُقَوَّم مَعِيبًا، ويأخذُ المشتري فَرْقَ ما بينهما. ينظر: "الاختيار لتعليل المختار" للإمام عبد الله ابن مَوْدُود المَوْصِلِي الحنفي (2/ 18-20، ط. مطبعة الحلبي)، و"بداية المجتهد" للإمام أبي الوليد ابن رُشْد الحفيد المالكي (3/ 195-196، ط. دار الحديث)، و"المهذب" للإمام أبي إسحاق الشِّيرَازِي الشافعي (2/ 52، ط. دار الكتب العلمية)، و"المغني" للإمام موفق الدين ابن قُدَامَة الحنبلي (6/ 229)، و"الإنصاف" للإمام علاء الدين المَرْدَاوي الحنبلي (11/ 375-376، ط. دار هجر)، و"كشاف القناع" للإمام أبي السعادات البُهُوتِي الحنبلي (7/ 447).
وبنحو ذلك جاءت المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي للقانون المدني المصري عند توضيح الفقرة الأولى مِن المادة رقم (447). ينظر: "الوسيط في شرح القانون المدني" للعلَّامة عبد الرزاق السَّنْهُورِي (4/ 740، ط. دار إحياء التراث العربي).
بناءً على ذلك وفي واقعة السؤال: فللمشتري الخيارُ في أنْ يَرُدَّ السيارة المَعِيبَة فَوْرَ عِلمِه بالعيبِ ما دام البائعُ لم يشترط البراءةَ مِن العيوب، وكان العيبُ سابقًا على الشراء ويُنقِص مِن ثمنها الذي اشتراها به، حتى ولو لَم يكن البائعُ على علمٍ بالعيب عند البيع، وله أيضًا أنْ يُبقِيَها ويأخذَ مِن البائع عِوضَ النَّقْصِ بسبب العيب، وذلك حسبما يتفقان عليه ويتراضيان، فإن اختَلَفَا فمردُّ الفصل بينهما في ذلك إلى القضاء.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
ما حكم الشراكة بين شخصين أحدهما بالمال والآخر بمنصبه الوظيفي ونفوذه؟ فهناك رجلٌ ذو مال يَتَّجِرُ في مواد البناء، ويريد إبرام اتفاقِ شراكةٍ مع صَاحبٍ لا مال له، غير أن هذا الصاحب ذو مَنْصِبٍ وظيفيٍّ ومكانةٍ ونفوذ، مما يُمكِّنه مِن تسهيل وتيسير الصفقات وإسنادها بيعًا وشراءً، بالآجل أو نقدًا، في حين أن التاجر صاحب المال هو مَن يقوم بالتعاقد مع الجهات (بنفوذ هذا الصاحب ومَنصِبِه الوظيفي) ودفع الأثمان (لأجَلٍ كانت أو حالَّةً)، وما ينشأ بعد ذلك مِن مصاريفٍ ونحوها، وعلى هذا الاتفاق تكون الشراكةُ مِن أحدهما بالمال، ومِن الثاني بالمَنصِب الوظيفي والنفوذ وما يترتب على ذلك مِن تسهيل الصفقات وإسنادها إلى الأول (التاجر)، ثم بعد البيع وخصم المصروفات تقسم الأرباح بين الشريكين بالتساوي، فما الحكم في ذلك شرعًا؟
ما حكم صناعة أو بيع أو إجارة ما يكون له استعمالان: استعمال مباح واستعمال محرم من السلع والأشياء؟ وهل يأثم من يقوم بهذا الفعل؟
ما حكم البيع لشخص ماله من حرام؟ فأنا مُوَرِّد إسمنت، وهناك من التجار مَن يريد أن أورِّد له، ولكني علمت أن ماله ليس طاهرًا؛ لأنه يتعامل بالربا مع الناس، فهل يجوز لي أن أورد له؟
ما حكم أخذ ما تركه المستأجر بعد انتهاء عقد الإجارة ومغادرة المكان؟ فهناك إحدى الشركات استأجرَت قطعةَ أرضٍ كمخزنٍ للمعدات والمؤن، وبعد انتهاء مدة الإجارة انصرفت الشركة وغادرت المكان، لكنها تركت بعض الأدوات، ومَضَت مدةٌ ولَمْ تَطلُبها، فهل يجوز لصاحب الأرض أن يأخذها لنفسه؟
ما حكم توريد حديد التسليح مع تحمل المشتري تكاليف تعطيل رأس المال في حال رده؟ فنحن شركة تعمل في تجارة حديد التسليح، ولذلك وضعنا نظامًا وبنودًا للتعامل بيننا وبين الجهة الطالبة لكمية حديد التسليح، مفاده: أنْ تبيع شركتنا الحديد للعميل (المشتري)، وتسلمه الكمية المتفق عليها، على أن ما يدفعه العميل (المشتري) من أموال هو ثمن لما يقابله من الحديد فقط، وباقي الكمية التي لا يدفع ثمنها حال التعاقد -لا تعتبر نهائية البيع، وإنما هي في حوزة العميل (المشتري) بصفة أمانة مستردة طرفه، حتى يتم سداد قيمتها كاملة في مواعيد استحقاقها، وعند عدم الرغبة في الشراء وإرجاع ما عنده من حديد يتحمل تكلفة عطلة رأس المال.
واحتساب عطلة رأس المال التي يتحملها المشتري حال عدم الرغبة في شراء ما تبقى عنده من الحديد -تكون على حسب كافة المصاريف من فوائد البنوك وجميع أجرة من يعمل في توصيل كمية الحديد من المنتج حتى موقع العميل (أكثر من 120 عاملًا لدى المورد بالإضافة للمخازن التي بها جميع الأوناش وكافة الأجهزة على أعلى مستوى) والمصروفات الأخرى بالإضافة لاحتساب ما تم على تشكيل الحديد حسب طلب العميل قبل إرسال الكمية، وهذا المبلغ حسب الحسابات السابقة يقدر بمبلغ 30 إلى 40 جنيهًا للطن الواحد في اليوم.
فهل يوجد مانع شرعي مِن هذه الصورة التعاقدية؟
ما حكم عمل منصة إلكترونية للترويج للسلع وبيعها؟ حيث تقوم شركة متخصصة بتصميم المنصات الإلكترونية بعمل منصة تجارة إلكترونية مخصصة لعرض المنتجات وبيعها لإحدى الشركات التي أطلقت سوقًا إلكترونيًّا خاصًّا بها، مع الاتفاق على التزام الشركة بتقديم التكنولوجيا اللازمة لتطوير وتشغيل المنصة كما يتراءى للعميل، ولا يتعدى دور الشركة القيام بالجانب التقني، المتضمن: تصميم البنية البرمجية، وواجهة الاستخدام، وأدوات إدارة المحتوى، ونظام المعاملات الإلكترونية، ثم عمل التطوير والتعديل البرمجي اللازم لاحقًا بحسب ما يتراءى للعميل، من دون علم منها بطبيعة هذه المنتجات.
وهذه المنصة لا يعدو دورُها دورَ الواجهة التي يعرض عليها آلاف البائعين منتجاتهم وبضائعهم، وقد وُجد أن عددًا قليلًا منهم يعرض على القسم الخاص به من المنصة منتجات محرَّمة، وليس لشركة البرمجيات أي سلطة على اختيار المنتجات المعروضة أو إدارتها، أو أي مشاركة في عمليات الشحن والتخزين ونحوها، ولا يتعدَّى دورُها تطويرَ البرمجيات بشكل مستمر بناءً على طلب العميل، وتسليمها في مواعيدها المتفق عليها، وتقديم الدعم الفني للمنصة التقنية بما يضمن تشغيل النظام بشكل سلس، وحل أي مشكلات تقنية طارئة، فهل هناك أي مخالفة شرعية فيما تقوم به الشركة من أعمال في هذا الخصوص؟