ما حكم التشارك في الطعام والشراب في إناء واحد؟ فنحن مجموعة من الشباب خرجنا معًا في رحلة، وجلسنا في استراحة الطريق لنتناول الغداء، فكنا نأكل في طبق واحد، ونتناوب زجاجة الماء نشرب منها جميعًا، فأَنِف أحدنا من هذا الفعل، وأنكر علينا إنكارًا شديدًا بحجة أنه قد تنتقل بسبب ذلك الأمراض، فرد عليه أحد الزملاء بأن ما نقوم به من التشارك في إناء الطعام والشراب سنة نبوية، فلا يجوز أن تنكر علينا ذلك، فما صحة هذا الكلام؟
التشارك في إناء الطعام أمر جائز شرعًا، بشرط ألَّا يؤدي ذلك إلى وقوع ضرر على صحة الإنسان، ويجوز لمن تعف نفسه عن أن يشاركه أحد في الإناء، أو لكونه يأخذ بالمعايير الصحية التي تحذر من انتقال العدوى بسبب ذلك في وقت انتشار الأمراض والأوبئة -أن يستقل بإناء خاص به، ويجلس مع باقي زملائه متى أمكنه ذلك، وبذلك يكون قد حصَّل ثواب الاجتماع على الطعام والشراب، وإن ترتب على التشارك ضرر صحي به أو بغيره ممن يشاركهم وجب الانفراد دفعًا ودرءًا للضرر.
المحتويات
جاء الشرع الشريف ليرقى بسلوك الفرد والمجتمع إلى الجمال والكمال، فقد روي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ» قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً، قَالَ: «إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ» أخرجه مسلم.
قال الأَصْبَهَاني في "الترغيب والترهيب" (3/ 206، ط. دار الحديث) مشيرًا إلى أحد أوجه الجمال: [وقوله: «يُحِبُّ الْجَمَالَ» أي: النظافة] اهـ.
فإذا كانت النظافة التي هي إحدى أوجه الجمال مطلوبة شرعًا في المكان والأبدان والثياب، فإنها تكون في الطعام والشراب كذلك، فشأن المؤمنين أن يكون طعامهم طيبًا نظيفًا، يقول تعالى -في شأن أهل الكهف-: ﴿فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ﴾ [الكهف: 19].
قال الإمام النَّسَفِي في "مدارك التنزيل وحقائق التأويل" (2/ 292، ط. دار الكلم الطيب): [﴿أَزْكَى﴾: أحل وأطيب..] اهـ.
التشارك في إناء الطعام أو الشراب أمر جائزٌ شرعًا، فقد مرَّ أبو هريرة رضي الله عنه على جمعٍ من أهل الصُّفَّة فسقاهم لبنًا من قدحٍ واحد بأمرٍ من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بل شرب نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم الفضلة آخرهم، كما في "صحيح البخاري".
فقد تشارك النبي صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة الكرام في نفس الإناء، مما يدل على مشروعية ذلك.
هذا الجواز مشروطٌ بوجوب مراعاة مشاعر المتشاركين في الإناء الواحد، فلا يجوز شرعًا أن يرتكب الشخص ما يتأذى منه الناس خلال الطعام والشراب، فقد أخرج الإمام البخاري في "صحيحه" عن عمر بن أبي سلمة رضي الله عنهما قال: كُنْت غُلَامًا فِي حِجْرِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم وَكَانَتْ يَدِي تَطِيشُ فِي الصَّحْفَةِ، فقال لِي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يَا غُلَامُ: سَمِّ اللَّهَ، وَكُلْ بِيَمِينِك، وَكُلْ مِمَّا يَلِيك» فَمَا زَالَتْ تِلْكَ طِعْمَتِي بَعْدُ.
وأخرج أيضًا في "صحيحه" في كتاب: الأطعمة، باب: مَنْ تَتَبَّعَ حَوَالَيِ القَصْعَةِ مَعَ صَاحِبِهِ إِذَا لَمْ يَعْرِفْ مِنْهُ كَرَاهِيَةً- بسنده عن أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: إِنَّ خَيَّاطًا دَعَا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لِطَعَامٍ صَنَعَهُ، قال أنس: فذهبت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فَرَأَيْتُهُ «يَتَتَبَّعُ الدُّبَّاءَ مِنْ حَوَالَيِ القَصْعَةِ»، قال: فَلَمْ أَزَلْ أُحِبُّ الدُّبَّاءَ مِنْ يَوْمِئِذٍ.
قال الإمام ابن حجر -عند شرحه للحديثين المذكورين- في "فتح الباري" (9/ 523-524، ط. دار المعرفة): [وقوله: «كُلْ مِمَّا يَلِيكَ»: محله ما إذا كان الطعام نوعًا واحدًا؛ لأن كل أحد كالحائز لما يليه من الطعام، فأخذ الغير له تعدٍّ عليه، مع ما فيه من تقذر النفس مما خاضت فيه الأيدي، ولما فيه من إظهار الحرص والنهم، وهو مع ذلك سوء أدب بغير فائدة، أما إذا اختلفت الأنواع فقد أباح ذلك العلماء... قوله: «إذا لم يعرف منه كراهية» ذكر فيه حديث أنس في تتبع النبي صلى الله عليه وآله وسلم الدباء من الصحفة، وهذا ظاهره يعارض الذي قبله في الأمر بالأكل مما يليه، فجمع البخاري بينهما يحمل الجواز على ما إذا عَلِمَ رضا من يأكل معه] اهـ.
أما في حالة عياف النفس ذلك التشارك وعدم قبوله، فيجوز للإنسان حينئذٍ أن ينفرد بإناء خاص به، ويشارك الآخرين في الجلوس معهم وقت الطعام والشراب متى أمكن ذلك، فيأخذ بذلك أجر وثواب الاجتماع على الطعام والشراب دون أن يشاركه أحد في إنائه الخاص به، وقد يجب الانفراد حالة خوف انتقال العدوى من شخص مريض لآخر غير مريض بسبب ذلك التشارك، خاصة إذا أخبره الطبيب بذلك، فمما أمر به الشرع الشريف في الوقاية والحفاظ على صحة الإنسان ما أخرجه الإمام مسلم في "صحيحه" عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لَا يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ».
قال الإمام النووي في "شرح صحيح مسلم" (14/ 213- 214، ط. دار إحياء التراث العربي): [أما حديث: «لا يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ» فأرشد فيه إلى مجانبة ما يحصل الضرر عنده في العادة بفعل الله تعالى وقَدَره] اهـ.
ومن باب الحفاظ على صحة الإنسان وردت عدة نصوص تفيد الاحتراز من أي ممارسة في الطعام والشراب قد تؤدي إلى وقوع ضرر بصحة الإنسان، وذلك نحو التنفس في الإناء، فعن أبي قتادة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إِذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَتَنَفَّسْ فِي الإِنَاءِ، وَإِذَا بَالَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَمْسَحْ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ، وَإِذَا تَمَسَّحَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَتَمَسَّحْ بِيَمِينِهِ» أخرجه الإمام البخاري في "صحيحه".
بناءً على ذلك وفي واقعة السؤال: فإن التشارك في إناء الطعام أمر جائز شرعًا، بشرط ألَّا يؤدي ذلك إلى وقوع ضرر على صحة الإنسان، ويجوز لمن تعف نفسه عن أن يشاركه أحد في الإناء، أو لكونه يأخذ بالمعايير الصحية التي تحذر من انتقال العدوى بسبب ذلك في وقت انتشار الأمراض والأوبئة -أن يستقل بإناء خاص به، ويجلس مع باقي زملائه متى أمكنه ذلك، وبذلك يكون قد حصَّل ثواب الاجتماع على الطعام والشراب، وإن ترتب على التشارك ضرر صحي به أو بغيره ممن يشاركهم وجب الانفراد دفعًا ودرءًا للضرر.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
هل يجوز ذبح الغزال واستخدام لحمه للاستهلاك الآدمي؟
ما حكم الشرع في لون يُستخدم في الطعام اسمه Red 40 وهو يستخرج من قشرة حشرة لونها أحمر، ويتم تذويب القشرة لاستخراج اللون الأحمر لاستخدامه في العديد من الحلوى مثل M & MS. هل يجوز أكل اللون؟
سائل يقول: سمعت أنَّ المذهب الحنفيّ يقول بعدم سنيّة العقيقة، فهل هذا صحيح؟ وأرجو بيان مذاهب الفقهاء المتبوعين في العقيقة.
ما حكم تحويل سقيا الماء المشترك؛ حيث سأل رجل فيما إذا كان لرجلٍ دارٌ جاريةٌ في ملكه لا ينازعه فيها أحد، وليس فيها شائبة وقف، يجري الماء من نهر عام في جدول خاص بتلك الدار إلى فسقية فيها، فيأخذ منه كفايته، وما فضل يجري إلى مسجد لصيق لها، يريد الرجل المذكور أن ينقل هذا الماء إلى محل آخر من داره ولو أكبر من الفسقية يكون أقرب إلى المسجد المذكور، فهل له ذلك؟ أفيدوا الجواب ولكم الثواب.
سائل يسأل عن حكم تحنيك المولود، وهل هو واجب؟
هل يجوز للشركة علاج بعض العاملين بها من زكاة المال المفروضة عليها شرعًا؟ علمًا بأن العاملين مُؤَمَّن عليهم تأمينًا صحيًّا، ولكن أحيانًا يتم إخطارنا بأنَّ ظروف العامل أو الموظف لا تسمح بعلاجه على نفقته، وأنَّ التأمين الصحي لا يقوم بالخدمات الطبية الكافية.