حكم مضغ الطعام بصوت مسموع - الفتاوى - دار الإفتاء المصرية - دار الإفتاء

حكم مضغ الطعام بصوت مسموع

حكم مضغ الطعام بصوت مسموع

ما حكم مضغ الطعام بصوت مسموع؟ فألاحظ في كثير من الأحيان أن بعض المسلمين العرب يُخرِجون صوتًا عند مضغ الطعام، وكذلك يتحدثون وأفواههم مليئة بالطعام. أريد إجابة مفصلة من فضلك في هذا الموضوع. بارك الله فيكم.

الشريعة الإسلامية شريعة متكاملة جاءت لسعادة الدارين، وشرع الله تعاليم الإسلام وأحكامه وآدابه لينظم للإنسان كل شئون حياته -من العبادة، والمأكل والمشرب والملبس، ومواكبة الحضارة، والتعلم والتعليم-، ويرتقي بسلوك الفرد والمجتمع في ذلك كله؛ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّ اللهَ بَعَثَنِي بِتَمَامِ مكارمِ الْأَخْلَاقِ، وكَمَالِ مَحَاسِنِ الْأَفْعَالِ» أخرجه الطبراني في "الأوسط".

ومن الآداب التي اهتمت بها الشريعة: آداب الطعام والشراب؛ فعقد المحدِّثون في كتب السنة الأبواب والفصول لها، وأفرد بعضهم كتبًا لرواية السنن الواردة فيها؛ كابن حنبل وابن أبي عاصم النبيل في كتابيهما في "الأشربة"، والدارمي وابن أبي عاصم في كتابيهما في "الأطعمة"، وتكلم الفقهاء عن هذه الآداب في كتب الفقه واستفاضوا في تقريرها وأفردوا لها أبوابًا وفصولًا، وصنف بعضهم في أحكامها وآدابها استقلالًا؛ من ذلك "آداب الأكل" للأقفهسي، و"آداب المواكلة" لأبي البركات الغزي، والذي ذكر فيه واحدًا وثمانين عيبًا مِن جملة العيوب التي مَن علمها كان خبيرًا بآداب المؤاكلة، وهذا يدل على عناية الشريعة الإسلامية بهذا الجانب من الآداب في الإسلام، وحرصها على أن يتكمل الإنسان بالمحاسن ويتجمل بالذوق الرفيع ويظهر بالمظهر اللائق في طعامه وشرابه؛ ابتداءً وانتهاءً، واكتسابًا واختيارًا، وتنظيمًا وتناولًا.

ومن السلوكيات التي نهت عنها وأرشد الفقهاء إلى التنزه عنها وأنها لا تليق بالآداب العامة والذوق الرفيع: إحداث صوت أثناء المضغ والشرب، ووردت النصوص المتكاثرة من الكتاب والسنة بالنهي عن التشبه بالحيوانات في طبائعها المذمومة كالشره والجشع والنهم عند الأكل والشرب؛ منها قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لَا تَشْرَبُوا وَاحِدًا كَشُرْبِ البَعِيرِ، وَلَكِن اشْرَبُوا مَثْنَى وَثُلَاثَ، وَسَمُّوا إِذَا أَنْتُمْ شَرِبْتُمْ، وَاحْمَدُوا إِذَا أَنْتُمْ رَفَعْتُمْ»، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «إِذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَمَصَّ مَصًّا، وَلَا يَعُبَّ عَبًّا، فَإِنَّ الْكُبَادَ مِنَ الْعَبِّ». والعَبُّ: شُرْبُ الماء من غير مَصٍّ، وعَبَّتِ الدَّلْوُ: إذا صوَّتَتْ عند غَرْف الماء. والكُبَادُ: وجعُ الكبد. والمقصود من هذا التوجيه النبوي: الإرشاد إلى التروي في الشرب شيئًا فشيئًا، لا أن يُجرَعَ جرعًا كما تفعل الدوابُّ مُحدِثةً صوتًا عنده، مع ما في ذلك مِن ضرر على الشارب، وحصول الضيق لِمَن حوله، وقد تقرر في الإسلام أنه "لا ضرر ولا ضرار".
ونص العلماء أيضًا على أن من الصفات المذمومة عند الأكل: التكلم في حال مضغ الطعام، وإحداث صوت لأشداقه وفمه عند المضغ والبلع، وعدُّوا ذلك من العيوب التي ينبغي على الآكل تَوَقِّيها والبعد عنها، وسمَّوا الأول "مُبَعْبِعًا"، والثانيَ "مُفَرْقعًا" و"رَشَّافًا"؛ قال العلامة ابن الملقن: "ولا يجعل اللقمة في فمه يَرشُفُها ويُسمَع لها حسٌّ".

من هذا البيان المجمل نقول: إن ما يحدثه بعض الناس من صوت عند مضغ الطعام إنما هو سلوك شخصي قد يصدر من المسلم وغير المسلم، ولا علاقة لذلك بالإسلام ولا بالأديان، مع نصيحتنا للمسلم بالتحلى بمحاسن الآداب وكريم الخصال كما أرشد إليها الإسلام، ومراعاة آداب الذوق العامة التي تستحسنها العادات والأعراف المجتمعية ما دامت لا تخالف الشريعة الإسلامية، واجتناب ما قد يسبب الانزعاج أو الضيق لمن حوله، ليظهر بذلك صورةً راقية تدل على دينه وأمته.

التفاصيل ....

المحتويات

 

تكريم الإسلام للإنسان بضبط سلوكه وأخلاقه

الشريعة الإسلامية شريعة متكاملة جاءت لسعادة الدارين، وشرع الله تعاليم الإسلام وأحكامه وآدابه لينظم للإنسان كل شئون حياته، ويرتقي بسلوك الفرد والمجتمع؛ في العبادة، والمأكل والمشرب والملبس، والمنكح، وطلب أسباب الدنيا، والرقي الحضاري، والتعلم والتعليم، فما من مسألة دقيقة أو جليلة تتعلق بأفعال المكلفين وشئون دينهم ودنياهم إلَّا ولله تعالى فيها حكم وأدب وإرشاد؛ على سبيل الخصوص أو العموم.

ومن جوانب العظمة والسُّمُوِّ والرقي في هذا الدين: الآداب والتعاليم الراقية التي هذَّب النبي صلى الله عليه وآله وسلم بها سلوك الأفراد في مظاهر حياتهم اليومية؛ فقد جاء المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم بتمام مكارم الأخلاق وكمال محاسن الخصال، وقال: «إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ» أخرجه الإمام أحمد في "المسند"، والبخاري في "الأدب المفرد"، والحاكم في "المستدرك"، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وفي رواية البزار في "المسند": «إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ»، وفي حديث آخر: «إِنَّ اللهَ بَعَثَنِي بِتَمَامِ مكارمِ الْأَخْلَاقِ، وكَمَالِ مَحَاسِنِ الْأَفْعَالِ» أخرجه الطبراني في "الأوسط" و"مكارم الأخلاق"، والبيهقي في "شعب الإيمان" عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما مرفوعًا.

وكان من مظاهر ذلك أن وضع الإسلام قواعد وإرشادات لآداب اللياقة العامة، والذوق العام، وهو ما يطلق عليه اليوم (فن الإتيكيت) (etiquette)؛ أي فن التعامل مع الناس ومع الأشياء.

اهتمام الإسلام بتعليم الآداب الراقية

مع أن بعض آداب الذوق واللياقة قد تختلف باختلاف الأعراف والتقاليد، إلا أن الإسلام قد وضع لها أُطُرًا وقواعد عامة، بينتها السنة النبوية الشريفة وساق المحدِّثون أحاديثها في دواوين السنة تحت "أبواب الأدب"، ومنهم من أفرد لأحاديثها مصنفات مستقلة سمَّوْها "كتب الأدب"؛ كما صنع الإمام أبو بكر بن أبي شيبة [ت237هـ]، والإمام البخاري [ت256هـ] في كتابيهما في "الأدب"، وكما صنع مصنفو كتب الشمائل، وكتب مكارم الأخلاق، وكتب تهذيب النفوس، وغيرها.

كما عُنِيَ علماء المسلمين وفقهاؤهم بتفصيلات هذه الآداب وبيان ما يتعلق منها بالأعراف والتقاليد فيختلف باختلافها، وما هو من الآداب المشتركة بين عموم الثقافات ومختلف التقاليد والبيئات، وأفردوا لذلك التصانيف في الأخلاق والآداب؛ ككتاب "تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق" لأبي علي بن مسكويه [ت421هـ]، و"أدب الدنيا والدين" للإمام الماوردي الشافعي [ت450هـ]، و"مداواة النفوس وتهذيب الأخلاق" للإمام ابن حزم الظاهري [ت456هـ]، و"الذريعة إلى مكارم الشريعة" للعلامة الراغب الأصفهاني [ت502هـ]، و"إحياء علوم الدين" لحجة الإسلام الغزالي [ت505هـ]، و"فصول الآداب ومكارم الأخلاق المشروعة" للإمام أبي الوفاء بن عَقِيل الحنبلي [ت513هـ]، و"الآداب الشرعية" للعلامة ابن مفلح الحنبلي [ت763هـ]، و"بريقة محمودية في شرح طريقة محمدية" للعلامة أبي سعيد الخادمي الحنفي [ت1156هـ]، و"غذاء الألباب" للعلامة السفاريني الحنبلي [ت1188هـ] الذي شرح فيه "منظومة الآداب" للإمام محمد بن عبد القوي الحنبلي [ت699هـ]، وغيرها كثير.

عناية علماء المسلمين بآداب الطعام والشراب

من هذه الآداب التي اهتمت بها الشريعة: آداب الطعام والشراب؛ فقد عقد المحدِّثون في كتب السنة الأبواب والفصول لآدابهما؛ كما صنع أصحاب الكتب الستة في أبواب "الأطعمة" و"الأشربة"، وأفرد بعضهم كتبًا لرواية السنن الواردة فيها؛ كما صنع الإمام أحمد بن حنبل [ت241هـ] وأبو بكر بن أبي عاصم النبيل [ت287هـ] في كتابيهما في "الأشربة"، وكما صنع أبو سعيد الدارمي [ت280هـ] وابن أبي عاصم في كتابيهما في "الأطعمة"، وتكلم الفقهاء عن هذه الآداب في كتب الفقه واستفاضوا في تقريرها وأفردوا لها أبوابًا وفصولًا، بل صنف بعض العلماء لأحكامها وآدابها مؤلفات مستقلة؛ كما صنع العلامة الأقفهسي الشافعي [ت808هـ] في كتاب "آداب الأكل"، والإمام أبو البركات الغزي [ت984هـ] في كتاب "آداب المواكلة"، الذي ذكر فيه واحدًا وثمانين عيبًا مِن جملة العيوب التي مَن علمها كان خبيرًا بآداب المؤاكلة، وهذا يدل على عناية الشريعة الإسلامية بهذا الجانب من الآداب في الإسلام، وحرصها على أن يتكمل الإنسان بالمحاسن ويتجمل بالذوق الرفيع ويظهر بالمظهر اللائق في طعامه وشرابه؛ ابتداءً وانتهاءً، واكتسابًا واختيارًا، وتنظيمًا وتناولًا.

تكريم الشريعة الإسلامية للإنسان والنهى عن التشبه بالحيوان

جاءت الشريعة الإسلامية بتكريم بني آدم على غيرهم؛ قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: 70].

وإنما كان التكريم بما أعطى الله الإنسان من عقل يدعوه إلى اكتساب المحاسن والفضائل، واجتناب القبائح والرذائل؛ فإذا استرسل خلف شهواته وملذاته ونهمه وجشعه دون رادع من عقل أو دين أو خلق كان متشبهًا بالحيوان، قال حجة الإسلام الغزالي في "إحياء علوم الدين" (3/ 10، ط. دار المعرفة): [اعلم أن الإنسان قد اصطحب في خلقته وتركيبه أربع شوائب فلذلك اجتمع عليه أربعة أنواع من الأوصاف؛ وهي: الصفات السبعية والبهيمية والشيطانية والربانية. فهو من حيث سُلِّط عليه الغضبُ: يتعاطى أفعال السباع؛ من العداوة والبغضاء والتهجم على الناس بالضرب والشتم. ومن حيث سُلِّطَتْ عليه الشهوةُ: يتعاطى أفعال البهائم؛ من الشره والحرص والشبَق وغيره] اهـ.

وقد وردت النصوص المتكاثرة من الكتاب الكريم والسنة النبوية الشريفة بالنهي عن التشبه بالحيوانات في طبائعها المذمومة؛ كالشرَه والجشع والتكبر والبطش والظلم والجهل واللؤم والطمع، وغيرها من قبائح الأخلاق؛ حتى عقد الإمام نجم الدين الغَزِّيُّ الشافعي [ت1061هـ] في كتابه "حسن التنبه لِمَا ورد في التشبُّه" بابًا في النهي عن التشبه بالبهائم والسِّباع والطير والهوام، ساق فيه ما ورد في نصوص الشريعة من ذم التشبه بالحيوانات في طبائعها المذمومة وأفعالها المكروهة.
قال الشيخ ابن تيمية الحنبلي في "مجموع الفتاوى" (32/ 256، ط. مجمع الملك فهد): ["التشبه بالبهائم" في الأمور المذمومة في الشرع مذمومٌ منهي عنه؛ في أصواتها وأفعالها] اهـ.
- فمن الأمور التي ورد النهي عنها في الأحاديث الشريفة: التشبه بالحيوانات في الشره والجشع والنهم عند الأكل والشرب، ومن ذلك: ما أخرجه الترمذي في "جامعه"، والطبراني في "المعجم الكبير"، والبيهقي في "شعب الإيمان" عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ: «لَا تَشْرَبُوا وَاحِدًا كَشُرْبِ البَعِيرِ، وَلَكِنْ اشْرَبُوا مَثْنَى وَثُلَاثَ، وَسَمُّوا إِذَا أَنْتُمْ شَرِبْتُمْ، وَاحْمَدُوا إِذَا أَنْتُمْ رَفَعْتُمْ».
قال الإمام الطيبي في "شرح مشكاة المصابيح" (9/ 2881، ط. مكتبة نزار): [قوله: «لا تشربوا واحدًا كشرب البعير» موقعه التأخير؛ أي: اشربوا مثنى وثلاث، ولا تشربوا واحدًا كشرب البعير؛ فقدم الأمر على النهي اهتمامًا؛ كقوله تعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الكِتَابَ فَلَا تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَائِهِ وجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إسْرَائِيلَ﴾ قدم ﴿فَلَا تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَائِهِ﴾ اهتمامًا بشأنه؛ ولأن الشرب مرارًا لإبانة القدح حذرًا عن التنفس في الإناء مسنونٌ، لا كشرب البعير؛ فإنه يتنفس عند الكرع فيه] اهـ.
وقال العلامة المناوي في "فيض القدير" عند شرح حديث «أبِنِ القَدَحَ عَنْ فِيكَ ثُمَّ تَنَفَّسْ» (1/ 85، ط. المكتبة التجارية): [ولا تشرب كشرب البعير؛ فإنه يتنفس عند الشرب فيه (ثم تنفس) فإنه أحفظ للحرمة، وأبعد عن تغير الماء، وأصْونُ عن سقوط الريق فيه، وأنفى عن التشبه بالبهائم في كرعها؛ فالتشبه بها مكروهٌ شرعًا وطِبًّا] اهـ.
والبعير إذا شرب أحدث صوتًا، يُسمَّى "الهَقْم"، قال العلامة أبو منصور الأزهري [ت370هـ] في "تهذيب اللغة" (6/ 5، ط. دار إحياء التراث): في مادة هقم: [عن ابن الأعرابي، قال: الهَقْمُ: أصوات شُرب الْإِبِل للْمَاء، قلت: جعله جمع هَيْقَم، وَهُوَ: حِكَايَة صَوت جرعها المَاء] اهـ.

وقال العلامة الزبيدي في "تاج العروس" (34/ 110-111، ط. دار الهداية): [الهَقَمُ: أَنْ يُكْثِرَ مِن الطَّعَامِ فَلَا يَتْخَمُ، والِهقَمُّ: كَهِجَفٍّ الكَثِيرُ الأكْلِ، وتَهَقَّمَ الطَّعَامَ: ابْتَلَعَهُ لُقَمًا عِظَامًا، والهَقْمُ: أَصْوَاتُ شُرْبِ الإبِلِ المَاءَ] اهـ بتصرف يسير.

حكم مضغ الطعام بصوت مسموع

من السلوكيات التي نهت عنها الشريعة أثناء تناول الطعام والشراب ونص الفقهاء على الإرشاد إلى التنزه عنها وأنها لا تليق بالآداب العامة والذوق الرفيع: إحداث صوت أثناء المضغ والشرب؛ لِمَا قد يدل عليه ذلك من الشَّرَه والنهَم.

- فروى الإمام معمر بن راشد في "جامعه" -ومن طريقه الحافظ البيهقي في "السنن الكبرى" و"شعب الإيمان"- عن ابْنِ أَبِي حُسَيْنٍ (وهو: عبد الله بن عبد الرحمن المكي النوفلي القرشي، تابعي فقيه ثقة) أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَمَصَّ مَصًّا، وَلَا يَعُبَّ عَبًّا، فَإِنَّ الْكُبَادَ مِنَ الْعَبِّ».

والعَبُّ -كما قال أهل اللغة-: شُرْبُ الماء من غير مَصٍّ، وعَبَّتِ الدَّلْوُ: إذا صوَّتَتْ عند غَرْف الماء، وعبَّ الحَمَام الماءَ. والكُبَادُ: وجعُ الكبد.

وفي معناه ما رواه الإمام أبو داود في "المراسيل" -ومن طريقه الحافظ البيهقي في "السنن الكبرى"- عن عطاء بن أبي رباح قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إِذَا شَرِبْتُمْ فَاشْرَبُوا مَصًّا، وَإِذَا اسْتَكْتُمْ فَاسْتَاكُوا عَرْضًا».

والمقصود من هذا التوجيه النبوي: الإرشاد إلى التروي في تناول الماء شيئًا فشيئًا، لا أن يُجرَعَ جرعًا كما تفعل الدوابُّ مُحدِثةً صوتًا عند الشرب، مع ما في ذلك مِن ضرر على الشارب، وحصول الضيق لِمَن حوله، وقد تقرر أنه لا ضرر ولا ضرار في الإسلام.

وفي التعبير النبوي «بالعبِّ» إشارةٌ إلى التنفير من هذا الفعل؛ فإن العبَّ في الأصل هو من فعل الدوابِّ، أما الآدمي فلا يُسنَد إليه العبُّ إلا على جهة المجاز.

قال العلامة أبو منصور الأزهري في "تهذيب اللغة" (1/ 86): [قال الشافعيُّ: الحَمَام من الطَّير: مَا عبَّ وهدَر، وَذَلِكَ أنَّ الْحمام يعُبُّ المَاء عبًّا وَلَا يشرب كَمَا يشرب سَائِر الطير نقرًا] اهـ.

وقال الإمام النووي الشافعي [ت676هـ] في "تحرير لغات التنبيه" (ص: 124، ط. دار الكتب العلمية): [قَوْله "عبَّ وهدر": هُوَ بِعَينٍ مُهْملَة، قَالَ الْأَزْهَرِي: الحمام البري والأهلي يَعُبُّ إِذا شرب؛ وهو: أن يجرع الماء جَرْعًا، وسائرُ الطُّيُورِ تنقُر المَاء نقرًا، وتشرب قَطْرَةً قَطْرَةً، وقال غيره: العَبُّ: شدَّةُ جرع المَاء من غير تنفس؛ يُقال: عبَّه يَعُبُّه عبًّا، قال صاحبُ "المحكَم": يُقَال فِي الطَّائِر عَبَّ، ولا يُقال شرب.

والهديرُ: تَرْجِيعُ الصَّوْت ومواصلتُه من غير تقطيع له، قال الرافعي: الأشبَهُ أَنَّ مَا عبَّ هدر؛ فلو اقْتصر في تَفْسِير الحمام على العَبِّ لكفاهم؛ يدل عليه: أنَّ الشَّافِعِي رحمه الله تعالى قال في "عُيُون المسائل": وما عب فِي المَاء عبًّا فهو حمامٌ، وما شرب قَطْرَةً قَطْرَةً كالدجاج فليس بحمام] اهـ.

وقال العلامة أبو الحسن المنوفي المالكي [ت939هـ] في "كفاية الطالب الرباني" (2/ 464، ط. دار الفكر): [(وَلَا تَعُبَّ الْمَاءَ عَبًّا) وهو: بلْعُه بصوت كصوت البهيمة؛ لنهيه صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك (ولْتَمَصَّه) بفتح الميم مضارع مَصِصَ بالكسر (مَصًّا) وهو: بلعُ الماء برفق شيئًا بعد شيء؛ لأمره صلى الله عليه وآله وسلم بذلك] اهـ.

وقال العلامة شهاب الدين النفراوي المالكي [ت1126هـ] في "الفواكه الدواني" (2/ 318، ط. دار الفكر): [(و) من آداب الشرب أيضًا: أنك (لا تَعُبُّ الماءَ عَبًّا)؛ أي: لا تبتلعه كابتلاع البهيمة؛ لأنه صلى الله عليه وآله وسلم "نهى عن العَبِّ" (ولْتَمَصَّه.. مَصًّا)؛ أي: تبتلعه برفق شيئًا فشيئًا؛ بحيث لا يُسمَع منك صوتٌ بشربه؛ لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «إذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَمَصَّهُ مَصًّا» وتقدم تعليله بأنه أهنأ وأبرأ وأمرأ؛ لأنه أنفع لعروق الجسد، بخلاف عَبِّه ربما يأخذ عرقٌ أكثرَ مما يحتاجه فيتأذى صاحبُه؛ ألا ترى المطر الرقيق الدائم فإنه أنفع للأرض من الوابل الذي ينقطع سريعًا قد يذهب على وجه الأرض ولا يداخلها كالرقيق الدائم] اهـ.

ونص العلماء على أن من الصفات المذمومة عند الأكل: التكلم في حال مضغ الطعام، وإحداث صوت لأشداقه وفمه عند المضغ والبلع، وعدُّوا ذلك من العيوب التي ينبغي على الآكل تَوَقِّيها والبعد عنها، وسمَّوا الأول "مُبَعْبِعًا"، والثانيَ "مُفَرْقعًا" و"رَشَّافًا".

قال العلامة ابن الملقن الشافعي [ت804هـ] في "التوضيح لشرح الجامع الصحيح" (26/ 94، ط. دار النوادر): [فإن كان الآكلُ ضيفًا فليتوقَّ تسعةً وعشرين عيبًا، رويناها في كتاب "فوائد الموائد": وذكر منها.. ولا يجعل اللقمة في فمه يَرشُفُها ويُسمَع لها حسٌّ] اهـ.

وقال العلامة الأقفهسي الشافعي [ت808هـ] شارحًا منظومته في "آداب الأكل" (ص: 28، ط. دار الكتب العلمية): [واضمم شفاهك عند المَضْغ نحو حلا ... ولا تُفَرقِعُ تكن كالأسود الجُعَلِ
ولا تطرطش لدى أكل الطعـــــــــام تُرَى ... عند الأنام حمـــــارَ المجلس الحفل
ينبغي للآكل أن يَضُمَّ شفتيه عند الأكل لمعنيين:
الأول: أنه يأمن مما يتطاير من البصاق في حال المضغ، وقد يقع ذلك في الطعام فيورث قَنَافة (أي: استقذارًا لمن حوله).
الثاني: أنه إذا ضم شفتيه لم يبقَ لفمه فرقعة.
والأسود الجُعَل؛ بضم الجيم والعين: دُوَيبة مثل الخنفساء أكبر منها قليلًا، وهي خسيسة تقتات الروث، وشأنُها جمعُه وادِّخارُه، والعرب تشبه بها مَن ذموا بالخساسة] اهـ.

وقال العلامة القسطلاني الشافعي [ت923هـ] في "إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري" (8/ 250، ط. المطبعة الأميرية): [وهذه آداب تتعلق بالأكل لا بأس بإيرادها.. وينبغي للآكل أن يضم شفتيه عند الأكل؛ ليأمن مما يتطاير من البصاق حال المضغ، ولا يتنخم، ولا يبصق بحضرة آكل غيره، فإن عرض له سُعَال حوَّل وجهه عن الطعام] اهـ.

وقال العلامة أبو البركات الغزي الشافعي [ت984هـ] في كتابه "آداب المواكلة" في سياق العيوب الواحد والثمانين التي ينبغي تجنبها عند الأكل (ص: 2، ط. دار ابن كثير): [المبعبع: هو الذي إذا أراد الكلام لم يصبر إلى أن يبلع اللقمة؛ لكنه يتكلم في حال المضغ فيبعبع كالجمل، ولا يكاد يتفسر كلامه، وخصوصًا مع كبر اللقمة.

والمفرقع: هو الذي لا يضم شفتيه عند المضغ، فيسمع لأشداقه صوت من باب بيته؛ وربما ينتثر المأكول من أشداقه، والأدب أن لا يسمعه الأقرب إليه.

والرشَّاف: هو الذي يجعل اللقمة في فمه ويرشفها، فيسمع له ساعة البلع حسًّا لا يخفى على أحدٍ] اهـ.

الخلاصة

بناءً على ذلك: فإن من آداب الأكل ومحاسن الذوق أثناء تناول الطعام: ضمَّ الشفتين أثناء المضغ، وتجنبَ إحداثِ صوت عند المضغ والشرب، وتجنب الكلام عند امتلاء الفم بالطعام؛ حفاظًا على مشاعر الآخرين. وعلى المسلم أن يتحلى في سلوكياته وأفعاله بمحاسن الآداب وكريم الخصال التي تجعله صورةً راقية لدينه وأمته، كما أن عليه أن يراعي آداب الذوق العامة التي تستحسنها العادات والأعراف المجتمعية ما دامت لا تخالف الشريعة الإسلامية، وأن يتجنب في أفعاله وسلوكه ما قد يسبب الانزعاج أو الضيق لمن حوله.

والله سبحانه وتعالى أعلم.

اقرأ أيضا