ما مدى دخول عقد المرابحة في النهي عن بيعتين في بيعة؟ فقد اشترى رجلٌ سيارةً بالتقسيط من بائع، وكان ثمنها المؤجل يزيد على ثمنها النقدي، وقد تم الاتفاق على السعر الإجمالي ومدة السداد عند العقد، لكنه سمع من البعض أن هذه المعاملة تدخل في النهي النبوي عن "بيعتين في بيعة"، فهل هذا صحيح؟
شراء السيارة بالتقسيط بثمن إجمالي محدد ومدة سداد معلومة قد تم الاتفاق عليهما بشكل تام في مجلس العقد -هو معاملة جائزة شرعًا وتقع صحيحة، ولا تدخل في النهي عن "بيعتين في بيعة"؛ لأن المشتري قد اختار ثمن التقسيط وجرى العقد عليه قبل التفرق، ولم يشترط البائع عليه أن يبيعه شيئًا أو يقرضه مالًا لإتمام البيع له.
المحتويات
مِن المقرر شرعًا أنَّ الأصلَ في البيوع الحِلُّ ما دامت برضا المتبايِعَيْنِ، ما لم يُخَصَّ نوعٌ معيَّنٌ بنَهْيٍ شرعي، أو اشتمل البيعُ على جهالةٍ أو غشٍّ أو غررٍ أو ضررٍ أو نحو ذلك؛ أخذًا بعموم قولِ الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275].
وقد "أجمع المسلمون على جواز البيع في الجملة"، كما قال الإمام الموفَّق ابن قُدَامَة في "المغني" (3/ 480، ط. مكتبة القاهرة).
قد اتفق جماهير الفقهاء على أنه يصحُّ شرعًا البيعُ بثمنٍ حالٍّ معلومٍ، وكذا بثمن مؤجَّلٍ في الذمة معلومٍ إلى أجَلٍ معلومٍ.
قال الإمام ابن حَزْم في "مراتب الإجماع" (ص: 85، ط. دار الكتب العلمية): [واتفقوا أن الابْتِيَاعَ بدنانير أو دراهم حالَّة، أو في الذمة غير مقبوضة، أو بهما، إلى أجلٍ محدودٍ بالأيام أو بالأَهِلَّة أو الساعات أو الأعوام القمرية -جائزٌ] اهـ.
والزيادة المعلومة في ثمن المَبيع نظير الأجل المعلوم لسداد هذا الثمن جائزةٌ شرعًا؛ لأنها من قبيل المُرابَحَة، وهي نوعٌ من أنواع البُيُوع التي يُباحُ فيها اشتراطُ الزيادة في الثمن في مقابلة الأجل؛ لأن الأجل في نفسه وإن لم يكن مالًا حقيقةً، إلا أنه في باب المُرابَحَة يُزاد في الثمن لأجله إذا ذُكِر الأجل المعلوم في مقابلة زيادة الثمن قصدًا؛ لأن للأجل في البيع شبهةَ المبيع وإن لم يكن مبيعًا حقيقةً؛ لأنه مرغوبٌ فيه، سواء من قِبَل بائِع الشيء أو مشتريه، فكان له شبهةٌ أن يقابله شيءٌ من الثمن، بخلاف ما لو لم يشترط زيادة الثمن بمقابلته قصدًا؛ لأنه حينئذٍ لا يقابله شيءٌ حقيقةً. ينظر: "بدائع الصنائع" للعلامة الكَاسَانِي (5/ 224، ط. دار الكتب العلمية)، و"البحر الرائق" (6/ 125، ط. دار الكتاب الإسلامي)، و"الذخيرة" للإمام القَرَافِي (5/ 254، ط. دار الغرب الإسلامي)، و"مغني المحتاج" للعلامة الخطيب الشِّرْبِينِي (2/ 479، ط. دار الكتب العلمية)، و"المبدع" للعلامة ابن مُفْلِح (4/ 311، ط. دار الكتب العلمية).
لا تُعَدُّ هذه المعاملة من قبيل ما جاء عن أبي هريرة قال: "نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ". أخرجه الإمام أحمد، والترمذي، والنسائي، وابن حبان. وذلك لأنَّ المراد بالبيعتين في بيعة أحد أمرين:
الأول: أن يبيع الرجل غيره السلعة بكذا نقدًا أو بكذا نسيئة ثم يفترقان دون تحديد، فمنع منه لجهالة الثمن.
الثاني: أن يبيعه بشرط أن يبيعه المشتري شيئًا أو يُقْرَضه مالًا، وقد منع ذلك؛ لأنَّ انضمام الشرط إلى البيع يبقى عُلْقَة بعد البيع فقد يثور بسببها منازعة بين المتبايعين.
قال الإمام الجصاص في "شرح مختصر الطحاوي" (3/ 99، ط. دار البشائر): [مسألة: [البيعتين في بيعة] قال: (ومن باع عبده من رجلٍ بثمن، على أن يبيعه الآخر عبده بثمنٍ ذَكَراه: لم يجز البيع في واحد من بيعتي العبدين المذكورين)؛ وذلك لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيعتين في بيعة، فانتظم ذلك المعنى الذي ذكرنا، وينتظم أيضًا أن يبيعه حالًّا بكذا، ونسيئة بكذا] اهـ.
وقال العلامة الدردير في "الشرح الكبير" (3/ 58، ط. دار الفكر): [(وكبيعتين) جعلها بيعتين باعتبار تبدد المثمن في السلعتين والثمن في السلعة الواحدة (في بيعة) أي عقد واحد، وفسر ذلك بقوله: (يبيعها بإلزام بعشرة نقدا أو أكثر لأجل) ويختار بعد ذلك، فإن وقع لا على الإلزام وقال المشتري: اشتريت بكذا: فلا منع] اهـ.
وقال الإمام الشافعي في "الأم" (7/ 305، ط. دار الفكر): [وإذا تبايع الرجلان بيعتين في بيعة فالبيعتان جميعا مفسوختان بما انعقدت. وهو أن يقول: أبيعك على أن تبيعني؛ لأنه إنما انعقدت العقدة على أن ملك كل واحد منهما عن صاحبه شيئا ليس في ملكه، ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر، ومنه أن أقول: سلعتي هذه لك بعشرة نقدا، أو بخمسة عشر إلى أجل، فقد وجب عليه بأحد الثمنين لأن البيع لم ينعقد بشيء معلوم] اهـ.
وقال العلامة الخطيب الشربيني في "مغني المحتاج" (2/ 38): [(و) الثامن منها النهي (عن بيعتين في بيعة) رواه الترمذي وصححه (بأن يقول: بعتك) هذا (بألف نقدا أو ألفين إلى سنة) فخذ بأيهما شئت أنت أو شئت أنا، وهو باطل للجهالة (أو بعتك ذا العبد بألف على أن تبيعني دارك بكذا) أو تشتري داري مني بكذا، (و) عدم الصحة للنهي (عن بيع وشرط). رواه عبد الحق في "أحكامه"، وذلك (كبيع بشرط بيع) كما تقدم، (أو) بشرط (قرض) كأن يبيعه عبده بألف بشرط أن يقرضه مائة، والمعنى في ذلك أنه جعل الألف ورفق العقد الثاني ثمنا. واشتراط العقد الثاني فاسد، فبطل بعض الثمن وليس له قيمة معلومة حتى يفرض التوزيع عليه وعلى الباقي فبطل العقد، ولو عقد البيع الثاني لم يصح إن جهلا أو أحدهما بطلان الأول لأنهما أثبتاه على حكم الشرط الفاسد، فإن علما فساد الأول صح، وسبب فساد الشرط كما قاله الغزالي أنَّ انضمام الشرط إلى البيع يبقى علقة بعد البيع يثور بسببها منازعة بين المتبايعين، فبطل: أعني الشرط إلا ما استثني لمعنى كما سيأتي] اهـ.
وقال العلامة البهوتي في "شرح منتهى الإرادات" (2/ 19، ط. دار عالم الكتب): [(ولا) يصح البيع (بعشرة صحاحا أو إحدى عشرة مكسرة ولا) البيع (بعشرة نقدا أو عشرين نسيئة)؛ «لنهيه صلى الله عليه وسلم عن بيعتين في بيعة»، وفسَّره مالك وإسحاق والثوري وغيرهم بذلك؛ ولأنه لم يجزم له ببيع واحد، أشبه ما لو قال: بعتك أحد هذين، ولجهالة الثمن (إلا إن تفرقا) أي المتعاقدان (فيهما) أي الصورتين (على أحدهما) أي أحد الثمنين في الكل، فيصح لزوال المانع] اهـ.
أما إذا حَسَم المشتري أمره واختار أحد السعرين قبل أن يفترقا، ولم يكن ثمة اشتراط من البائع نظير البيع: فإن العقد يقع صحيحًا لا محذور فيه شرعًا؛ وذلك لأن الجهالة قد انتفت، فالمبيع معلوم والثمن قد تحدد، وما جرى ليس إلا بيعة واحدة انعقدت بعد تخيير، فلا يصدق عليها وصف "بيعتين في بيعة"، وإنما هي بيعة واحدة عرضت على المشتري بأحد الثمنين فاختار أحدهما.
قال العلامة الخَطَّابي في "معالم السنن" (2/ 439-440، ط. مؤسسة الرسالة): [وحكي عن طاوس أنه قال: لا بأس أن يقول له: بعتك هذا الثوب نقدًا بعشرة وإلى شهر بخمسة عشر فيذهب به إلى أحدهما. وقال الحكم وحماد: لا بأس به ما لم يفترقا، وقال الأوزاعي: لا بأس بذلك ولكن لا يفارقه حتى يُباته بأحد المعنيين، فقيل له: فإنه ذهب بالسلعة على ذينك الشرطين، فقال: هي بأقل الثمنين إلى أبعد الأجلين... هذا ما لا يشك في فساده، فأما إذا باته على أحد الأمرين في مجلس العقد فهو صحيح لا خلف فيه، وذكر ما سواه لغو لا اعتبار به] اهـ.
بناءً عليه وفي واقعة السؤال: فإن شراء السيارة بالتقسيط بثمن إجمالي محدد ومدة سداد معلومة قد تم الاتفاق عليهما بشكل تام في مجلس العقد -هو معاملة جائزة شرعًا وتقع صحيحة، ولا تدخل في النهي عن "بيعتين في بيعة"؛ لكون المشتري قد اختار ثمن التقسيط وجرى العقد عليه قبل التفرق، ولم يشترط البائع عليه أن يبيعه شيئًا أو يقرضه مالًا نظير إتمام البيع له.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
ما حكم بيع شهادة الاستثمار على أن يدفع صاحبها قيمتها إلى المشتري مع أرباحها؟ فهناك رجلٌ يمتلك شهادة استثمار بأحد البنوك، واحتاج مبلغًا من المال، ولا يمكن فك الشهادة إلا بعد عام كامل، ويرغب في الاتفاق مع أحد الأشخاص على أن يبيع له هذه الشهادة بمقابل مادي على أن يدفع قيمتها إليه مع أرباحها عند فكها. فهل تصح هذه المعاملة شرعًا؟
ما حكم بيع الأدوية مجهولة المصدر غير المصرح بها؟ حيث يقوم بعض الصيادلة بشراء وبيع الأدوية المهربة مجهولة المصدر غير المصرح بها من وزارة الصحة، مثل: المنشطات، والأدوية المؤثرة على الحالة النفسية، مما يترتب عليها الضرر بالمرضى؛ لعدم مطابقة هذه الأدوية للمواصفات؟
ما حكم الرجوع فيما تم شراؤه منذ مدة للاستفادة بانخفاض سعره؟ فقد اشترى رجلٌ ثلاجة من أحد المعارض، وفي اليوم التالي وجد تخفيضًا على مثيلتها في المعرض، ويريد أن يرجعها بسعرها الذي اشتراها به ليشتريها مرة أخرى بسعرها المنخفض، فهل هذا جائزٌ شرعًا؟
علمًا أنه قد جاء في بنود سياسة الاستبدال والإرجاع لهذا المنتج ما يلي:
في حالة رغبة العميل في استبدال أو استرجاع المنتج رغم عدم وجود عيب صناعة به خلال مدة الـ 14 يومًا من تاريخ استلام المنتج يراعى الآتي:
1- فى حالة أنه لم يتم فتح كرتونة الجهاز أو استخدمه والجهاز مازال بحالته الأصلية: طبقاً لنص المادة 17 من قانون حماية المستهلك، يحق للمستهلك طلب استبدال أو استرداد قيمة المنتج خلال 14 يومًا من تاريخ استلام المنتج، وذلك إذا لم يكن الجهاز به عيب صناعة، ولكن بشرط أن يكون بالحالة التى كانت عليها السلعة عند التعاقد (أي لم يتم فتحها أو استخدامها).
2- في حالة قيام العميل بفتح كرتونة الجهاز: طبقاً لنص المادة 17 فقرة 2 من قانون حماية المستهلك لايحق للمستهلك استبدال الجهاز أو استرجاعه في حالة فتح كرتونة الجهاز أو استخدام الجهاز في الحالات التالية: أ- إذا كانت طبيعة السلعة أو خصائصها أو طريقة تعبئتها أو تغليفها تحول دون استبدالها أو ردها أو يستحيل معها إعادتها للحالة التى كانت عليها وقت التعاقد.
ب- إذا لم تكن بذات الحالة التى كانت عليها وقت البيع بسبب يرجع إلى المستهلك.
واستثناءً من نص هذه المادة يتم استبدال المنتج مع تحصيل رد فرق السعر بين الموديلات إن وجد أو استرجاع الجهاز للعميل ورد قيمته ولكن بعد خصم (5%) تغليف من إجمالي قيمة الجهاز.
ما حكم دفع المشترك المتأخر في الأسانسير أكثر من المتقدم لزيادة السعر؟ فهناك مجموعةٌ من الجيران في إحدى العمارات اشتَرَكوا في شراء مِصْعَدٍ كهربائي، وبعد عامٍ تقريبًا أرادَ أحدُ الجيران -غيرَ هؤلاء- الاشتراكَ معهم في المِصْعَد، فطلبوا منه مبلغًا أكبر من المبلغ الذي كان سيدفعُه لو أنه اشتَرَكَ معهم أوَّل الأمر، وعلَّلوا تلك الزيادة بزيادة الأسعار، فهل هذا المبلغُ الزائدُ يُعتبر رِّبا؟
ما حكم الشرع في قيام بعض الناس ببيع منتجاتٍ تؤدي إلى إلحاق الضرر بالآخرين؟