ما حكم زواج الأرملة بعد انتهاء العدة ومدى مخالفة ذلك للأعراف والقيم؟ فقد توفي زوجي منذ ستة أشهر، وقد انتهت عدتي، وتقدم لخطبتي رجل مناسب، وأفكر في القبول بعد الاستخارة، لكني مترددة بسبب الخوف من كلام الناس ونظرتهم للزواج بعد وفاة زوجي بمدة قصيرة. فأرجو بيان الحكم الشرع. وجزاكم الله خيرًا.
يجوز للسائلة الإقدام على الزواج بعد انتهاء عدتها الشرعية من وفاة زوجها، وهو فعل مشروع ومباح باتفاق، وهو من المعروف الذي استحسنه الشرع، ولا يمثل خروجًا عن القيم الأخلاقية أو الدينية، وتقييد حق الأرملة في الزواج بعد انتهاء عدتها بحجة الولاء لزوجها المتوفى ولو بالضغط النفسي هو عضل لها، وهو منهي عنه في شريعة الله.
المحتويات:
العِدَّة في حقيقتها الشرعية هي حق محض للنكاح السابق، وهي الأثر الباقي له؛ إذ الأصلُ في عقد الزوجية أنه يُعقد ليدومَ مدى العمر، فإذا ما انقضى أجلُ العمر بالوفاة انقضى معه العقدُ ضرورةً وحكمًا، وبقيت العِدَّة خاتمة وفاء لهذا العقد، قال الإمام السرخسي في "المبسوط" (6/ 30، ط. دار المعرفة): [العِدَّة محض حق النكاح؛ لأن النكاح بالموت ينتهي، فإنه يعقد للعمر، ومضي مدة العمر ينهيه، فتجب العِدَّة حقًّا من حقوقه] اهـ.
فصارت العِدَّة هنا هي الحق الأخير من حقوق الزوجية السابقة، وعارضًا بانقضائه تعود المرأة إلى أصل الحلّ؛ لانقطاع علقة النكاح السابقة حقيقة وحكمًا، ويكون للمرأة كامل الأهلية والحرية في إنشاء عقد زواج جديد متى توافرت أركانه وشروطه، وانتفت موانعه؛ لقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة: 234].
قال الإمام الطبري في "تفسيره" (5/ 93، ط. دار التربية والتراث): [يعني تعالى ذكره بذلك: فإذا بلغن الأجل الذي أبيح لهن فيه ما كان حظر عليهن في عددهن من وفاة أزواجهن -وذلك بعد انقضاء عددهن، ومضي الأشهر الأربعة والأيام العشرة- ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ﴾، يقول: فلا حرج عليكم أيها الأولياء -أولياء المرأة- فيما فعل المتوفى عنهن حينئذ في أنفسهن، من تطيب وتزين ونقله من المسكن الذي كن يعتددن فيه، ونكاح من يجوز لهن نكاحه، ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾، يعني بذلك: على ما أذن الله لهن فيه وأباحه لهن] اهـ.
فنفي الجناح دليل قوي على انتفاء الحرج، وجواز الزواج بعد انتهاء الأجل، وهو ما ذهب إليه ابن عباس رضي الله عنهما، قال الإمام ابن أبي حاتم في "تفسيره" (2/ 437، ط. مكتبة نزار مصطفى الباز): [عن ابن عباس، قوله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ يقول: إذا طلقت المرأة، أو مات عنها، فإذا انقضت عدتها، فلا جناح عليها أن تتزين وتتصنع وتتعرض للتزويج، فذلك: المعروف] اهـ.
فزواج الأرملة بعد انتهاء عدتها من زوجها المتوفى زواجًا شرعيًّا هو من المعروف، كما فسره أهل العلم، قال الخطيب الشربيني في "السراج المنير" (1/ 151، ط. مطبعة بولاق): [وقوله تعالى: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: بما يعرفه الشرع ويستحسنه من كونه بعقد حلال] اهـ.
فيكون ذلك النكاح من المعروف، ولا يتعارض مع القيم الإسلامية السمحة إطلاقًا، بل هو مشروع ومندوب إليه شرعًا بقوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [سورة النور: 32].
ويقصد بـ"الأيامى": كل من لم يكن له زوج سواء من الرجال أو النساء، وسواء تزوج قبل ذلك أو لم يتزوج.
قال العلامة ابن منظور في "لسان العرب" (12/ 39، ط. دار صادر): [الأَيامى: الذين لا أزواج لهم من الرجال والنساء وأصله أيايم، فقلبت لأن الواحد رجل أيم، سواء كان تزوج قبل أو لم يتزوج. ابن سيده: الأيم من النساء التي لا زوج لها، بكرًا كانت أو ثيبًا، ومن الرجال الذي لا امرأة له] اهـ.
وقد تزوج رسول الله السيدة سودة رضي الله عنها بعد وفاة زوجها السَّكْرَانِ بن عمرو، وقد تزوج عدد كبير من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أرامل بعد وفاة أزواجهن، ولم يكن في هديه صلى الله عليه وآله وسلم ولا أصحابه ما يمنع الأرملة من الزواج فور انقضاء عدتها، بل ورد ما يشجع على ذلك؛ فعن المِسْوَرِ بن مَخْرَمَةَ: أَنَّ سُبَيْعَةَ الأَسْلَمِيَّةَ نُفِسَتْ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِلَيَالٍ، فَجَاءَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَاسْتَأْذَنَتْهُ أَنْ تَنْكِحَ، «فَأَذِنَ لَهَا فَنَكَحَتْ» رواه البخاري.
فلو كان تعجيل الزواج للأرملة بعد انقضاء عدتها مخالفًا للشرع، أو مخرمًا للمروءة ومخالفًا للقيم، لما أذن لها صلى الله عليه وآله وسلم، وهي لم يمضِ على وفاة زوجها إلا ليالٍ معدودات، فاستقر العمل على ذلك في عصر النبوة والصحابة رضوان الله عليهم؛ لكونه استجابة لفطرة إنسانية وطلبًا للستر والمؤانسة، وخروجًا من حالة الوحدة والترمل وفق السمت الشرعي بزواج صحيح مكتمل الأركان والشروط ومنتفي الموانع، وهذا حق للمرأة لا يحلّ لأحد منعها منه.
ومحاولة تقييدها بحجة الولاء لزوجها المتوفى وفق بعض العادات هي من باب العضل الذي يظلم المرأة، وينظر إليها بنظرة دونية، مُحرمًا عليها مظاهر الحياة مما أحله الله لها، والإسلام يكرم المرأة ويمنع عضلها، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ [سورة النساء: 19].
والعضل التضييق على المرأة وامتناع الأولياء عن تزويجها، قال الإمام البيضاوي في "تفسيره" (2/ 66، ط. دار إحياء التراث العربي): [أي: ولا تمنعوهن من التزويج، وأصل العضل التضييق] اهـ.
ولا يتوقف العضل عند حدِّ ردِّ الخاطب فحسب، بل يمتد ليشمل كل تضييقٍ يُعلم منه منعها من النكاح، فيشمل الضغط النفسي بما يُعلم منه منعها من النكاح، وسواء تكرر خاطبها أم لم يتقدم أحدٌ بعد؛ لأن الضرر يتحقق بعلم حال المنع والبيئة المانعة، قال الإمام العدوي في "حاشيته على شرح الخرشي على مختصر خليل" (3/ 189، ط. دار الفكر): [الذي يفهم من كلام "المدونة" أن الأب يكون عاضلًا بتحقق الضرر، وإن لم يحصل منه رد من خاطب كمن علم من حاله منعه إياها من النكاح، تكرر خاطبها أم لا] اهـ.
والعضل من بقايا عادات الجاهلية القبيحة التي جاء الإسلام لهدمها؛ إذ كان الجاهليون يمنعون الأرملة من الزواج إما حميةً أو طمعًا في مالها، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ [النساء: 19].
قال الإمام الماوردي في "تفسيره" (1/ 298، ط. دار الكتب العلمية): [فنهى الله عز وجل أولياء المرأة عن عضلها ومنعها من نكاح مَنْ رضيته من الأزواج] اهـ.
فإذا كان هذا زجرَ الشارعِ وموقفَه تجاه الأبِ والأولياءِ برغم شفقتهم، فإنه في حقِّ الأعرافِ المتسلطةِ والمجتمعاتِ العاضلةِ التي تضيقُ ما وسعه الله أولى بالرد.
بناء على ما سبق وفي واقعة السؤال: فيجوز للسائلة الإقدام على الزواج بعد انتهاء عدتها الشرعية من وفاة زوجها، وهو فعل مشروع ومباح باتفاق، وهو من المعروف الذي استحسنه الشرع، ولا يمثل خروجًا عن القيم الأخلاقية أو الدينية. وتقييد حق الأرملة في الزواج بعد انتهاء عدتها بحجة الولاء لزوجها المتوفى ولو بالضغط النفسي هو عضل لها، وهو منهي عنه في شريعة الله.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
هل الدعوة لتنظيم الأسرة تتعارض مع دعوة الشرع بالتكاثر في الأولاد؟
سأل رجل في أن والده وصديق والده قد تزوج كل منهما ببنت الآخر، وأصبح صديق والد السائل جَدًّا له فهو والد أمه، وأصبحت أخته لأب زوجةً لجده لأم، وأنجبت بنتًا تزوجت وأنجبت بنتًا رضعت من خالتها أم السائل، وأحبَّ هذه البنت ويريد الزواج منها. فهل يجوز ذلك شرعًا؟
ما مدى صحة حديث السيدة أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما الوارد في الأمر بالحجاب وحكم العمل به؟ فقد ورد أن السيدة أسماءَ بنتَ أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنهما دخلَتْ على رسول اللهِ صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّم وعليها ثِيَابٌ رِقَاق، فَأَعْرَضَ عَنْهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ: «يَا أَسْمَاءُ، إِنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا بَلَغَتِ الْمَحِيضَ لَمْ تَصْلُحْ أَنْ يُرَى مِنْهَا إِلَّا هَذَا وَهَذَا» وَأَشَارَ إِلَى وَجْهِهِ وَكَفَّيْهِ. وقد سمعت في بعض الوسائل: أن هذا الحديث ضعيف. فما مدى صحة هذا الكلام؟ نرجو منكم الإفادة
يقول السائل: امرأةٌ حامل في بداية الأسبوع السادس، وهي مصابة بنوع من السرطان الوراثي الذي يجعل احتمالات إصابة الجنين به خمسين بالمائة، فهل يجوز الإجهاض في هذه الحالة؟
سائلة تقول: أرغب في الذهاب للعمرة لكنني حامل؛ فهل يجوز لي الاعتمار أو أنَّ الحمل يمنعني من ذلك؟
ما حكم الزواج من امرأة في مرض موتها؛ فقد سأل أحد طلبة العلم بالأزهر في رجل عقد على امرأة ثيّب في حال مرضها المظنون بأنه مرض الموت، وهي الموجبة مع حضور الشهود، هل هذا العقد صحيحٌ ومعتبرٌ شرعًا أم لا؟ أفيدونا الجواب، ولكم الثواب من الملك الوهاب.