هل يُنتقض وضوء المريض بالتخدير، سواء كان كليًّا أو نصفيًّا؟ لأن رجلًا ستُجرى له عملية جراحية تتطلب استخدام التخدير، فهل إذا كان متوضِّئًا قبل دخول غرفة العمليات يُنتقض وضوؤه بهذا التخدير، سواء كان تخديرًا كليًّا أو للنِّصف الأسفل مِن جسمه فقط؟
كلٌّ من التخدير الكُلِّي والنصفي ناقضٌ للوضوء شرعًا؛ لأنّه مظِنّة خروج الحدث مِن غير إدراكٍ أو شعور.
المحتويات:
التخدير: تعاطي المخدِّر بإشرافٍ طبِّيٍّ لغرض علاجي، والمخدِّر: هو المادة التي تؤثِّر في الحسِّ والوعي.
قال العلامة التَّهانوي في "كشاف اصطلاحات الفنون" (1/ 394، ط. مكتبة لبنان ناشرون) في تعريف التخدير: [هو مقابل اللَّذْع، وهو تبريد للعضو بحيث يصير جوهر الرُّوح الحامل لقوة الحسِّ والحركة باردًا في مزاجه، غليظًا في جوهره، فلا تستعملها القوى النفسانية] اهـ.
وجاء في "المعجم الوسيط" (1/ 220، ط. دار الدعوة): [(المخدِّر) مادة تسبِّب في الإنسان والحيوان فقدان الوعي بدرجاتٍ متفاوتة] اهـ.
والتخدير الطِّبي: عبارة عن إعطاء الطبيب المختص بالتخدير المريضَ أدوية معينة -كالبنج ونحوها، ولكلٍّ منها خواصه المنفردة- بغرض فقد إحساسه وتعطيل شعوره وغياب وعيه المصحوب بتسكين الألم، وهو على درجاتٍ متفاوتة، فمنه ما يكون موضعيًّا بحيث يُفقِد المريض الشُّعور في موضع محدَّدٍ مِن الجسم مِن غير التَّأثير على وعيه، ومِنه ما يكون كليًّا يفقد المريض الوعي والإدراك والشعور في كامل جسده، وتلك حالة أشدُّ من النَّوم؛ فالدماغ لا يستجيب فيها لإشارات الألم أو انعكاساته ما دام تحت تأثير المخدَّر كالبنج وما يماثله من العقاقير الطبيَّة.
جاء في "معجم المصطلحات الطبية" للجنة المصطلحات الطبيَّة بمجمع اللغة العربية، تحت مصطلح "التخدير" (1/ 46، ط. الأميرية): [إفقاد الشعور بالألم تمهيدًا لإجراء الجراحة، ومنه: التبنيج العام، والتبنيج الارتشاحي، والتبنيج الموضعي، والتبنيج المنطَقي] اهـ.
كما جاء فيه في تعريف مصطلح "بنج" (1/ 46): [مادة كيميائيَّة تسبِّب فقدان الوعي وتعطيل الإحساس بالألم بعض الوقت] اهـ.
فـ"التخدير ينقسم إلى ثلاثة أنواعٍ تفصيلًا:
- التخدير العام: حيث يخدَّر جسم المريض بأجمعه فيصبح فاقدًا للشعور.
- التخدير القطني: حيث يخدَّر القسم السفلي من الجسم، أي: ما دون السرَّة.
- التخدير الموضعي: تخدَّر المنطقة المراد التوسط عليها فقط، كما جاء في "فن الجراحة" (ص: 28، ط. مطبعة جامعة دمشق).
مِن المقرَّر شرعًا أنَّ مِن نواقض الوضوء زوال العقل وذهاب الإدراك على أيِّ وجه كان، وسواء كان بإغماءٍ أو جنونٍ أو ما شابههما في ارتفاع الإدرَاك وزوال الحسِّ عن الإنسان.
قال العلامة ابن المنذر في "الأوسط" (1/ 155، ط. دار طيبة): [أجمعوا على إيجاب الطَّهارة على مَن زال عقله بجنونٍ أو إغماءٍ] اهـ.
وقال في "الإجماع" (ص: 33، ط. دار المسلم) في ذكر نواقض الوضوء: [وزوال العقلِ بأيِّ وجهٍ زال العقل] اهـ.
وقال الإمام ابن قدامة في "المغني" (1/ 128، ط. مكتبة القاهرة): [زَوالُ العَقلِ على ضَربين: نومٍ، وغيرِه. فأمَّا غيرُ النَّوم وهو الجُنون والإغماءُ والسُّكر وما أشبَهَه من الأدويةِ المُزيلة للعَقلِ، فينقُضُ الوضوءَ يسيرُه وكثيرُه إجماعًا] اهـ.
وقال معللًا (1/ 128): [لأن هؤلاء حسُّهم أبعد مِن حسِّ النَّائم، بدليل أنهم لا ينتبهون بالانتباه، ففي إيجاب الوضوء على النائم تنبيهٌ على وجوبه بما هو آكد مِنه] اهـ. فإنَّه سبق أن قال عن تأثير النَّوم على الوضوء في "المغني" (1/ 128): [الضرب الثاني: النوم، وهو ناقضٌ للوضوء في الجملة، في قول عامة أهل العلم] اهـ.
فكان ما زاد على النوم في فقد الشُّعور والإدراك أولى بنقض وضوء صاحبه، ولذا لم يفرقوا فيه بين النائم والقاعد.
قال الإمام النَّووي في "المجموع" (2/ 21، ط. دار الفكر) بعد ذكر أسباب زوال العقل: [ولا فرق في ذلك بين القاعد وغيره] اهـ.
كما نصَّ ضمن تمثيله لأسباب زوال العقل على البنج، فقال في "شرح صحيح مسلم" (4/ 74، ط. دار إحياء التراث العربي): [واتفقوا على أنَّ زوال العقل بالجنون والإغماء والسُّكر بالخمر أو النبيذ أو البنج أو الدَّواء ينقض الوضوء، سواء قلَّ أو كَثُر] اهـ.
وبالنظر إلى أقسام التخدير السابقة يتبين لنا:
- أنَّ التخدير الكلِّي العام -الذي يَفقِد فيه المريض كامل الشعور بجسده وأعضائه- ناقضٌ للوضوء؛ لأنَّه مزيلٌ للعقل.
- وأنَّ التخدير النِّصفي المسمى بـ"التخدير القَطَنِي" الذي يَفقِد فيه المريضُ الشعورَ والتحكمَ في نصفه السفلي فإنه وإن لم يكن يصحبه زوال عقلٍ إلا أنَّه يزول معه التَّحكم والشعور الكامل بالأعضاء مِن السُّرَّة إلى أسفل الجسد مما يشتمل على السبيلين، ومعلومٌ أن ما يخرج منهما ناقض للوضوء، فكان فقدُ التحكم فيهما مظنةَ خروج الناقض منهما.
قال العلامة ابن رشد الحفيد في "بداية المجتهد" (1/ 40، ط. دار الحديث): [اتفقوا في هذا الباب على انتقاض الوضوء مِن البول والغائط والرِّيح] اهـ.
وزوال العقل أو النوم -عند من يعتبره ناقضًا للوضوء- إنما جُعِلَ ناقضًا لأنه مظنة خروج شيءٍ مِن السبيلين مِن غير شعورٍ أو تحكُّم، والتخدير النصفي -الوارد في السؤال- يفوق أثره ما يحصل بالنَّوم مِن زوال القدرة على ضبط الأعضاء وما يخرج منها، فالنائم يحرِّك أعضاءه وينتبه لقضاء حاجته، ويشعر بمسِّ القرصة ونحو ذلك، بخلاف المريض حال التخدير النِّصفي؛ إذ لا يشعر بشيءٍ مِن ذلك في نصفه السفلي ولا يقدر على حراكه.
فعن معاوية رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إِنَّ العَينَينِ وِكَاءُ السَّهِ، فَإِذَا نَامَتِ العَينَانِ استُطلِقَ الوِكَاءُ» أخرجه الأئمة: ابن ماجه، وأحمد واللفظ له، وأبو يعلي في "المسند"، والبيهقي.
قال العلامة المناوي في "فيض القدير" (4/ 398، ط. المكتبة التجارية الكبرى): [المعنى: أنَّ الإنسان إذا تيقَّظ أمسك ما في بطنه، فإذا نام زال اختيارُه واسترخَت مفاصِلُهُ، فلَعَلَّهُ يخرج منها ما ينقض طُهرَهُ، وذلك إشارة إلى أنَّ نقض الطهارة بالنوم وسائر ما يُزِيل العقل ليس لأنفسها، بل لأنها مظنَّة خروج ما يُنتَقَضُ الطهر به] اهـ.
وقال العلامة الشرنبلالي في "مراقي الفلاح" (ص: 39، ط. المكتبة العصرية) معلِّقًا على الحديث: [فيه: التنبيه على أنَّ الناقض ليس النَّوم؛ لأنه ليس حدثًا، وإنَّما ما لا يخلو النَّائم عنه، فأُقيمَ السببُ الظاهرُ مقامَه] اهـ. وهو ما أفاد أنَّ كلَّ ما أدى إلى فقد القدرة على التحكم بما يخرج من السبيلين يقوم مقام حصول الخروج بالفعل، مِن باب إقامة المسبِّب مقام السبَب؛ لأنه لا يخلو فقدُ القدرة على الإمساك والتحكم مِن خروج ما ينقض الوضوء مِن السبيلين أو أحدهما.
كما أنَّه لما جرت العادة بخروج شيءٍ ممن زال تحكمه في أعضائه بالنَّوم أو ما له مثل أثره في الأعضاء -كالتَّخدير في مسألتنا-، مِن غير إدراكٍ أو شعورٍ كان ظنُّ خروج الشَّيء النَّاقض كالمتيقن.
فعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لَيسَ عَلَى مَن نَامَ سَاجِدًا وُضُوءٌ حَتَّى يَضطَجِعَ، فَإِنَّهُ إِذَا اضطَجَعَ استَرخَت مَفَاصِلُهُ» أخرجه الأئمة: ابن ماجه، وأحمد واللفظ له، والترمذي.
قال الملا علي القاري في "مرقاة المفاتيح" (1/ 365، ط. دار الفكر) في شرح الحديث: [«استَرخَت» أي: فَتُرَت وضعُفَت «مَفَاصِلُهُ» جمع مِفصَلٍ وهو رؤوس العظام والعروق، فلا يخلو حينئذٍ عن خروج شيءٍ عادةً، والثابت عادةً كالمتيقن] اهـ.
بناءً على ذلك وفي واقعة السؤال: فإن كلًّا من التخدير الكُلِّي والنصفي ناقضٌ للوضوء شرعًا. فأمَّا التخدير الكُلِّي: فلِما يسببه من فقدٍ كلِّي للإدراك وذهاب الوعي بما يفوق حالة النوم المعهود معها عدم معرفة خروج الحدث الناقض كالريح. وأمَّا التخدير النصفي: فلأنَّه مُذهب للحِسِّ في نصف البدن السفلي المشتمل على السبيلين مع فقد كامل التحكم فيما يخرج منهما أو الشعور به، فكان التخدير بنوعيه الكلي والنصفي مظنة خروج الحدث مِن غير إدراكٍ أو شعور، فأقيم المسبِّب مقام السبب وكان ناقضًا للوضوء.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
هل يجوز للإنسان التقليد أو التلفيق من مذاهب الأئمة الأربعة ولو لغير ضرورة قبل العمل أو بعده؛ وذلك كمن توضأ وضوءًا واجبًا أو اغتسل غسلًا واجبًا من ماء قليل مستعمل في رفع حدث مقلدًا لمذهب الإمام الشافعي، وترك النية مقلدًا لمذهب الإمام أبي حنيفة؟ فهل يكون وضوؤه أو غسله صحيحًا أو لا؟
يقول السائل: إذا انقطع الدم عن المرأة الحائض والنفساء وأرادت النوم أو الأكل والشرب قبل الاغتسال؛ فهل يُشرع لها الوضوء في هذه الحالة لأجل حصول البركة والحفظ؟
هل الاستنجاء من سنن الوضوء؟ فقد دخل شخص الميضأة في المسجد ليتوضَّأ، فلمَّا همَّ بالوضوء قال له أحد الأشخاص: كيف تتوضَّأ وأنت لم تستنجِ بعد؟! فاحتجَّ عليه بأنَّ الاستنجاء واجبٌ من قضاء الحاجة فقط، ولا يعدُّ من سنن ولا فرائض الوضوء، فحدث نقاش بينهما واختلاف ورفع أصوات، والسؤال: هل الاستنجاء واجب عند كل وضوء أم ماذا؟
ما حكم وجود عماص العين بعد الانتهاء من الوضوء؟ وما حكم الوضوء إن لم أتخلص من إفرازات العين ووجدتها بعد الوضوء، فهل أعيد الوضوء مرة أخرى؛ لأنه يجب إزالة إفرازات العين قبل الوضوء، أم يكون الوضوء صحيحًا؟
ما حكم صيام من كان يصوم وهو جُنُب جهلًا بالغسل وكيفيته؟
كيف يصح وضوء من يعمل في صناعة البويات والغراء؟ فأنا أعمل في تصنيع البويات والغراء وغيرها من مواد الدهان في أحد المصانع، فتلتصق هذه المواد على يدي أثناء العمل، ويتعذر مع ذلك إزالتها تمامًا لكلِّ وقتِ صلاةٍ، فهل يصح وضوئي مع وجود هذه المواد؟ علمًا بأنها كثيرًا ما تكون طبقة على البشرة.