حكم الانتفاع بالهاتف المرهون

تاريخ الفتوى: 16 يونيو 2026 م
رقم الفتوى: 9000
من فتاوى: فضيلة أ. د/ نظير محمد عياد - مفتي الجمهورية
التصنيف: الرهن
حكم الانتفاع بالهاتف المرهون

سائل يقول: أقرضت صديقي مبلغا من المال، وحل موعد سداده ولم يف به، وبعد إلحاحي في طلب الدين وخوفي من عدم قدرته على السداد رهن هاتفه لدي. فهل يجوز لي استخدام هذا الهاتف حتى يسدد ما عليه؟ وهل يجب علي حينئذ دفع أجرة عن مدة استخدامه؟ وهل يجب علي استئذانه في استخدامه؟

لا يجوز شرعًا انتفاع المرتهن بالعين المرهونة (الهاتف) متى كان سبب الرهن دينًا ناشئًا عن قرض ؛ لأنه حينئذ يصير من قبيل القرض الذي جر نفعًا، وهو منهي عنه شرعًا.

وإذا أراد المرتهن أن ينتفع بالعين المرهونة فإن المخرج في ذلك أن يقوم المرتهن باستئجار العين المرهونة من مالكها (الراهن)، وتَلزَمُ المرتهنُ حينئذٍ أجرة مقابل المنفعة يدفعها للراهن، فتنتفي بذلك شبهة الربا، ولا يكون من قبيل القرض الذي جر نفعًا، فأحدهما ورد على محل غير الآخر، فالإجارة على المنفعة، والرهن على الرقبة، وهو جائز شرعًا.

المحتويات:


فضل إعانة المحتاجين والتيسير على المعسرين

رَغّبَ الشرعُ الشريفُ في تفريج كُرَبِ المكروبين، وإغاثة الملهوفين، وإعانة المحتاجين، والتيسير على المعسرين، وجعل تفريج الكُربِ عن المسلمينَ في الدنيا سببًا من أسباب تفريج الكُربِ في الآخرةِ، فعن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ قَالَ: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» أخرجه الإمامان: البخاري واللفظ له، ومسلم.

قال العلامة النووي في "شرحه على صحيح مسلم" (17/ 21، ط. دار إحياء التراث العربي): [فيه فضل قضاء حوائج المسلمين ونفعهم بما تيسر من علم أو مال أو معاونة أو إشارة بمصلحة أو نصيحة وغير ذلك] اهـ.

بيان صورة عقد الرهن ومشروعيته في الإسلام

عقد الرهن من العقود المشروعة، وصورته: أن يجعل المدين عينًا ماليةً مملوكةً له وثيقةً بحق ثابت في ذمته، بحيث تكون هذه العينُ محبوسةً لاستيفاء ذلك الحق أو التوثق منه، فإن وفّى المدين ما عليه انحلَّ الرهن ورجعت العين إلى صاحبها، وإن تعذَّر الوفاء اسْتُوفِيَ الحق من ثمنها، قال العلامة الخطيب الشربيني في "مغني المحتاج" (3/ 38، ط. دار الكتب العلمية) في تعريف عقد الرهن: [جعل عين مال وثيقة بدين يستوفى منها عند تعذر وفائه] اهـ.

والدليل على مشروعيته قوله تعالى: ﴿ فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: 283]، وقد فعله سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم في أواخر حياته تعليمًا لأمته لا من فقر ولا حاجة، وانتقل إلى الرفيق الأعلى ودرعه مرهونة عند يهودي، فعَنْ أم المؤمنين السيدة عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: «تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عِنْدَ يَهُودِيٍّ بِثَلَاثِينَ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ» أخرجه الإمامان: البخاري واللفظ له، ومسلم.

قال العلامة بدر الدين العيني في "البناية" (12/ 466، ط. دار الكتب العلمية): [(وقد انعقد على ذلك) ش: أي على كون الرهن مشروعًا م: (الإجماع) ش: أي الأمة اجتمعت على جواز الرهن من غير نكير إلى يومنا هذا] اهـ.

وقد شرع عقد الرهن لحكمٍ جليلة ومقاصدَ عظيمة، منها: توثيق الديون وحفظ الحقوق، بحيث يطمئن الدائنُ إلى إمكان استيفاء حقِّه عند تعذُّر الوفاء بالدين، فعقد الرهن إنما شُرِعَ للاستيثاق لا للاستخدام والانتفاع، قال العلامة الطاهر ابن عاشور في "مقاصد الشريعة الإسلامية" (2/ 432، ط. وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية- قطر): [والحكمة من تشريع الرهن توثيق الديون. مثله في ذلك مثل الكفالة. فهذه توثق الدين شخصيًّا، والرهن يوثق ماليًّا. وهو طريق لتسهيل القروض] اهـ.

حكم انتفاع المرتهن بالعين المرهونة

الرهن يقوم على أركان أربعة هي: الراهن، والمرهون، والمرهون به، وصيغة العقد.

والشيء المرهون لا بد أن يكون عينًا، قال العلامة الغزالي في "الوسيط" (3/ 461، ط. دار السلام) عند الحديث عن الركن الأول من أركان عقد الرهن وهو المرهون: [الركن الأول في المرهون وفيه ثلاثة شرائط: الشرط الأول أن يكون عينا] اهـ.

والرهن إما أن يكون سببه القرض أو غيره، فإن كان سببه القرض كما في مسألتنا فاختلف الفقهاء في حكم انتفاع المرتهن (الدائن) بالعين المرهونة:

فذهب جمهور الفقهاء من الحنفية في قول، والمالكية، والشافعية، والحنابلة -وهو المختار للفتوى- إلى عدم جواز انتفاع المرتهن بالعين المرهونة ولو بإذن الراهن؛ لأن مقتضى الرهن ثبوت حق الحبس والاستيثاق للمرتهن دون حق الانتفاع، ولأن المرتهن يستوفي دينه كاملًا، فتكون المنفعة الحاصلة له زيادةً مجردةً عن المقابل، وهي في معنى الربا، كما أن منشأ هذا الانتفاع هو القرض، فيندرج تحت القرض الذي جر نفعًا للمقرض، وهو ممنوع شرعًا.

قال العلامة الحصكفي في "الدر المختار ومعه حاشية ابن عابدين" عند الحديث عن انتفاع المرتهن بالرهن: (6/ 482، ط. دار الفكر): [وقيل: لا يحل للمرتهن؛ لأنه ربا] اهـ.

قال محشيه العلامة ابن عابدين: [(قوله: وقيل لا يحل للمرتهن) قال في "المنح": وعن عبد الله بن محمد بن أسلم السمرقندي وكان من كبار علماء سمرقند أنه لا يحل له أن ينتفع بشيء منه بوجه من الوجوه وإن أذن له الراهن؛ لأنه أذن له في الربا لأنه يستوفي دينه كاملا فتبقى له المنفعة فضلا فيكون ربا، وهذا أمر عظيم] اهـ.

وقال العلامة الدردير في "الشرح الصغير ومعه حاشية الصاوي" (3/ 325، ط. دار المعارف): عند الحديث عن انتفاع المرتهن بالرهن: [لا في قرض، فلا يجوز؛ لأنه في البيع بيع وإجارة وهو جائز، وفي القرض سلف جر نفعًا، وهو لا يجوز] اهـ.

وقال العلامة الماوردي في "الحاوي الكبير" (6/ 247، ط. دار الكتب العلمية): [قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو أسلفه ألفا على أن يرهنه بها رهنا وشرط المرتهن لنفسه منفعة الرهن فالشرط باطل؛ لأن ذلك زيادة في السلف". قال الماوردي: صورتها في رجل اقترض من رجل ألفا على أن يعطيه بها رهنا معينا على أن له منافع الرهن، وهذا على ضربين: أحدهما: أن يشترط منافع الرهن ملكا لنفسه، فهذا قرض باطل؛ لأنه يجر منفعة، ورهن باطل، لأنه مشروط في قرض قد بطل] اهـ.

وقال العلامة ابن قدامة في "المغني" (4/ 290، ط. مكتبة القاهرة): [فإن أذن الراهن للمرتهن في الانتفاع بغير عوض، وكان دين الرهن من قرض، لم يجز؛ لأنه يحصل قرضا يجر منفعة، وذلك حرام] اهـ.

بينما ذهب الحنفية في المعتمد عندهم إلى جواز انتفاع المرتهن بالعين المرهونة إذا أذن له الراهن في ذلك، أما إذا لم يأذن فلا يجوز له الانتفاع بها، وعللوا الجواز عند وجود الإذن بأن العين المرهونة لا تزال مملوكة للراهن، فله أن يأذن لمن شاء في الانتفاع بملكه، كما أن سبب هذا الانتفاع هو إذن المالك لا القرض، فلا يكون من قبيل النفع الذي جرَّه القرض.

قال العلامة ابن عابدين في "رد المحتار" (6/ 482): [رأيت في "جواهر الفتاوى": إذا كان مشروطا صار قرضا فيه منفعة وهو ربا وإلا فلا بأس. اهـ ما في "المنح" ملخصا، وأقره ابنه الشيخ صالح. وتعقبه الحموي بأن ما كان ربا لا يظهر فيه فرق بين الديانة والقضاء، على أنه لا حاجة إلى التوفيق بعد؛ لأن الفتوى على ما تقدم: أي من أنه يباح. أقول: ما في "الجواهر" يصلح للتوفيق وهو وجيه] اهـ.

المخرج الشرعي لانتفاع المرتهن بالرهن

إذا كان الانتفاع بالعين المرهونة لا يجوز حيث كان سبب الرهن دينًا كما في صورة السؤال؛ لأنه يؤول إلى الربا، فإن المخرج في ذلك إذا رغب المرتهن في الانتفاع، أن يستأجر العين المرهونة، بحيث ينتفع بها مقابل أجرة يدفعها للراهن إذا اتفقا على ذلك وتوافقت عليه إرادتهما، فتنتفي بذلك شبهة الربا، كما أن عقد الرهن وارد على الرقبة، وعقد الإجارة وارد على المنفعة، فأحدهما ورد على محل غير الآخر، ويجوز شرعًا أن يتوارد عقدان على محل واحد، متى اختلف موردهما.

قال الشيخ محمد عليش في "منح الجليل" (5/ 447، ط. دار الفكر): [فإن قلت كيف يتصور إجارة الرهن لراهنه وهو ملكه وغلته له. قلت يتصور باكتراء المرتهن للرهن من راهنه ثم إكرائه له] اهـ.

وقال العلامة الزركشي في "المنثور في القواعد الفقهية" (2/ 411- 412، ط. وزارة الأوقاف الكويتية): [(لو) رهنه دارا (ثم آجرها منه فإنه يجوز، ولا يبطل به الرهن. جزم به الرافعي في كتاب الرهن، قال: وهكذا لو كان) (مُكْرًى) منه ثم رهنه يجوز؛ لأن أحدهما ورد على محل غير الآخر، فإن الإجارة على المنفعة، والرهن على الرقبة] اهـ.

الخلاصة

بناءً على ذلك وفي واقعة السؤال: فيمتنع شرعًا انتفاع المرتهن بالعين المرهونة (الهاتف) متى كان سبب الرهن دينًا ناشئًا عن قرض ؛ لأنه حينئذ يصير من قبيل القرض الذي جر نفعًا، وهو منهي عنه شرعًا، وإذا أراد المرتهن أن ينتفع بالعين المرهونة فإن المخرج في ذلك أن يقوم المرتهن باستئجار العين المرهونة من مالكها (الراهن)، وتَلزَمُ المرتهنُ حينئذٍ أجرة مقابل المنفعة يدفعها للراهن، فتنتفي بذلك شبهة الربا، ولا يكون من قبيل القرض الذي جر نفعًا، فأحدهما ورد على محل غير الآخر، فالإجارة على المنفعة، والرهن على الرقبة، وهو جائز شرعًا.

والله سبحانه وتعالى أعلم.

ما حكم سداد الدين المؤجل عند وفاة الدائن وقبل حلول الأجل؟ فقد اقترض رجلٌ من آخَر مبلغًا من المال، واتفق معه على أن يرد إليه المبلغ كاملًا بعد ثلاثة أشهر، ولكن المقرِض مات بعد شهر واحد، فجاء ورثته يطالبون بسداد الدَّين على الفور باعتباره قد أصبح مالَهم، فهل يحق لهم تعجيل قبض الدَّين قبل موعده؟


سائل يقول: أقرضت صديقي مبلغا من المال، وحل موعد سداده ولم يف به، وبعد إلحاحي في طلب الدين وخوفي من عدم قدرته على السداد رهن هاتفه لدي. فهل يجوز لي استخدام هذا الهاتف حتى يسدد ما عليه؟ وهل يجب علي حينئذ دفع أجرة عن مدة استخدامه؟ وهل يجب علي استئذانه في استخدامه؟


ما حكم بيع العملات الأجنبية وشرائها عبر الإنترنت؟ وهل يختلف الحكم لو كان القبض فوريًّا عمَّا لو كان بعد خمسة أيام مثلًا؟


سائل يسأل عن الحكم الشرعي للقروض التي تقدمها الدولة للشباب؛ بحيث تكون فرصة لعمل مشروعات إنتاجية، علمًا بأن عليها فائدة؟


ما حكم رهن الأسهم للحصول على قرض؟


ما حكم اشتراط الزيادة في رد القرض بين الأشخاص؟ حيث يريد أحد الأشخاص أن يستلف منّي مبلغًا من المال، وأرغب في أن أشترط عليه ردّ المبلغ بزيادة كما يحدث في البنوك. فهل هذا جائز شرعًا؟


مَواقِيتُ الصَّـــلاة

القاهرة · 14 يوليو 2026 م
الفجر
4 :20
الشروق
6 :3
الظهر
1 : 1
العصر
4:37
المغرب
7 : 58
العشاء
9 :29