ما حكم تركيب اللولب أو استخدام أي وسيلة من وسائل منع الحمل الحديثة بشكل مُؤقَّت لتنظيم النسل؟ وهل يشترط رضا كلا الزوجين أو لا؟
استخدام وسائل منع الحمل المختلفة لتنظيم النسل جائز شرعًا ولا حرج فيه، بشرط موافقة الزوجين عليه، وألا يترتب على استخدام هذه الوسائل أي ضرر على الصحة في العاجل أو الآجل، وأن يتم ذلك تحت إشراف الطبيب المختص، وإن كان هناك ضرر لأي من الزوجين، فيجوز له ذلك -أي تنظيم النسل أو استخدام الوسائل التي تمنع الحمل- ولو لم يأذن الطرف الآخر، رفعًا للضرر، ودرءًا للمفسدة، فالضرر يزال، ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح.
المحتويات
"تنظيم النسل"، أو ما يُعْرَف بـ"تنظيم الأسرة" معناه: "أن يتخذ الزوجان باختيارهما واقتناعهما الوسائل الطبية أو الطبيعية التي من شأنها تقليل احتمال حدوث الحمل أو منعه لوقت معين، من أجل تحقيق مصلحة معتبرة للأسرة أو للأم أو للطفل".
استخدام وسائل منع الحمل المختلفة لتنظيم الأسرة وفق المعنى المذكور أمر جائز ما دام هناك أسباب معتبرة شرعًا تدعو إلى تأخير الإنجاب، وذلك بالقياس على جواز "العزل"-وهو عدم إنزال الرجل المني أثناء الجماع داخل فرج زوجته حتى لا تَحْمَل-، وبشرط أن لا يترتب على هذا التأخير ضررٌ، فقد اتفق جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة على أنَّ العزلَ مباحٌ في حالة الاتفاق بين الزوجين ما لم يترتب عليه ضرر، فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: «كُنَّا نَعْزِلُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم، فَبَلَغَ ذَلِكَ نَبِيَّ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم فَلَمْ يَنْهَنَا» متفق عليه، واللفظ لمسلم. ولو كان العَزْل حرامًا؛ لنهاهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن فعله، قال الحافظ ابن حَجَر العَسْقلاني في "فتح الباري" (9/ 306، ط. دار المعرفة-بيروت): [فكأنه يقول: فعلناه في زمن التشريع ولو كان حرامًا لم نقرّ عليه] اهـ.
ويشترط موافقة الزوجين على ذلك -أي تنظيم النسل- ما لم يكن هناك عذر أو ضرر، فلا يجوز لأي من الزوجين منع الحمل دون رضا الطرف الآخر، فعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعزل عن الحرة إلا بإذنها» رواه ابن ماجه.
قال الإمام الجصاص الحنفي في "شرح مختصر الطحاوي" (4/ 444، ط. دار البشائر الإسلامية): [وليس للرجل أن يعزل عن زوجته الحرَّة إلا بإذنها] اهـ.
وقال الإمام ابن عبد البر في "الكافي في فقه أهل المدينة" (2/ 563، ط. مكتبة الرياض الحديثة): [وليس له أن يعزل عن المرأة إلا بإذنها] اهـ.
وقال الإمام البغوي في "التهذيب" (5/ 425، ط. دار الكتب العلمية): [العزلُ: هو أن يُولج في الفرج، فإذا قارب الإنزال، نزع فأنزل دون الفرج، فهذا جائز في مملوكته، حتى لا يذهب ماله، وفي زوجته الأمة حتى لا يكون ولده رقيقًا، أما في زوجته الحرة يجوز بإذنها] اهـ.
وقال العلامة البهوتي الحنبلي في "كشاف القناع" (5/ 189، ط. عالم الكتب): [(ويحرم العزل عن الحرة إلا بإذنها)؛ لما روي عن عمر رضي الله عنه قال: "نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَ أَنْ يُعْزَلَ عَنِ الْحُرَّةِ إلَّا بِإِذْنِهَا" رواه أحمد وابن ماجه، ولأنَّ لها في الولد حقًّا، وعليها في العزل ضرر، فلم يَجُزْ إلا بإذنها، ومعنى العزل أن ينزع إذا قرب الإنزال فيُنزِل خارجًا عن الفرج] اهـ.
كما أن رضا الطرفين على هذا الأمر -أي تنظيم النسل- هو من تمام العشرة بالمعروف والمودة والرحمة بين الزوجين، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: 21].
قال الإمام البغوي في تفسيره (6/ 266، ط. دار طيبة): [جعل بين الزوجين المودة والرحمة فهما يتوادان ويتراحمان، وما شيء أحب إلى أحدهما من الآخر من غير رحم بينهما] اهـ.
وينبغي مراعاة حال الزوجين في ذلك، فقد يكون الزوج معسرًا لا يقدر على تربية أكثر من طفل ورعايته رعاية متكاملة من غير خَلَلٍ، وقد تكون الزوجة مريضة يضرها الحمل، فلا يجبر كل منهما على الإنجاب ويجوز لهما الامتناع عنه درءًا للضرر، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: 195]. والتهلكة: مصدرٌ مِن هلك يَهْلِك هَلَاكًا وهُلْكًا وتَهْلِكةً، أي: لا تأخذوا فيما يهلككم، والحق أن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فكل ما صدق عليه أنَّه تهلكة في الدِّين أو الدنيا فهو داخل في هذا، كما في "فتح القدير" للعلامة الشوكاني (1/ 222، ط. دار ابن كثير).
وقال الإمام الطَّبَرِي في "جامع البيان" (3/ 323، ط. دار هجر): [إنَّ الله نَهى عن الإلقاء بأيدينا لما فيه هلاكنا، والاستسلام للهلكة] اهـ.
قال العلامة الحصكفي في "الدر المختار شرح تنوير الأبصار وجامع البحار" (ص: 197، ط. دار الكتب العلمية): [(ويعزل عن الحرة) وكذا المكاتبة "نهر" بحثا (بإذنها) لكن في "الخانية" أنه يباح في زماننا لفساده، قال الكمال: فليعتبر عذرا مسقطا لإذنها] اهـ.
وقال العلامة ابن عابدين في حاشيته "رد المحتار على الدر المختار" (3/ 176، ط. دار الفكر): [(قوله: لكن في "الخانية") عبارتها على ما في "البحر": ذكر في "الكتاب" أنه لا يباح بغير إذنها، وقالوا في زماننا: يباح لسوء الزمان. اهـ . (قوله: قال الكمال) عبارته: وفي الفتاوى إن خاف من الولد السوء في الحرة يسعه العزل بغير رضاها لفساد الزمان، فليعتبر مثله من الأعذار مسقطًا لإذنها. اهـ. فقد علم مما في "الخانية" أن منقول المذهب عدم الإباحة، وأن هذا تقييد من مشايخ المذهب لتغير بعض الأحكام بتغير الزمان، وأقره في "الفتح" وبه جزم القهستاني أيضًا حيث قال: وهذا إذا لم يخف على الولد السوء لفساد الزمان وإلا فيجوز بلا إذنها. اهـ. لكن قول "الفتح": "فليعتبر مثله.. إلخ" يحتمل أن يريد بالمثل ذلك العذر، كقولهم: مثلك لا يبخل. ويحتمل أنه أراد إلحاق مثل هذا العذر به؛ كأن يكون في سفرٍ بعيدٍ، أو في دار الحرب فخاف على الولد، أو كانت الزوجة سيئة الخلق ويريد فراقها فخاف أن تحبل، وكذا ما يأتي في إسقاط الحمل عن ابن وهبان فافهم] اهـ.
واستخدام وسائل منع الحمل المختلفة في عملية تنظيم النسل مشروط بألا يترتب على استخدام هذه الوسائل أي ضرر على صحة المرأة في العاجل أو الآجل، وأن يتم ذلك تحت إشراف الطبيب المختص، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» رواه ابن ماجه.
ولا بد في استخدام أي وسيلة من وسائل منع الحمل من أن يتم ذلك تحت إشراف الطبيب المختص، فقد أفادت منظمة الصحة العالمية بأن استخدام الوسيلة غير المناسبة أو استخدام الوسيلة بشكل خطأ يضر بالصحة، كما أنه يتوقف اختيار الوسيلة المناسبة على صحة كل فرد وتفضيلاته واحتياجاته.
بناءً على ما سبق وفي واقعة السؤال: فاستخدام وسائل منع الحمل المختلفة لتنظيم النسل جائز شرعًا ولا حرج فيه، بشرط موافقة الزوجين عليه، وألا يترتب على استخدام هذه الوسائل أي ضرر على الصحة في العاجل أو الآجل، وأن يتم ذلك تحت إشراف الطبيب المختص، وإن كان هناك ضرر لأي من الزوجين، فيجوز له ذلك -أي تنظيم النسل أو استخدام الوسائل التي تمنع الحمل- ولو لم يأذن الطرف الآخر، رفعًا للضرر، ودرءًا للمفسدة، فالضرر يزال، ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
ما حدود الابن من الرضاعة؟ وما هي حقوقه؟
ما حكم التحدث مع المعالج النفسي في أمور خاصة بالزوجية؟ فأنا أعاني ضغوطًا نفسية هائلة في الفترة الأخيرة، مما اضطرني إلى الذهاب لمعالج نفسي، والذي يتيح عمل جلسات للعلاج النفسي، وفي أثناء جلسات العلاج يتطلب الأمر أحيانًا الكلام في مسائل خاصة بالأمور الزوجية، فما حكم ذلك؟
ما حكم استخدام التوكيل في نقل ملكية عقارات الوالد الذي يسيء التصرف دون علمه؟ فقد قام والدي بعمل توكيل عام لي، وقد كبر في السن جدًّا، وعنده أموال وممتلكات، وأصبح لا يحسن التصرف في تلك الأملاك، فهل يجوز استخدام هذا التوكيل في نقل ما يملكه لي وجعله باسمي دون علمه؟
ما حكم العقيقة؟ وهل يستوي فيها الذكر والأنثى؟ وما كيفية توزيعها؟ وما حكم المستطيع الذي ترك العقيقة عن أولاده؟
ما حكم حج الحامل و المرضِع؟ فهناك امرأتان: إحداهما حاملٌ، والأخرى مُرضِع، وتسألان: هل يجوز لهما أداء فريضة الحج؟
رجل يعامل إحدى بناته المتزوجة معاملة سيئة جدًّا بلا سبب، لدرجة أنَّه لا يذهب لزيارتها، وعندما تأتي لزيارة أسرتها يقوم ببعض التصرفات التي تبين غضبه من وجودها، وعندما تمتنع عن زيارتها لبيت أبيها تقوم والدتها وإخوتها بزيارتها فيعترض الأب على زيارتهم لها ويمنعهم من زيارتها مرة أخرى؛ فما رأي الدين في تلك التصرفات والمعاملة التي يعامل بها الأب بنته؟