ما حكم عدم الوفاء بكامل الثمن بعد انتهاء العمل حال الاتفاق على أجرة زائدة عن أجرة المثل؟ فقد ضاع مفتاح سيارتي، وطلبت من يصنع لي واحدًا آخر، وتم الاتفاق على مبلغ 400 جنيه أجرة، علمًا بأنه لا يساوي أكثر من 100 جنيه، فأعطيته 200 جنيه، وحلفت له أنني سأرسل له الباقي عبر فودافون كاش. فهل يلزمني الوفاء؟
الاتفاق على صنع مفتاح السيارة مقابل أجرة معلومة يُعد عقدًا صحيحًا، سواء كُيِّف على أنه إجارة على عمل أو من قبيل الاستصناع، وفي كلا الحالين يلزم الوفاء بالعوض المتفق عليه بعد تمام العمل وتسليمه؛ لأن العقود الصحيحة مبناها على التراضي، والأجرة إذا سُمِّيت واستوفي العمل بموجبها استقرت في الذمة.
ولا يقدح في ذلك كون الأجرة أعلى من أجرة المثل؛ إذ إن مجرد فرق السعر لا يُعد غبنًا مؤثرًا ما دام قد وقع التراضي مع العلم، وإنما الغبن المؤثر ما كان ناشئًا عن تدليس أو استغلال جهل بالقيمة. وعليه: فيلزم السائل الوفاء بباقي الأجر المتفق عليه.
المحتويات:
تقرّر في الشرع الشريف أن العقود التي تبرم بين الناس على وجهٍ صحيح مستوفٍ لأركانها وشروطها تكون لازمةً لأطرافها، ويجب الوفاء بما تضمنته من حقوق والتزامات، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [سورة المائدة: 1].
قال الإمام الطبري في "تفسيره" (9/ 447، ط. دار التربية والتراث): [يعني: أوفوا بالعهود التي عاهدتموها ربَّكم، والعقود التي عاقدتموها إياه، وأوجبتم بها على أنفسكم حقوقًا، وألزمتم أنفسكم بها لله فروضًا، فأتمُّوها بالوفاء والكمال والتمام منكم لله بما ألزمكم بها، ولمن عاقدتموه منكم، بما أوجبتموه له بها على أنفسكم، ولا تنكُثُوها فتنقضوها بعد توكيدها] اهـ.
لما كانت المعاملة المسؤول عنها تتضمن قيام الصانع بصنع مفتاحٍ جديدٍ للسيارة، وتقديم المادة والعمل معًا وفق المواصفات المطلوبة؛ فإن هذه المعاملة تُكيَّف على أنها إجارة على عمل، وإن أمكن النظر إليها من جهة اشتمالها على المادة والعمل معًا باعتبارها قريبةً من صور الاستصناع عند الحنفية؛ إلا أن الحكم لا يختلف من حيث وجوب الوفاء بالعوض المتفق عليه متى صح العقد وتم العمل.
والإجارة شرعًا هي: عقد على منفعة مقصودة معلومة قابلة للبذل والإباحة بعوض معلوم، كما قرر شيخ الإسلام زكريا الأنصاري في "أسنى المطالب" (2/ 403، ط. دار الكتاب الإسلامي).
وهي من العقود المشروعة المتفق عليها من المذاهب الفقهية، ويُشترط لصحتها كون العمل معلومًا مباحًا، والأجرة معلومة عند التعاقد.
قال الإمام الموصلي الحنفي في "الاختيار لتعليل المختار" (2/ 51، ط. الحلبي) في بداية كتاب الإجارة: [قال: (ولا بد من كون المنافع والأجرة معلومة) قطعًا للمنازعة] اهـ.
وقال الإمام القرافي في "الذخيرة" (5/ 396، ط. دار الغرب الإسلامي): [المنفعة ولها ثمانية شروط: أن تكون مباحة جائزة الدفع للعبد متقومة مملوكة غير متضمنة استيفاء عين بالأصالة مقدورًا على تسليمها حاصلة للمستأجر معلومة] اهـ.
وقال العلامة ابن جُزي المالكي في "القوانين الفقهية" (ص: 460، ط. دار ابن حزم): [فأما الأجرة ففيها مسألتان: (المسألة الأولى): أن تكون معلومة] اهـ.
وقال العلامة الخطيب الشربيني في "الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع" (2/ 348، ط. دار الفكر): [وإنما تصح إجارة ما أمكن الانتفاع به مع هذه الشروط (إذا قدرت منفعته) في العقد (بأحد أمرين)، الأول: أن يكون بتعيين (مدة) في المنفعة المجهولة القدر كالسكنى والرضاع وسقي الأرض ونحو ذلك، إذ السكنى وما يشبع الصبي من اللبن وما تروى به الأرض من السقي يختلف ولا ينضبط، فاحتيج في منفعته إلى تقديره بمدة (أو) أي والأمر الثاني بتعيين محل (عمل) في المنفعة المعلومة القدر في نفسها كخياطة الثوب والركوب إلى مكان، فتعيين العمل فيها طريق إلى معرفتها] اهـ.
وقال (2/ 349): [وشرط في الأجرة وهي الركن الرابع ما مر في الثمن، فيشترط كونها معلومة جنسًا وقدرًا وصفة إلا أن تكون معينة، فيكفي رؤيتها] اهـ.
وقال العلامة أبو النجا الحجاوي الحنبلي في "زاد المستقنع" (ص: 126- 127، ط. دار الوطن): [باب: الإجارة تصح بثلاثة شروط: معرفة المنفعة كسكنى دار وخدمة آدمي "وتعليم علم". الثاني: معرفة الأجرة، وتصح في الأجير والظئر بطعامهما وكسوتهما، وإن دخل حمامًا أو سفينة أو أعطى ثوبه قصارًا أو خياطًا بلا عقد صح بأجرة العادة. الثالث: الإباحة في العين، فلا تصح على نفع محرم كالزنا] اهـ.
والأصل وجوب الوفاء بالأجرة المسماة متى تم استيفاء المنفعة؛ لأن الأجرة في عقود المعاوضات تقابل المنفعة المستوفاة، وقد تحقق الاستيفاء هنا بإنجاز العمل وتسليمه وفق المتفق عليه، فاستقرت الأجرة المسماة في الذمة وجوبًا، ولا يُعدل عنها لأجرة المثل؛ إذ لا يُرجع إليها إلا عند عدم تسمية الأجرة، أو فساد التسمية، أو تعذر العمل بها لسبب معتبر.
قال الملا خسرو في "درر الحكام شرح غرر الأحكام" (2/ 226، ط. دار إحياء الكتب العربية) متكلمًا في موجبات الأجرة: [(أو الاستيفاء) أي استيفاء المنفعة المعقود عليها، فإن الأجر حينئذ يجب أيضًا] اهـ.
وقال الإمام المرغيناني الحنفي في "الهداية" (3/ 231، ط. دار إحياء التراث العربي): [وإذا استوفى المنفعة يثبت الملك في الأجر؛ لتحقق التسوية] اهـ.
وقال العلامة الصاوي في "بلغة السالك" (4/ 74، ط. دار المعارف): [(الأحوال التي تستحق فيها الأجرة بتمام العمل) قوله: (وهي إجارة لازمة بالعقد لا جعالة): أي ما لم يصرح عند العقد بالجعالة] اهـ.
وقال العلامة ابن حجر الهيتمي الشافعي في "تحفة المحتاج" (5/ 211، ط. المكتبة التجارية الكبرى): [موافقته على الأجرة بمنزلة ابتداء عقد الإجارة، ومعلوم أنه إذا عقد بشيء ابتداء ليس له الرجوع عنه] اهـ.
وقال العلامة المرداوي الحنبلي في "الإنصاف" (6/ 81، ط. دار إحياء التراث العربي): [تستحق الأجرة كاملة بتسليم العين، أو بفراغ العمل الذي بيد المستأجر، أو ببذلها على الصحيح من المذهب] اهـ.
وإن كان الأصل في تقدير الأجرة في عقود المعاوضات المالية هو تراضي المتعاقدين؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 29]، فإن هذا التراضي لا يرفع وجوب اجتناب الاستغلال في المعاملات، سواء أكانت بيعًا أم إجارةً أم غيرهما، غير أن مجرد الزيادة في الأجرة على المثل لا يقدح في لزوم العقد بعد انعقاده صحيحًا، ولا يبيح الامتناع عن الوفاء به مع العلم بالأجرة والرضا بها.
وعليه: فإذا كان المتعاقد قد وافق على الأجرة وهو عالم بها وقت التعاقد، ثم أتم الصانع العمل المطلوب وسلمه على الوجه المتفق عليه، فلا يجوز بعد استيفاء المنفعة عدم الالتزام المتفق عليه؛ لما فيه من إخلال بالأجرة المسماة المشترطة في العقد والتي يجب الوفاء بها؛ فقد أخرج الإمام أبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم قال: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ».
قال الإمام شهاب الدين ابن رسلان الرملي في "شرح سنن أبي داود" (14/ 655، ط. دار الفلاح): [أي: ثابتون عليها وواقفون عليها لا يرجعون عنها، وهذا اللائق بهم] اهـ.
ولا يمنع من التزام المستأجر بباقي الأجرة كونها زائدة عن أجرة المثل؛ وذلك لأن الزيادة المؤثرة هي الزيادة الفاحشة القائمة على استغلال جهل الطرف الثاني بحقيقة الأمر، إما لعدم خبرته أو بُعده عن المكان وجهله بالثمن الحقيقي، وهو ما يعرف بالغبن، أما إن علم المستأجر بالقيمة الحقيقة ورضي بما زاد عنها كما في صورة السؤال فلا ضير حينئذ لعدم الجهل؛ إذ كان بإمكانه ألا يرضى بما زاد عن أجرة المثل، أو أن يلجأ إلى غيره.
قال العلامة خليل في "التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب" (5/ 491، ط. مركز نجيبويه للمخطوطات وخدمة التراث): [الغبن: بفتح الغين وسكون الباء عبارة عن اشتراء السلعة بأكثر مما جرت العادة أن الناس لا يتغابنون بمثله أو اشترائها كذلك، وأما ما جرت العادة به فلا يوجب ردًّا اتفاقًا] اهـ.
وقال الإمام النووي في "روضة الطالبين وعمدة المفتين" (3/ 472، ط. المكتب الإسلامي): [لو اشترى زجاجة بثمن كثير يتوهمها جوهرة، فلا خيار له، ولا نظر إلى ما يلحقه من الغبن؛ لأن التقصير منه حيث لم يراجع أهل الخبرة] اهـ.
بناءً على ما سبق، وفي واقعة السؤال: فإن الاتفاق على صنع مفتاح السيارة مقابل أجرة معلومة يُعد عقدًا صحيحًا، سواء كُيِّف على أنه إجارة على عمل أو من قبيل الاستصناع، وفي كلا الحالين يلزم الوفاء بالعوض المتفق عليه بعد تمام العمل وتسليمه؛ لأن العقود الصحيحة مبناها على التراضي، والأجرة إذا سُمِّيت واستوفي العمل بموجبها استقرت في الذمة.
ولا يقدح في ذلك كون الأجرة أعلى من أجرة المثل؛ إذ إن مجرد فرق السعر لا يُعد غبنًا مؤثرًا ما دام قد وقع التراضي مع العلم، وإنما الغبن المؤثر ما كان ناشئًا عن تدليس أو استغلال جهل بالقيمة. وعليه: فيلزم السائل الوفاء بباقي الأجر المتفق عليه وقدره (200 جنيه).
والله سبحانه وتعالى أعلم.
ما حكم أن يصدق الإنسان أو يعتقد أن يتشاءم أو يتوهم أن يصيبه مرض أو موت أو غيره من الأعداد، أو من السنين، أو من الشهور، أو من الأيام، أو من الأوقات، أو من دخول بيت، أو من لبس ثوب، أو من غيره؟
ما حكم النداء على المفقود عبر مكبرات الصوت بالمسجد؟ فقد حدث خلافٌ كبيرٌ في بلدتنا إثر نداء أحد العامة على طفل مفقود باستخدام مكبرات الصوت بالمسجد الكبير في البلدة؛ تلبيةً لاستغاثة أمه التي كاد قلبها ينفطر من البكاء، فاختلف الناس في أمر هذا النداء بين مؤيد ومعارض، حتى وصل الخلاف إلى حدِّ الاتهام في الدين والإيمان، فالمعارضون يستدلون بحديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إذا رأيتم الرجل ينشُد ضالته في المسجد فقولوا له: لا ردها الله عليك»، ويستدلون أيضًا بأن المساجد ما جُعلت لذلك، وإنما جُعِلت للعبادة، ويرون أن هذا ليس من العبادة.
والمؤيدون يستدلون بأن حفظ النفس من مقاصد التشريع، وأن هذه نفس مفقودة، ومن مقاصد التشريع أيضًا حفظ العقل والدين، ومن يكون في هذا الموقف يكاد يطير عقله، واستدل المؤيدون أيضًا بأن هذا الدين دين رحمة وسماحة، وأن المقصود بالضالة في الحديث: البهائم وما في حكمها كما ورد في سبب الحديث، وأن حرمة الإنسان أعظمُ من حرمة البنيان كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم للكعبة: «ما أعظم حرمتَك عند الله! وَلَدَمُ امرئ مسلم أعظمُ حرمةً منكِ».
تقول السائلة: تقدمت للحصول على عقد عمل بإحدى الدول، وكان من شروط الحصول على هذا العقد أن يكون المتقدم حاصلًا على شهادة "الماجستير"، ولم أكن حاصلة على هذه الشهادة، فقمت بتزويرها، وأنا أعمل بهذا العقد منذ ثلاث سنوات؛ فما حكم عملي؟ وما حكم المال الذي اكتسبته من هذا العمل؟
ما حكم الوقوف مع الصمت لمدة دقيقة مثلًا حدادًا وتكريمًا لأرواح شخصيات تحظى باحترام المجتمع؛ كالعلماء الربانيين والمناضلين من أجل الحق، والشهداء والزعماء المصلحين؟
ما حكم الالتزام باللوائح والقوانين المنظمة للعمل؟ وهل هذا يُعدُّ من الواجبات شرعًا؟
هل يجوز لرجل مسلم أن يكذب ويُدلي بمعلومات خاطئة عن راتبه وعن دخله الذي يتقاضاه من أجل التهرب من الضرائب التي فرضتها الدولة؟ ويطلب السائل بيان الحكم الشرعي في هذا الموضوع.