سائل يقول: توفي رجلٌ، وكان له ولد عاق به، وأوصى بحرمانه من الميراث، فما حكم هذه الوصية شرعًا؟ وهل يرث هذا الولد في تركة والده، أو يمنع من الميراث بتلك الوصية؟
عقوق الوالدين محرمٌ شرعًا ومن كبائر الذنوب، وبرهما واجب على الأبناء، إلا أن العقوق لا يمنع استيفاء الحقوق شرعًا، ومن تلك الحقوق الإرث الذي يدخل في مِلك الإنسان جبرًا، ولا يد للوارث أو المورث فيه، ومن ثَمَّ فإن ما أوصى به الرجل المذكور من حرمان ابنه العاق من الميراث لا يصح شرعًا، ويحق لهذا الولد نصيبه في الميراث ما لم يكن هناك مانع من موانع الإرث، وعليه أن يتدارك ما فاته من بر والده في حياته بعد وفاته، بالاستغفار له، والتصدق عليه، وصلة رحمه، ونحو ذلك من الأعمال الصالحة التي تعود على والده بالنفع بعد موته.
المحتويات:
من المقرر شرعًا أن عقوق الوالدين أو أحدهما من كبائر الذنوب، وأن برهما واجب على الأبناء، قال الله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: 23- 24].
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سُئِلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم عن الكبائر، قال: «الْإِشْرَاكُ بِاللهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَينِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ» متفق عليه.
قال الإمام النووي في "شرح صحيح مسلم" (16/ 104، ط. دار إحياء التراث العربي): [أجمع العلماء على الأمر ببر الوالدين، وأنَّ عقوقهما حرام من الكبائر] اهـ.
بر الوالدين لا يقتصر على حياتهما بل يمتد لما بعد الوفاة أيضًا، ومن ثَمَّ فعلى من فاته شيءٌ من بر والديه حال حياتهما أن يتدارك برهما بعد وفاتهما، لما روي عن مالك بن ربيعة الساعدي قال: بينا نحن عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، إذ جاءه رجل من بني سلمة، فقال: يا رسول الله، هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما؟ قال «نَعَم، الصَّلَاةُ عَلَيْهِمَا، وَالِاسْتِغْفَارُ لَهُمَا، وَإِنْفَاذُ عَهْدِهِمَا مِنْ بَعْدِهِمَا، وَصِلَةُ الرَّحِمِ الَّتِي لَا تُوصَلُ إِلَّا بِهِمَا، وَإِكْرَامُ صَدِيقِهِمَا» أخرجه الإمام أبو داود.
إذا تقرر حرمة العقوق وأنه كبيرة من الكبائر التي يحاسب عليها العبد، إلا أنه مع ذلك ليس مانعًا من موانع الإرث؛ لأن موانع الإرث المتفق عليها تتمثل في: القتل، والرق -وهذا ليس موجودًا في زماننا-، واختلاف الدين، كما نص على ذلك الإمام الرحبي في أرجوزته المسماة بـ"الرحبية" (ص: 3، ط. دار المطبوعات الحديثة)، حيث قال:
ويَمْنَعُ الشخصَ من الميراثِ واحدةٌ من عِلَلٍ ثلاثِ
رِقٌّ وقتلٌ واختلافُ دينِ فافهم فليس الشكُّ كاليقينِ
وهو ما أخذ به قانون الميراث المصري الصادر برقم 77 لسنة 1943م، في المادتين (5، 6)، حيث جاء فيهما ما نصه:
[مادة (5): من موانع الإرث قتل المورث عمدًا، سواء أكان القاتل فاعلًا أصليًّا أم شريكًا أم كان شاهد زور أدت شهادته إلى الحكم بالإعدام وتنفيذه إذا كان القتل بلا حق ولا عذر وكان القاتل عاقلًا بالغًا من العمر خمس عشرة سنة. ويُعد من الأعذار تجاوز حق الدفاع الشرعي.
مادة (6): لا توارث بين مسلم وغير مسلم، ويتوارث غير المسلمين بعضهم من بعض، واختلاف الدارين لا يمنع من الإرث بين المسلمين ولا يمنع بين غير المسلمين إلا إذا كانت شريعة الدار الأجنبية تمنع مـن توريث الأجنبي منها] اهـ.
ومن ثَمَّ فإن العقوق لا يمنع الحقوق ولا يعد من موانع الميراث، خاصة وأن الميراث حق جبري يثبت للإنسان بحكم الشرع من غير إرادة للوارث أو المورث نفسه، وهذا ما وردت به نصوص الفقهاء.
قال الإمام المرغيناني في "الهداية" (4/ 515، ط. دار إحياء التراث العربي) عند بيان ما يدخل في ملك الإنسان جبرًا أو اختيارًا: [أما الوراثة فخلافةٌ حتى يثبت فيها هذه الأحكام، فيثبت جبرًا من الشرع من غير قبول] اهـ.
وقال العلامة الدسوقي في "حاشيته على الشرح الكبير" (3/ 398، ط. دار الفكر) في معرض كلامه عن التملك بإقرار الغير: [لأنه لا يدخل مال الغير في ملك أحد جبرًا فيما عدا الميراث] اهـ.
وقال العلامة ابن حجر الهيتمي في "تحفة المحتاج" (7/ 404، ط. المكتبة التجارية الكبرى): [لا يملك قهرًا غير الإرث] اهـ.
وقال العلامة البهوتي في "كشاف القناع" (5/ 141، ط. دار الفكر): [(ويدخل في ملكه قهرًا ولو لم يختره) أي: يختر تملكه (كالميراث)] اهـ.
ولأجل ذلك فإن حرمان أحد الورثة من إرثه في مورثه أو التحايل على فعل ذلك هو أمر محرم شرعًا؛ لكونه تعديًا على حد من حدود الله تعالى القائل في محكم التنزيل: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [النساء: 13- 14].
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَنْ فَرَّ مِنْ مِيرَاثِ وَارِثِهِ، قَطَعَ اللهُ مِيرَاثَهُ مِنَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» أخرجه الإمام ابن ماجه.
قال الإمام المناوي في "فيض القدير" (6/ 186، ط. المكتبة التجارية الكبرى): [«مَنْ فَرَّ مِنْ مِيرَاثِ وَارِثِهِ» بأن فعل ما فوت بإرثه عليه في مرض موته «قَطَعَ اللهُ مِيرَاثَهُ مِنَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» أفاد أن حرمان الوارث حرامٌ بل قضية هذا الوعيد أنه كبيرة وبه صرح الذهبي وغيره] اهـ.
كما أن الشرع الحنيف قد أرشدنا إلى أن الإنسان لا يعلم يقينًا أي الأبناء أنفع له في دينه ودنياه حتى يعطيه من ميراثه أو يمنعه، فقال تعالى في محكم التنزيل: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: 11].
قال الإمام الطبري في "جامع البيان في تأويل القرآن" (7/ 48، ط. مؤسسة الرسالة): [﴿لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾، أعطوهم حقوقهم من ميراث ميتهم الذي أوصيتكم أن تُعطُوهُمُوهَا، فإنكم لا تعلمون أيهم أدنى وأشد نفعًا لكم في عاجل دنياكم وآجل أُخراكم] اهـ.
فإذا ثبت أن حرمان مستحق للإرث من الميراث من الأمور المحرمة شرعًا، فإن الوصية به أيضًا لا تصح؛ لأن في تنفيذها إعانةً على المعصية وتلبسًا بها، وهو أمر محرمٌ شرعًا.
قال الإمام ابن حزم في "مراتب الإجماع" (ص: 113، ط. دار الكتب العلمية): [واتفقوا أن الوصية بالمعاصي لا تجوز، وأن الوصية بالبر وبما ليس برًّا ولا معصيةً ولا تضييعًا للمال جائزةٌ] اهـ.
وقال الإمام ابن قدامة في "المغني" (6/ 218، ط. مكتبة القاهرة): [ولا تصح الوصية بمعصيةٍ وفعلٍ مُحرَّمٍ، مسلمًا كان الموصي أو ذميًّا] اهـ.
وقد نصت المادة رقم (3) من قانون الوصية المصري الصادر برقم 71 لسنة 1946م، على أنه: [يشترط في صحة الوصية ألا تكون بمعصية، وألا يكون الباعث عليها منافيًا لمقاصد الشرع] اهـ.
بناءً على ذلك وفي واقعة السؤال: فإن عقوق الوالدين محرمٌ شرعًا ومن كبائر الذنوب، وبرهما واجب على الأبناء، إلا أن العقوق لا يمنع استيفاء الحقوق شرعًا، ومن تلك الحقوق الإرث الذي يدخل في مِلك الإنسان جبرًا، ولا يد للوارث أو المورث فيه، ومن ثَمَّ فإن ما أوصى به الرجل المذكور من حرمان ابنه العاق من الميراث لا يصح شرعًا، ويحق لهذا الولد نصيبه في الميراث ما لم يكن هناك مانع من موانع الإرث، وعليه أن يتدارك ما فاته من بر والده في حياته بعد وفاته، بالاستغفار له، والتصدق عليه، وصلة رحمه، ونحو ذلك من الأعمال الصالحة التي تعود على والده بالنفع بعد موته.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
ما حكم الوصية بحرمان الولد من الميراث؟ فهناك رجلٌ له بنت، وله ورثة آخرون، قال في حال صحته إنه أخرج بنته من تَرِكته بعد وفاته، وأحضر شهودًا، وكتب كتابةً بذلك لديهم، وإن السبب في إخراج بنته المذكورة أنها خارجة من طاعته في كل أمر من الأمور التي تجب فيها الطاعة على الولد لوالده شرعًا، وأنها لم تسمع قوله، ولم تَنْقَدْ له، وأنها ناشزة منه كل النشوز، وأن سبب إخراجها من تَرِكته هو ما ذكر من عدم إطاعتها، وتنفيذ أوامره لها. وقال في الكتابة التي كتبها لدى الشهود المذكورين: إن بِنته بعد انتقال والدها من دار الغرور إلى دار البقاء لا حق لها فيما يتركه والدها المذكور من كل شيء يوجد مما ذكر، ثم بعد مُضيِّ سنتين من تاريخ الكتابة المذكورة، رضي عن ابنته، وزوَّجها برضاه، وقَبِلَ عقد زواجها بتوكيله في زواجها بمقتضى قسيمة أميرية، ثم بعد مدة توفِّيَ المشهِّد المذكور عن: ابنته المذكورة، وعن ولد، وزوجة، فهل بهذا الإشهاد المسطَّر على الوجه المذكور تحرم بنته المذكورة من استحقاقها في تَرِكة أبيها المشهِّد المذكور، أو لا؟
توفي رجل عام 1934م عن: ابنين وبنتين، وولدي ابنه المتوفى قبله: ابن وبنت. ولم يترك المتوفى المذكور أيَّ وارث آخر غير من ذكروا ولا فرع يستحق وصية واجبة. فما نصيبُ كل وارث؟
هل يشرع للزوج التصدق عن زوجته أو بِرُّها بعد وفاتها بأيِّ عملٍ من أعمال الخير؟
ورد في الشرع الشريف النهي عن وصف المرأة غيرها لزوجها؛ فما الحكمة من هذا النهي؟
رجل توفي عن بِنتَي أخٍ شقيق، وبنتَي أختٍ شقيقة، فما مقدار ما يخص كلًّا منهن في تَرِكته بالفريضة الشرعية؟ أفيدوا الجواب ولكم الثواب.
هل رغبة المتوفاة في الحج عن ولدها تعتبر وصية؟ فقد توفيت جدة أولادي وتركت أموالًا، ولم يكن لها أولاد غير زوجي المتوفى قبلها، والذي ترك لي خمسة أبناء، وكانت جدتهم تنوي أن تحج عنه في العام القادم إلا أنها توفيت، والآن هل يحق لنا أخذ الأموال التي كانت ستحج بها لرعاية أبنائي؛ حيث إن أبناء إخوتها يرفضون ذلك ويعتبرون رغبتها في الحج عن زوجي وصية يجب إنفاذها؛ علمًا بأنه قد حج عنه أقاربه عدة مرات من قبل، وأنا وأبنائي في حاجة لهذه الأموال عونًا على ظروف الحياة؟