حكم إخفاء حقيقة المرض عن المريض لمصلحته

تاريخ الفتوى: 13 مايو 2026 م
رقم الفتوى: 8977
من فتاوى: فضيلة أ. د/ نظير محمد عياد - مفتي الجمهورية
التصنيف: الطب والتداوي
حكم إخفاء حقيقة المرض عن المريض لمصلحته

ما حكم إخفاء حقيقة المرض عن المريض لمصلحته؟ فزوج أختي مصاب بالسرطان، وقد سأل الطبيبَ عن حالته فلم يُصرِّح له، ولكن الطبيب أخبرني أنا، وبرَّر ذلك بأن حالته ستتدهور بسرعة إذا كشف له حقيقتها. فما حكم ذلك شرعًا؟

الأصل هو تصريح الطبيب للمريض بحقيقة مرضه، إلا أنه متى ظهر للطبيب بمقتضى خبرته ودرايته بحال مريضه أنَّ المصارحة بحقيقة الداء يعقبها تدهور عضوي أو نفسي مؤثر، جاز له عدم الإفصاح عن حقيقة المرض، ولا يُعدُّ ذلك كتمانًا مذمومًا، بل هو من باب التورية المأذون بها شرعًا بقدر الحاجة، ومن التنفيس المندوب؛ تحقيقًا لمصلحة المريض، ودفعًا للضرر عنه، عملًا بالقواعد المقررة في الشريعة.

مع مراعاة أن يقتصر الكتمان على المريض، مع إبلاغ من يلزم من ذويه أو من يحدده هو إن أمكن، أو من تدعو الحاجة إلى إبلاغه؛ حفظًا لحقوقه الدينية والدنيوية، وضمانًا لرعايته، وذلك كله في حدود ما تدعو إليه الضرورة، وبالطريقة الإنسانية اللائقة، ما لم يترتب على ذلك ضررٌ على الغير.

المحتويات:

 

بيان مشروعية التداوي في الإسلام

مِن المقاصد الكلية التي اعتنى بها الشرع الشريف: حفظُ النفس وصَوْنُها عن كلِّ ما يؤذيها ويضرُّها عاجلًا أو آجلًا، فأمَرَ لأجل ذلك باتخاذ كافة الوسائل التي تحقق ذلك المقصد، والتي منها الوقاية مِن الأمراض قبل حصولها، والمسارعة إلى العلاج والتداوي منها إذا ما أصيب الإنسان بها، فهو مأمورٌ باتخاذ الوسائل المتاحة التي تحافظ على نفسه وحياته وصحته وتمنع عنه الضرر، وقد دلَّ على مشروعية التداوي ما رواه أسامة بن شريك رضي الله عنه قال: «أتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه كأنما على رؤوسهم الطيرُ، فسَلَّمتُ ثم قعدتُ، فجاء الأعرابُ من هاهنا وهاهنا، فقالوا: يا رسول الله، أنتداوى؟ فقال: تَداوَوا؛ فإنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ لم يَضَع داءً إلَّا وَضَعَ له دَواءً غيرَ داءٍ واحِدٍ: الهَرَمُ»، والهَرَمُ: "الكِبَر" أخرجه أبو داود والتِّرْمِذِي.

والعلاج إذا كان مأذونًا فيه ابتداءً كانت وسائله وما يتوقف عليه مأذونًا فيها أيضًا؛ قال العلامة ابن دقيق العيد في "إحكام الأحكام" (2/ 288، ط. مطبعة السُّنَّة المحمدية): [الإذن في الشيء إذنٌ في مُكَمِّلات مقصوده] اهـ.

ومن المقرر أن طلب العلاج إنما يكون بالرجوع إلى أهل الاختصاص من الأطباء، فهم أهل الذكر في هذا الباب، الذين أمر الله تعالى بسؤالهم والرجوع إليهم، فقال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43].

حكم إخفاء حقيقة المرض عن المريض لمصلحته

إذا لجأ المريض إلى الطبيب، فالأصلُ أن له حقَّ معرفة حقيقة حالته الصحية؛ ليتمكن من ترتيب شؤونه الدينية والدنيوية، غير أن هذا الأصل قد يُقيَّد بمصلحةٍ راجحةٍ تعود عليه؛ إذ قد تعرض حالاتٌ يُخشى فيها من إخباره بمرضه وقوعُ ضررٍ معتبرٍ عليه، نفسيًّا أو عضويًّا، يؤثر على مسار المرض أو على استجابته للعلاج، أو يُسرع في تفاقمه.

وفي هذه الحال يتعين على الطبيب مراعاةُ مآل الإخبار والكتمان، والعملُ بفقه الموازنات، فيقدِّر الأمر بقدره، ويرجِّح ما فيه حفظُ نفس المريض؛ إذ إن حفظ النفس من المقاصد الشرعية الكلية.

فإن غلب على ظن الطبيب بناءً على خبرته ومعرفته بحال المريض أن إخباره لا يترتب عليه ضرر، وجب عليه بيان الحقيقة له، ولا يسوغ كتمانها.

أما إذا غلب على ظنه أن في إخباره ضررًا محققًا أو غالبًا، جاز له عدمُ التصريح بحقيقة حالته، بل قد يتعين عليه ذلك؛ ولا يُعدُّ هذا من الكتمان المذموم، بل هو من قبيل التورية المأذون فيها شرعًا بقدر الحاجة؛ تحقيقًا لمصلحة المريض، ودفعًا للضرر عنه، وذلك تأسيسًا على ما يلي:

أولًا: أن واجب الطبيب تجاه مريضه هو دفع المرض عنه ما أمكن، فإن تعذر دفعه جملةً دفع أعظمه بقدر المستطاع، وقد يكون كتمان الحقيقة في بعض الحالات أخفَّ ضررًا من التصريح بها إذا ترتب على الإخبار تدهور حالته النفسية أو الصحية، خاصة في الأمراض الشديدة؛ فيختار الطبيب المسلك الذي يحقق أعظم النفع وأقل الضرر.

قال سلطان العلماء العز بن عبد السلام في "قواعد الأحكام" (1/ 6، ط. مكتبة الكليات الأزهرية): [الأطباء يدفعون أعظم المرضين بالتزام بقاء أدناهما، ويجلبون أعلى السلامتين والصحتين ولا يبالون بفوات أدناهما، ويتوقفون عند الحيرة في التساوي والتفاوت؛ فإن الطب كالشرع وضع لجلب مصالح السلامة والعافية، ولدرء مفاسد المعاطب والأسقام، ولدرء ما أمكن درؤه من ذلك، ولجلب ما أمكن جلبه من ذلك، فإن تعذر درء الجميع أو جلب الجميع فإن تساوت الرتب تخير، وإن تفاوتت استعمل الترجيح عند عرفانه والتوقف عند الجهل به] اهـ.

فيستقرئُ الطبيب تفاصيلَ الحالة الصحية والنفسية للمريض، ويختار من القول ما يليق بظرفها وزمانها، وبما تقتضيهِ رحلة العلاج.

قال الإمام السيوطي في "الحاوي للفتاوي" (1/ 392، ط. دار الفكر) في سياق بيان وجه الشبه بين المفتي والطبيب وأن كلا منهما يراعي مقتضى الحال والشخص والزمان: [لا شك أن المفتي حكمه حكم الطبيب، ينظر في الواقعة ويذكر فيها ما يليق بها بحسب مقتضى الحال والشخص والزمان، فالمفتي طبيب الأديان، وذلك طبيب الأبدان] اهـ.

ثانيًا: استحباب التلطُّف مع المريض ورفع معنوياته، وإيهامه بما يُحسِّن حالته النفسية؛ لما في ذلك من أثرٍ على تقوية تحمُّله واستجابته للعلاج، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إِذَا دَخَلْتُمْ عَلَى المَرِيضِ فَنَفِّسُوا لَهُ فِي أَجَلِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَرُدُّ شَيْئًا وَيُطَيِّبُ نَفْسَهُ» رواه التِّرْمِذِي وابن ماجه.

والتنفيس: هو التفريج عن المريض، وتطميعه في طول أجله، قال الإمام السندي في "حاشيته على سنن ابن ماجه" (1/ 439، ط. دار الجيل) في معنى "التنفيس": [قوله: (فَنَفِّسُوا) من التنفيس، وأصله التفريج، يقال: نفَّس الله عنه كربته، أي: فرَّجها، وتعديته بـ"في": لتضمين معنى التطمع، أي: طمعوه في طول أجله] اهـ. ويدخل في ذلك حجبُ ما يُضعف نفس المريض ويكسر أمله إذا كان في إظهاره ضررٌ عليه.

وقد أكد ذلك قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي رقم: 67 (7/5) بالدورة السابعة بجدة في المملكة العربية السعودية، بشأن العلاج الطبي، حيث جاء فيه: [وعلى الأطباء وذوي المرضى تقوية معنويات المريض، والدأب في رعايته وتخفيف آلامه النفسية والبدنية بصرف النظر عن توقع الشفاء أو عدمه] اهـ.

ثالثًا: تحقيق مبدأ المصلحة، ودفع الضرر ما أمكن عن المريض، عملًا بالقواعد المقررة: أن "الضرر يُزال"، وأنه "إذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمهما ضررًا بارتكاب أخفهما"، وأن "درء المفاسد مُقدَّم على جلب المصالح".

فعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» رواه ابن ماجه، وأحمد.

قال الإمام السيوطي في "الأشباه والنظائر" (ص: 7، ط. دار الكتب العلمية) في تعداد القواعد الخمس الكبرى: [الثالثة: الضرر يُزال. وأصلها قوله صلى الله عليه وسلم: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ»] اهـ.

وقال سلطان العلماء العز بن عبد السلام في "قواعد الأحكام" (1/ 98): [اجتمعت مصالح ومفاسد، فإن أمكن تحصيل المصالح ودرء المفاسد فعلنا ذلك؛ امتثالًا لأمر الله تعالى فيهما؛ لقوله سبحانه وتعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16]، وإن تعذر الدرء والتحصيل فإن كانت المفسدة أعظم من المصلحة درأنا المفسدة ولا نبالي بفوات المصلحة] اهـ.

وقال الإمام ابن نُجَيْم في "الأشباه والنظائر" (ص: 75، ط. دار الكتب العلمية): [الضرر الأشد يُزال بالأخف]، وقال أيضًا في (ص: 76): [(إذا تعارض مفسدتان روعي أعظمهما ضررا بارتكاب أخفهما)، قال الزَّيْلَعِي في باب شروط الصلاة: ثم الأصل في جنس هذه المسائل أن من ابتلي ببليتين، وهما متساويتان يأخذ بأيتهما شاء، وإن اختلفا يختار أهونهما؛ لأن مباشرة الحرام لا تجوز إلا للضرورة ولا ضرورة في حق الزيادة] اهـ.

فإذا كان في إخبار المريض ضررٌ أعظم، وكان في كتمان ذلك ضررٌ أخف، جاز ارتكاب الأخف لدفع الأشد.

على أن يُراعى في ذلك: أن يقتصر الكتمان على المريض، مع إبلاغ من يلزم من ذويه أو من يحدده هو إن أمكن، أو من تدعو الحاجة إلى إبلاغه؛ حفظًا لحقوقه الدينية والدنيوية، وضمانًا لرعايته، وذلك كله في حدود ما تدعو إليه الضرورة، وبالطريقة الإنسانية اللائقة، ما لم يترتب على ذلك ضررٌ على الغير.

وقد نصت اللائحة التنفيذية لآداب مهنة الطب، الصادرة بقرار وزير الصحة رقم 238 لسنة 2003 في المادة رقم (21) على أنه: [على الطبيب أن يوفر لمريضه المعلومات المتعلقة بحالته المرضية بطريقة مبسطة ومفهومة، ويجوز للطبيب لأسباب إنسانية عدم إطلاع المريض على عواقب المرض الخطيرة، وفي هذه الحالة عليه أن ينهي إلى أهل المريض بطريقة إنسانية لائقة خطورة المرض وعواقبه الخطيرة إلا إذا أبدى المريض رغبته في عدم إطلاع أحد على حالته، أو حدد أشخاصًا معينين لإطلاعهم عليها، ولم تكن هناك خطورة على من حوله] اهـ.

الخلاصة

بناءً على ما سبق وفي واقعة السؤال: فالأصل هو تصريح الطبيب للمريض بحقيقة مرضه، إلا أنه متى ظهر للطبيب بمقتضى خبرته ودرايته بحال مريضه أنَّ المصارحة بحقيقة الداء يعقبها تدهور عضوي أو نفسي مؤثر، جاز له عدم الإفصاح عن حقيقة المرض، ولا يُعدُّ ذلك كتمانًا مذمومًا، بل هو من باب التورية المأذون بها شرعًا بقدر الحاجة، ومن التنفيس المندوب؛ تحقيقًا لمصلحة المريض، ودفعًا للضرر عنه، عملًا بالقواعد المقررة في الشريعة.

على أن يُراعى في ذلك: أن يقتصر الكتمان على المريض، مع إبلاغ من يلزم من ذويه أو من يحدده هو إن أمكن، أو من تدعو الحاجة إلى إبلاغه؛ حفظًا لحقوقه الدينية والدنيوية، وضمانًا لرعايته، وذلك كله في حدود ما تدعو إليه الضرورة، وبالطريقة الإنسانية اللائقة، ما لم يترتب على ذلك ضررٌ على الغير.

والله سبحانه وتعالى أعلم.

ما حكم الزكاة في عيادات الأسنان؟ وما كيفيتها؟ فهناك طبيب أسنانٍ يَملِك عيادةً، ويشتري لنشاطها كافةَ اللوازم الطبية لإجراء الفحوصات للمرضى والعلاج، سواء في ذلك الأدوات، أو المواد المستعمَلة في العلاج كالحشو والتركيبات وغير ذلك، ويسأل: هل تجب عليه زكاة هذه العيادة بمشتملاتها؟ وإذا وَجَبَت فما آلية حساب الواجب عليه من الزكاة شرعًا؟


ما حكم نشر الوصفات الطبية لفيروس كورونا بواسطة غير المتخصصين؟ حيث إنه في ظل ما يعانيه معظم بلاد العالم من "فيروس كورونا المستجد"، وفي إطار جهود الدولة المصرية لتوفير المعلومات والبيانات الرسمية للخطوط العلاجية من هذا الفيروس؛ يَعْمَد غير المختصين إلى نشر وصفات طبية للوقاية من هذا الفيروس دون التَّثبُّت من جدواها الطبي؛ فهل هذا جائز شرعًا؟


ما هي كيفية الطهارة والصلاة للمرضى من أصحاب الأعذار؟ فالسائل مريضٌ، وينزل منه البول والغائط رغمًا عنه، ولا تخلو ملابسه أبدًا من النجاسة. ويطلب بيان الحكم الشرعي بالنسبة لصلاته، وهل تصح صلاته مع استمرار نزول البول والغائط منه على ملابسه؟ وماذا يصنع؟


ما حكم تركيب أطراف صناعية؟ حيث تذكر السائلة أن الله تعالى رزق ابنها الوحيد بطفلة جميلة إلا أنها وُلدت ببتر خِلْقي بالذراع اليسرى -نصف ذراع من دون كف- وأن الطبيب أفادها بأنه يمكن تركيب أطراف صناعية للطفلة عند بلوغها أربع سنوات، والسؤال: هل في مثل هذه الحالة يجوز تركيب الأطراف الصناعية أم يكون ذلك اعتراضًا على حكم الله تعالى؟


ما حكم حج الرجل عن أخته المريضة؟ فأختي تبلغ من العمر 61 سنة، والحركة عسيرةٌ عليها، على الرغم مِن قيامها بحاجاتها، وأداؤها للمناسك فيه مشقةٌ كبيرةٌ عليها، فهل لها أن تُنِيبَني في حَجَّةِ الفريضة عنها؟


ما حكم قطع الإحرام بالعمرة التطوعية لكسر الرجل؟ فإن صديقًا لي أحرم بالعمرة من بيته ولم يشترط التحلل إن حبسه حابس، وكانت هذه العمرة الثانية له، وفي أثناء ذهابه إلى المطار كُسِرت إحدى رجليه، وهو مضطر الآن للخروج عن إحرامه، ومدة التعافي بعد الجراحة تتجاوز مدة تأشيرة السفر، فهل يجوز له أن يتحلل؟ وهل عليه دمٌ؟ وهل يجب قضاء العمرة؟ أفيدونا أفادكم الله.


مَواقِيتُ الصَّـــلاة

القاهرة · 29 سبتمبر 2026 م
الفجر
5 :20
الشروق
6 :47
الظهر
12 : 45
العصر
4:9
المغرب
6 : 43
العشاء
8 :0