أكد الدكتور أحمد الحسنات، مفتي المملكة الأردنية الهاشمية، أن مؤسسة الأسرة، التي تعدُّ الحصن الأهمّ والأخير في زمن ضاعت فيه هوية الإنسان، تقف أمام أعتى العواصف وأشدها ضراوة؛ وهي عاصفة التغريب الرقمي، والانحلال من القيم التربوية الأصيلة التي يؤسسها الأبناء بناءً على مستندهم الديني والشرعي.
جاء ذلك خلال الجلسة الختامية للمؤتمر العالمي الحادي عشر للإفتاء، والذي يأتي تحت عنوان: "التحديات الأسرية في ظل التحولات الكبرى: مقاربة إفتائية لحماية الأسرة واستشراف مستقبلها وصيانة الهوية"، يومي 2 و3 سبتمبر 2026، بمشاركة نخبة من العلماء والمفتين والباحثين من مختلف دول العالم.
وأوضح مفتي الأردن أن الوهم في زماننا هو ما يصنع هوية الإنسان وثقافته، ويشكل حاضره ومستقبله، حتى أصبحنا نرى في التقارير الصحفية والنشرات الإخبارية عبارة صغيرة في حجمها كبيرة في مدلولها، حيث يوضع تنويه، "أن هذه المادة الإخبارية غير مولدة بالذكاء الاصطناعي"، وفي ذلك مؤشر خطير، وهو أن الوهم والخيال أصبح هو الأصل الذي يبني عليه الناس أحكامهم، وأن الحقيقة الناصعة أصبحت تحتاج إلى دليل، وتنويه.
وأشار الدكتور الحسنات إلى أن انقلاب المفاهيم والتزييف العميق للحقائق الذي نعيشه اليوم، بات يلقي بظلاله الثقيلة على تماسك الأسرة وترابطها، فالأبناء يعيشون في عالم موازٍ تتقطع فيه صلة العلاقة مع الأسرة لتترابط في عوامل افتراضية، وبدأت الأسرة تفقد جوهر قيمتها التي جعلها الله تعالى تستند إلى معايير الرحمة والمودة والسكينة، في قوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} (الروم: 21).
وحول أهم ما يميز التحولات الكبرى في زماننا، قال مفتي الأردن إنها لم تتوقف عند حدود تغيير الأدوات والوسائل، بل امتدت إلى تغيير المفاهيم والتصورات، بل إلى محاولة إعادة تعريف الإنسان نفسه، فبعد أن كانت الأسرة هي الملاذَ الآمن والحصنَ الحصين، أصبحت تواجه تفككًا بنيويًا يهدد كيانها من الداخل ويفتح الأبواب على مصراعيها أمام غزوٍ ثقافيٍّ لا يعرف الرحمة، يقتحم عقول الناشئة قبل أن تكتمل، ويشكّل وجدانهم بمعزلٍ عن القيم التي نشأ عليها آباؤهم. وهنا تنشأ القطيعة الجيلية الأعمق في التاريخ: قطيعةٌ في القيم والتصورات والمرجعيات، لا مجرد اختلافٍ في الأذواق والاهتمامات.
كما شدد الدكتور الحسنات على أن الانهيار القيمي لا يأتي دائمًا في صورة هجومٍ مباشر على القيم، بل غالبًا ما يظهر في صورة تسامحٍ زائف، وانفتاحٍ مطلق، وتحررٍ من كل قيد، حتى يجد الآباء أنفسهم أمام أبناءٍ يتكلمون لغةً لا يفهمونها، ويدينون بقيمٍ لا يعرفونها، ويعيشون حياةً لا يقرونها. وهنا يتجسد قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} (التحريم: 6)، مؤكدًا أن وقاية الأهل اليوم لم تعد مجرد أمرٍ مستحبٍّ أو ترفٍ تربوي، بل أصبحت معركةَ وجودٍ حقيقية.
وقال مفتي الأردن إننا أمام هذه التحديات الكبرى، لا يجوز لنا أن نقف موقف المتفرج العاجز، ولا أن نستسلم لمنطق الانهيار الحتمي؛ فالتحدي الحقيقي ليس في وجود الصعوبات، بل في كيفية الاستجابة لها، لافتًا إلى أن أول خطوة في طريق المواجهة هي الاعتراف بوجود المشكلة، ودراسة حيثياتها، والاشتباك معها بنفس الوسائل، ولا شكَّ أن هذا يعتبر من أعظم أنواع الجهاد في زماننا وهو جهاد الحفاظ على منظومة الأسرة والتربية.
وفي ختام كلمته، أشار مفتي الأردن إلى القضية الفلسطينية، مؤكدًا أن أهل غزة والقدس وجميع أبناء فلسطين يقفون كشجرةِ زيتونٍ تضرب جذورُها في عمقِ الأرض، وأغصانُها تصارعُ الريح، موضحًا أن الأسرة هنا ليست مجردَ أبٍ وأمٍّ وأطفال، بل هي وطنٌ مصغَّر، يقاومُ فكرةَ الفناء، ويعيدُ تعريفَ البقاءِ في كلِّ لحظة، وتابع: تمتدُّ العيونُ إلى القدس، والمسجد الأقصى المبارك حيث يتجدَّدُ الخطرُ كلَّ صباح: بيتٌ يُهدم، وعائلةٌ تُشرَّد، ومستوطنونَ يقتحمونَ الأقصى، وشبابٌ يُعتقلون. لكنَّ العائلةَ المقدسيةَ تقاومُ بطريقتها: بالتمسُّكِ بالبيت، وبترميمِ الجدارِ المتصدِّع، وبزرعِ الياسمينِ على الشرفةِ التي تطلُّ على المسجد الأقصى المبارك.
يُذكر أن المؤتمر الدولي الحادي عشر لدار الإفتاء المصرية، المنعقد بالقاهرة تحت رعاية فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، يأتي هذا العام تحت عنوان: «التحديات الأُسرية في ظل التحولات الكبرى.. مقاربة إفتائية لحماية الأسرة واستشراف مستقبلها وصيانة الهوية»، بمشاركة كبار العلماء والسياسيين والمفتين وممثلي المؤسسات الدينية والفكرية من مختلف دول العالم. ويناقش المؤتمر آليات التحول من «فقه معالجة الأزمات» إلى «فقه الوقاية والاستباق»، بهدف صيانة الكيان الأسري في مواجهة المتغيرات المتسارعة، وتأثيرات الذكاء الاصطناعي، والانفتاح الرقمي، وذلك عبر بناء رؤية إفتائية ومجتمعية متكاملة تتضافر فيها العلوم الشرعية مع العلوم الاجتماعية والنفسية والتكنولوجية لحماية الهُوية وتعزيز الاستقرار المجتمعي.
العربية
English
French
Deutsch
Urdu
Pashto
Swahili
Hausa
