03 سبتمبر 2026 م

انطلاق الجلسة العلمية السادسة بمؤتمر الإفتاء الحادي عشر برئاسة إيلدار علاء الدينوف: نقاشات حول استشراف مستقبل الأسرة وتطوير أدوات الإفتاء لمواجهة التحولات المتسارعة

انطلاق الجلسة العلمية السادسة بمؤتمر الإفتاء الحادي عشر برئاسة إيلدار علاء الدينوف:  نقاشات حول استشراف مستقبل الأسرة وتطوير أدوات الإفتاء لمواجهة التحولات المتسارعة

ضمن فعاليات اليوم الثاني من المؤتمر الدولي الحادي عشر للإفتاء، انطلقت الجلسة العلمية السادسة تحت عنوان: "الرؤية الاستشرافية لمستقبل الأسرة والمؤسسات الإفتائية"؛ لمناقشة سبل استشراف مستقبل الأسرة وتطوير أدوات المؤسسات الإفتائية للتعامل مع التحديات المستجدة. ترأس أعمال الجلسة إيلدار علاء الدينوف، رئيس الإدارة الدينية لمسلمي موسكو، فيما تولت الأستاذة الدكتورة نهلة الصعيدي، أستاذ البلاغة والنقد وعميد كلية العلوم الإسلامية للوافدين ومستشار شيخ الأزهر لشؤون الوافدين، التعقيب على أعمالها.

وطرحت الجلسة مجموعة من المقاربات البحثية التي اهتمت باستشراف التحولات المؤثرة في مستقبل الأسرة، وبحث إمكانات توظيف أدوات الفقه الاستباقي والمآلات في العمل الإفتائي، إلى جانب دراسة الاستفادة المنضبطة من التنبؤ الخوارزمي، وتعزيز المناعة الفكرية للأسرة في مواجهة التطرف الرقمي، فضلًا عن بحث سبل مواجهة التحولات القيمية والتيارات الفكرية المؤثرة في الهوية الأسرية.

وفي مستهل أعمال الجلسة، قدمت الأستاذة الدكتورة فاطمة جابر السيد يوسف، أستاذ الفقه المقارن المساعد بجامعة الأزهر، بحثًا بعنوان: "الفتوى الاستشرافية في حماية الأسرة من التحديات المعاصرة.. التنبؤ الخوارزمي بمآلات العلاقة الزوجية أنموذجًا تطبيقيًّا (دراسة فقهية مقارنة)". وتناول البحث مفهوم الفتوى الاستشرافية وخصائصها، وأصولها الفقهية والمقاصدية، ودور فقه الاستباق والمآلات في الانتقال من الإفتاء العلاجي إلى الإفتاء الوقائي القادر على استباق النوازل الأسرية والحد من آثارها، في ضوء التحولات المتسارعة التي تؤثر في الأسرة، وما أفرزته البيئة الرقمية والتقنيات الحديثة وتطبيقات الذكاء الاصطناعي من نوازل وتحديات جديدة.

كما تناولت الدكتورة فاطمة جابر من خلال بحثها التأصيل الفقهي للفتوى الاستشرافية وضوابط تطبيقها في المجال الأسري، إلى جانب بحث التنبؤ الخوارزمي بمآلات العلاقة الزوجية وأثره في الحكم الشرعي، وانتهى إلى أن الفتوى الاستشرافية امتداد أصيل للمنهج الفقهي، وأن مخرجات التنبؤ الخوارزمي يمكن الإفادة منها باعتبارها قرائن استرشادية لا أدلة مستقلة منشئة للحكم الشرعي، متى قامت على بيانات معتبرة وخضعت للمراجعة البشرية.

وأوصت في نهاية عرضها بأهمية تطوير آليات مؤسسية لرصد التحولات الأسرية، وبناء قواعد بيانات متخصصة، وتعزيز التعاون بين الفقهاء والخبراء؛ بما يدعم الدور الوقائي والاستباقي للمؤسسات الإفتائية.

وفي سياق متصل، قدم الأستاذ الدكتور هاني كمال جعفر، رئيس قسم الشريعة الإسلامية بكلية الحقوق بجامعة الزقازيق، بحثًا بعنوان: "الإفتاء الاستباقي وأثره في مواجهة عولمة القيم ومدافعة التيارات الفكرية وضبط الهوية الأسرية.. دراسة أصولية تحليلية"، تناول خلاله ما تواجهه الأسرة المعاصرة من تحولات وتيارات فكرية عابرة للقارات، في ظل ما وصفه بـ«عولمة القيم»، وما يرتبط بها من تحولات في المنظومة القيمية، مؤكدًا الحاجة إلى تفعيل أداة «فقه الاستباق» أو «الإفتاء الاستباقي» في التعامل مع هذه التحولات، استنادًا إلى أدوات أصولية ومقاصدية، من بينها فقه المآلات وسد الذرائع وقواعد دفع الضرر.

وسعى الدكتور هاني جعفر من خلال البحث إلى بيان كيفية إسهام الإفتاء الاستباقي باعتباره منهجًا وقائيًّا في مواجهة عولمة القيم والتيارات الفكرية المعاصرة، ومن ثم ضبط الهوية الأسرية، إلى جانب بحث سبل تطوير خطاب إفتائي يحفظ القيم الأسرية ويستوعب التحولات الاجتماعية والرقمية المتسارعة دون الوقوع في الجمود أو الانجراف، كما ناقش إمكانية بناء مقاربات إفتائية منهجية للتعامل مع الخطابات العالمية الساعية إلى إعادة تعريف مفهوم الأسرة، مع مراعاة الخصوصية الشرعية، ودور الفتوى في مواجهة النزعات الفردية المتصاعدة وتعزيز مفاهيم المسؤولية والتكافل الأسري، فضلًا عن بحث كيفية تنزيل أدوات الإفتاء الاستباقي في المجال الأسري.

وهدف البحث إلى تأصيل منظومة الإفتاء الاستباقي، وتفكيك تيارات عولمة القيم، وصياغة نسق تشريعي وقانوني متكامل يدمج بين الوازع الديني المتمثل في الفتوى، والوازع السلطاني المتمثل في القانون؛ لضبط هوية الأسرة، معتمدًا في ذلك على تكامل عدد من المناهج العلمية، من بينها المنهج التاريخي من خلال تتبع واستقراء الجذور التراثية لفقه الاستباق الذي أصّل له فقهاء الحنفية، والمنهج التحليلي من خلال التفكيك البنيوي للتيارات الفكرية المعاصرة ومعالجة مآلاتها على الأسرة، والمنهج المقاصدي عبر تنزيل بعض القواعد الأصولية والفقهية الكلية الكبرى على القيم الأسرية الوافدة.

وحول سبل حماية الأسرة المسلمة من التشظي والتفكك والانهيار في ظل تحديات الهيمنة التكنولوجية، قدم الدكتور أحمد علي سليمان، عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية ومدير اعتماد التعليم الأزهري بالهيئة القومية لضمان جودة التعليم والاعتماد، بحثًا بعنوان: «فقه حماية الأسرة وتجديد الرسالة الإفتائية في ظل التحولات التقنية.. رؤية استشرافية»، موضحًا أن حماية الأسرة المسلمة مسؤولية جماعية مشتركة تبدأ بالفرد والأسرة، وتمتد إلى المسجد والمدرسة والجامعة وسائر مؤسسات المجتمع والدولة والأمة، لمواجهة الاختراقات الفكرية والاجتماعية والثقافية التي تستهدف الأسرة وتسعى إلى تفكيك بنيانها.

وتناول الدكتور أحمد سليمان أهمية تطوير منظومات العمل الإفتائي وآلياته ومضامينه، وإعداد وتأهيل جيل جديد من المفتين القادرين على التعامل مع التحولات الكبرى بصورة مستدامة، إلى جانب إسهام المؤسسات الإفتائية في حماية الأسرة من خلال الدعوة إلى تيسير الزواج، والإسهام في إعداد المقبلين عليه عبر برامج ودورات علمية وتربوية متطورة تُحدَّث بصورة مستمرة لمواكبة التحديات الاجتماعية والنفسية والسلوكية والفكرية.

كما ركز الباحث على ضرورة تجديد طريقة صياغة الرسالة الإفتائية وعرضها بما يجعلها أكثر تشويقًا وتيسيرًا وتركيزًا، مع المحافظة على عمق العلم وأصالة المنهج، ومراعاة الفئة المستهدفة وأنماط التفكير واختلاف البيئات والثقافات، فضلًا عن أهمية الاستفادة من الدراسات الميدانية والإحصاءات والبيانات الموثقة في فهم القضايا وتحليلها، انطلاقًا من قاعدة أن الحكم على الشيء فرع عن تصوره.

وفي نهاية عرضه، اقترح عددًا من المبادرات العملية لحماية منظومة القيم وتعزيز صمود الأسرة في عصر الهيمنة الرقمية، من بينها تصميم ألعاب إلكترونية هادفة للأطفال، وإنتاج دراما موجهة للنشء والشباب تعزز القيم والقدوة الحسنة، وإنشاء منظومة رقمية متكاملة لصناعة المحتوى القيمي تستثمر تقنيات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب إجراء دراسات استباقية لحماية الأسرة وتحليل التحديات التي تواجهها ووضع حلول عملية لها.

ومن زاوية فكرية أخرى، قدم الدكتور محمد محمود عبودة، مدرس الدعوة والثقافة الإسلامية بجامعة الأزهر والباحث بمرصد الأزهر لمكافحة التطرف، بحثًا بعنوان: «دور الخطاب الإفتائي المؤسسي في بناء المناعة الفكرية للأسرة في مواجهة خطابات التطرف الرقمي»، متناولًا دور الخطاب الإفتائي المؤسسي في حماية الأسرة من خطابات التطرف المنتشرة عبر المنصات الرقمية، انطلاقًا من أن الأسرة تمثل خط الدفاع الأول في الوقاية من الانحراف الفكري، وأن فاعلية هذا الدور ترتبط بامتلاكها وعيًا معرفيًّا وقيميًّا ونفسيًّا ورقميًّا يمكّنها من اكتشاف أساليب الاستقطاب والتعامل مع الشبهات قبل تحولها إلى سلوك متطرف.

واعتمد خلال بحثه المنهجين الوصفي والتحليلي، من خلال دراسة خصائص الخطاب المتطرف ومسارات اختراقه للأسرة، وتحليل وظائف الخطاب الإفتائي المؤسسي في الوقاية والتصحيح والإرشاد، مؤكدًا أن تحديد أبرز مؤشرات التأثر بالتطرف الرقمي داخل الأسرة، وبناء تصور متكامل لمرتكزات المناعة الفكرية الأسرية يقوم على المناعة المعرفية والقيمية والنفسية والحوارية والرقمية، كما اقترح نموذجًا إفتائيًّا مؤسسيًّا يجمع بين الرصد المبكر، والتحصين الوقائي، والتدخل الحواري، والإحالة إلى المتخصصين، وقدم مجموعة توصيات لتطوير محتوى إفتائي رقمي موجَّه إلى الآباء والأبناء يكون قابلًا للتطبيق والتقويم.

يُذكر أن المؤتمر الدولي الحادي عشر لدار الإفتاء المصرية، المنعقد بالقاهرة تحت رعاية فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، يأتي هذا العام تحت عنوان: «التحديات الأُسرية في ظل التحولات الكبرى.. مقاربة إفتائية لحماية الأسرة واستشراف مستقبلها وصيانة الهوية»، بمشاركة كبار العلماء والسياسيين والمفتين وممثلي المؤسسات الدينية والفكرية من مختلف دول العالم. ويناقش المؤتمر آليات التحول من «فقه معالجة الأزمات» إلى «فقه الوقاية والاستباق»، بهدف صيانة الكيان الأسري في مواجهة المتغيرات المتسارعة، وتأثيرات الذكاء الاصطناعي، والانفتاح الرقمي، وذلك عبر بناء رؤية إفتائية ومجتمعية متكاملة تتضافر فيها العلوم الشرعية مع العلوم الاجتماعية والنفسية والتكنولوجية لحماية الهُوية وتعزيز الاستقرار المجتمعي.

واصلت الجلسة العلمية السادسة، المنعقدة ضمن فعاليات اليوم الثاني من أعمال المؤتمر الدولي الحادي عشر للإفتاء، أعمالها تحت عنوان: «الرؤية الاستشرافية لمستقبل الأسرة والمؤسسات الإفتائية»، مناقشة عدد من الرؤى والدراسات التي تناولت مستقبل الأسرة والعمل الإفتائي في ظل التحولات التقنية والفكرية والاجتماعية المتسارعة. تناولت المداخلات البحثية سبل تطوير الأداء الإفتائي بما يواكب المستجدات، وكشف التحديات التي تواجه الأسرة وإمكانية الاستفادة من أدوات الذكاء الاصطناعي في المجالات الأسرية، إلى جانب بحث متطلبات تطوير المؤسسات الإفتائية وتعزيز قدرتها على قراءة الواقع والتفاعل مع القضايا الدولية ذات الصلة بالأسرة والهوية.

وفي مداخلة بحثية، قدم الدكتور محمد يوسف توفيق عبد الغني، مدرس الفقه بكلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر، بحثًا بعنوان: «مدى إمكانية توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي في تسوية المنازعات الأسرية.. دراسة فقهية استشرافية»، تناول خلاله نشأة الذكاء الاصطناعي وتطوره، وإمكان توظيف أدواته في تسوية المنازعات الأسرية، في ضوء الوسائل الشرعية لمعالجة هذه المنازعات، ومنها الصلح والوساطة والتحكيم والقضاء. وبحثت الدراسة الحكم الشرعي لاستشراف توظيف الذكاء الاصطناعي وأدواته في هذا المجال، وخلصت إلى أن الذكاء الاصطناعي وأدواته يمثل وسيلة يمكن الاستعانة بها في تسوية المنازعات الأسرية، وأن الأصل في الاستعانة بالوسائل النافعة التي تؤدي إلى تسوية المنازعات الأسرية هو الإباحة.

كما أشار الدكتور محمد يوسف إلى إمكانية الاستعانة بالذكاء الاصطناعي في تقديم الاستشارة ومعاونة الوسيط والحَكَمين الشرعيين، مع اشتراط بقاء القرار بيد الإنسان المستوفي لشروط الأهلية، وعدم استقلال الذكاء الاصطناعي بالفصل النهائي في المنازعات؛ لانتفاء الأهلية عنه، ولحاجة هذا الفصل إلى الفطنة الإنسانية والتقدير الاجتهادي، موصيًا بتبني نموذج تكاملي يجمع بين التقنية والحَكَمين الشرعيين أو الوسيط في تسوية المنازعات الأسرية.

من جانبها، قدمت الأستاذة مريم ماهر عبد الحميد الوراقي، باحثة دكتوراه في العقيدة والفلسفة، بحثًا بعنوان: «الحوار الحضاري حول الأسرة: استراتيجيات التفاعل الإسلامي مع المنظومة الدولية لحقوق الإنسان»، تناولت خلاله صياغة أطر استراتيجية ومنهجية لتفاعل المؤسسات الإفتائية والإسلامية مع الخطابات والاتفاقيات العالمية ذات الصلة بمفهوم الأسرة والقيم، واستهدفت الدراسة الانتقال بالخطاب الإفتائي من الطرح الدفاعي التقليدي إلى المبادرة والحوار الحضاري الواعي، مع الحفاظ على الخصوصيات الشرعية والثقافية، إلى جانب تقديم رؤية نقدية تطبيقية للمنظومة الدولية لحقوق الإنسان، من خلال تناول واقع الأسرة الفلسطينية في ظل ما تتعرض له من انتهاكات جسيمة تحت وطأة الاحتلال.

وتناولت الدراسة المفهوم الفلسفي والحقوقي للأسرة بين الشريعة الإسلامية والمواثيق الدولية، واستراتيجيات التفاعل الإسلامي والإفتائي مع المنظومة الدولية لحقوق الإنسان، مؤكدة على أهمية إعطاء دور الإفتاء الصفة الدولية لتقويم المستجدات والقضايا الأُسرية في ضوء مقاصد الشريعة الإسلامية الكلية والجزئية بما يضمن تحقيق التوازن بين الثوابت والمتغيرات وتقديم مرافعات دولية رسمية لحماية البنية الأُسرية الإنسانية.

ومن زاوية أخرى، قدم الشيخ محمود يسين السيد، الباحث بدار الإفتاء المصرية، بحثًا بعنوان: «مؤسسات الإفتاء الإسلامية نحو نموذج ريادي متكامل للإدارة الحضارية للعمل الإفتائي.. قضايا الأسرة أنموذجًا»، عرض خلاله نموذجًا مؤسسيًا متكاملًا لتفعيل الدور الحضاري والديني للمؤسسات الإفتائية في مواجهة التحديات الأسرية المعاصرة، انطلاقًا من دورها في التنشئة المجتمعية وحراسة القيم وصون العلاقات الأسرية وترميم النسيج المجتمعي، وارتكز النموذج الذي طرحه البحث على تكامل العلاقات والوظائف داخل المؤسسة الإفتائية، من خلال علاقتها بالمواطن والأسرة المستهدفة بالتنمية الحضارية، وبشركاء النجاح العاملين بها، وتكاملها مع المؤسسات الوطنية الحكومية وغير الحكومية، فضلًا عن التعاون مع المؤسسات الدولية ذات الصلة لتحقيق الأهداف المشتركة.

وخلص الباحث إلى تصور إجرائي يمكن أن يشكل مرجعية عملية لتطوير العمل الإفتائي المؤسسي، من خلال الربط بين منظومة الجدارات الفردية والبنية المؤسسية الحاضنة لها، والتكامل مع أدوات قراءة الواقع وتحليله، وقنوات تحويل المخرجات الإفتائية إلى مدخلات سياساتية يمكن أن تنبثق عنها نماذج تتبناها الجهات المعنية لتفعيلها في المجتمع، بما يسهم في صيانة الوعي والقيم واستقرار المجتمعات وحفظ مقاصد الشريعة فيها.

وفي سياق متصل، عرض الدكتور أحمد محمد علي خليل الشريف، مدرس الحديث وعلومه بكلية أصول الدين والدعوة بأسيوط، بحثًا بعنوان: «الصحة النفسية للأسرة في العصر الرقمي.. التأصيل الشرعي واستشراف التحديات والفرص المستقبلية»، تناول فيه أثر التحولات الرقمية على الأسرة، وما أوجدته من فرص جديدة وتحديات متزايدة، موضحًا أن الإشكالية الأساسية تتمثل في كيفية استفادة الأسرة المسلمة من التقنيات الحديثة، مع الحفاظ في الوقت ذاته على هويتها وثوابتها الشرعية، مؤكدًا أن الصحة النفسية للأسرة تمثل مقصدًا شرعيًّا معتبرًا، وأن التكنولوجيا لا يمكن النظر إليها باعتبارها خيرًا محضًا أو شرًّا محضًا، وإنما يتحدد أثرها بحسب الاستخدام وآثاره.

وأشار إلى أن الذكاء الاصطناعي يمثل تحديًا فقهيًّا وتربويًّا جديدًا، خاصة بعد أن تجاوز مجرد تقديم المعلومات إلى محاكاة بعض الجوانب العاطفية، وهو ما يستدعي مزيدًا من النظر في آثاره على العلاقات الأسرية، كما أكد أن حماية الخصوصية الأسرية أصبحت ضرورة شرعية في ظل اتساع الحضور الرقمي في الحياة اليومية، لافتًا إلى أن النظر الفقهي لا ينبغي أن يقتصر على الحكم الشرعي المتعلق بالوضع الراهن للتقنية، بل يجب أن يمتد إلى دراسة مآلاتها وآثارها المستقبلية على العلاقات الأسرية، مشددًا على أهمية وضع ضوابط أسرية متوازنة لتنظيم استخدام أدوات التقنية الحديثة.

من جانبه، عرض الدكتور حمدي إبراهيم عامر، مدرس الدعوة والثقافة الإعلامية بكلية أصول الدين والدعوة بالمنصورة، بحثًا بعنوان: «سبل معالجة انتهاك الخصوصية الرقمية.. دراسة دعوية»، تناول فيه التحولات التي أحدثتها الثورة الرقمية في أنماط الحياة اليومية للأفراد والمؤسسات، موضحًا أن العالم شهد خلال العقود الأخيرة حضورًا غير مسبوق للثورة الرقمية، أسهم في انتقال الإنسان من مجتمع محدود إلى مجتمع رقمي عالمي، وأصبحت الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي من أبرز ملامح هذا العصر، بما أدى إلى نشوء بيئة معلوماتية جديدة تختلف في خصائصها عن البيئات التقليدية.

وأشار إلى أن هذه التحولات أسهمت في بروز مفهوم جديد للخصوصية، بات يشمل مختلف جوانب الوجود الرقمي للإنسان، مؤكدًا الحاجة إلى استحضار الرؤية الإسلامية في التعامل مع هذه القضية؛ فالإنسان مكرم لذاته، وله حرمة في نفسه وماله وبيته وأسراره، ولا يجوز الاعتداء على هذه الحرمات، وأكد أن الشريعة الإسلامية نهت عن التجسس وتتبع العورات وإشاعة الفواحش، كما تكشف مقاصد الشريعة عن عمق النظرة الإسلامية إلى قضية الخصوصية، مشددًا على أهمية تطوير رسائل دعوية معاصرة تسهم في تعزيز الوعي بحماية الخصوصية الرقمية ومواجهة صور انتهاكها.

وفي ختام الجلسة، عقبت الأستاذة الدكتورة نهلة الصعيدي، أستاذ البلاغة والنقد وعميد كلية العلوم الإسلامية للوافدين ومستشار شيخ الأزهر لشؤون الوافدين، على الأعمال البحثية المقدمة، معربة عن شكرها لدار الإفتاء المصرية على تنظيم هذا المؤتمر المهم، ولفضيلة الأستاذ الدكتور نظير عياد، مفتي الجمهورية، على جهوده في هذا المجال، مؤكدةً أهمية بناء الوعي القادر على دفع التحديات والحد منها، موضحة أن الفقه لا يقف عند بيان حكم الواقع بعد نزوله، وإنما ينظر في مآلات الأمور، ويسد الذرائع، ويرفع الضرر.

وأشارت إلى أن بحوث الجلسة تناولت عددًا من القضايا المتصلة بهذا المنظور، من بينها الفتوى الاستشرافية، والتنبؤ الخوارزمي، والسيناريوهات المحتملة لمستقبل الأسرة، ومواجهة عولمة القيم، وتجديد طرائق عرض الفتوى، والاستفادة من الذكاء الاصطناعي في تسوية النزاعات الأسرية، مؤكدةً أن هذه المباحث، على اختلاف موضوعاتها، يجمعها مقصد واحد، يتمثل في أن يكون للفتوى أثر في حماية الأسرة قبل وقوع الضرر، معتبرة أن من أبرز محاسن الجلسة أنها لم تكتفِ برصد الأخطار، وإنما تجاوزت ذلك إلى رصد التحولات ومحاولات تطوير العمل المؤسسي بما يتناسب معها.

وشددت الصعيدي على أهمية ما طرحته البحوث من أطروحات وتوصيات، مع ضرورة إخضاعها لمجموعة من الضوابط، يأتي في مقدمتها التمييز بين الاستشراف والتنبؤ، مؤكدة على أهمية عدم المبالغة في النتائج التي تنتجها الخوارزميات، مع ضرورة النظر في مشروعية جمع البيانات والتحقق من سلامتها.

وحول المقترحات الخاصة بإضافة مواد دراسية جديدة إلى المناهج، أوضحت أن معالجة التحديات لا تكمن بالضرورة في إضافة مزيد من المواد الدراسية، وإنما في بناء أسر قادرة على تنشئة جيل واعٍ يمتلك القدرة على التعامل مع هذه التحولات والتحديات.

يُذكر أن المؤتمر الدولي الحادي عشر لدار الإفتاء المصرية، المنعقد بالقاهرة تحت رعاية فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، يأتي هذا العام تحت عنوان: «التحديات الأُسرية في ظل التحولات الكبرى.. مقاربة إفتائية لحماية الأسرة واستشراف مستقبلها وصيانة الهوية»، بمشاركة كبار العلماء والسياسيين والمفتين وممثلي المؤسسات الدينية والفكرية من مختلف دول العالم. ويناقش المؤتمر آليات التحول من «فقه معالجة الأزمات» إلى «فقه الوقاية والاستباق»، بهدف صيانة الكيان الأسري في مواجهة المتغيرات المتسارعة، وتأثيرات الذكاء الاصطناعي، والانفتاح الرقمي، وذلك عبر بناء رؤية إفتائية ومجتمعية متكاملة تتضافر فيها العلوم الشرعية مع العلوم الاجتماعية والنفسية والتكنولوجية لحماية الهُوية وتعزيز الاستقرار المجتمعي.

تحت مظلة دار الإفتاء المصرية والأمانة العامة لدُور وهيئات الإفتاء في العالم، تتجه أنظار المؤسسات الإفتائية والعلماء والباحثين إلى واحدة من أكثر القضايا الْتصاقًا بمستقبل المجتمعات، وذلك تزامنًا مع انعقاد المؤتمر الدولي الحادي عشر تحت عنوان: "التحديات الأسرية في ظل التحولات الكبرى .. مقاربة إفتائية لحماية الأسرة واستشراف مستقبلها وصيانة الهوية"، وذلك يومي 2 و3 سبتمبر 2026 بالقاهرة.


أكد الأستاذ االدكتور حسام الدين مصطفى الشريف، خبير الإتيكيت والبروتوكول والمراسم ووكيل معهد إعداد القادة السابق، أن الإسلام لم ينظر إلى الإنسان من زاوية واحدة، وإنما أقام منهجًا متكاملًا يجمع بين تهذيب النفس والعناية بالمظهر، باعتبارهما ركيزتين أساسيتين في بناء الشخصية السوية، موضحًا أن جمال الهيئة لا يكتمل إلا بجمال الأخلاق، وأن حسن المظهر ينبغي أن يكون ترجمةً لما يحمله الإنسان من قيم ومبادئ وسلوك قوي وقويم. وأن الأسرة المستقرة تبدأ من إنسان متوازن يدرك حقوقه وواجباته، ويحسن التعامل مع الآخرين، ويحرص على احترامهم وتقديرهم، بما ينعكس على جودة العلاقات الإنسانية ويعزز قيم المودة والرحمة التي جعلها الإسلام أساسًا للحياة الزوجية.


تواصل اللجنة العلمية للمؤتمر الدولي الحادي عشر للأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم أعمالها المكثفة في فحص وتحكيم البحوث العلمية المقدمة للمشاركة في المؤتمر، المقرر عقده يومَي الأربعاء والخميس 2 و3 سبتمبر 2026م، تحت عنوان «التحديات الأسرية في ظل التحولات الكبرى: مقاربة إفتائية لحماية الأسرة واستشراف مستقبلها وصيانة الهوية»،  برعاية فخامة السيد الرئيس، عبدالفتاح السيسي، رئيس الجمهورية، وذلك في إطار الاستعدادات العلمية للمؤتمر وحرص اللجنة على اختيار الدراسات التي تضيف قيمة حقيقية إلى النقاش العلمي حول قضايا الأسرة ومستقبلها، مع الالتزام بالضوابط والمعايير العلمية التي جرى اعتمادها لضمان مستوى متميز للأبحاث المشاركة وتعدد زوايا تناول الموضوعات المطروحة.


تراجع منظومة الأسرة وارتفاع معدلات الطلاق أصبح تحديًا عالميًّا يمس البشرية كلها في ظل العولمة واضطراب القيم-ندعو إلى إصدار فتوى مشتركة عالمية لحماية الأسرة والحد من حالات الطلاق وترجمتها إلى لغات متعددة-القيادات الدينية مطالَبة بتعزيز الأخوة والتعاون بين أبناء الأمة بما يدعم الأمن والسلام


يتقدَّم فضيلة الأستاذ الدكتور نظير محمد عياد، مفتي الجمهورية، بخالص التهنئة إلى فخامة السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس الجمهورية، «حفظه الله ورعاه»، وإلى ضباط القوات المسلحة الباسلة، وإلى أبناء الشعب المصري العظيم؛ بمناسبة الذكرى الرابعة والسبعين لثورة الثالث والعشرين من يوليو المجيدة، سائلًا المولى عز وجل أن يديم على مصر نعمة الأمن والرخاء، وأن يوفق قيادتها إلى ما فيه خير الوطن ورفعته.


مَواقِيتُ الصَّـــلاة

القاهرة · 04 سبتمبر 2026 م
الفجر
5 :4
الشروق
6 :33
الظهر
12 : 54
العصر
4:27
المغرب
7 : 14
العشاء
8 :33