25 يوليو 2018 م

حِفْظُ السِّر

حِفْظُ السِّر

 إفشاءُ الأسرارِ من السُّلوكيات الخطيرة التي تؤدي إلى فسادٍ عريضٍ في المجتمعات، حين يَأتَمن المرءُ أخاه على سرٍّ له؛ ليتبيَّنَ وجهَ الصَّوابِ في معضلةٍ تواجهُه، أو لمواجهةِ ضائِقَةٍ تمرُّ بِه، أو للتَّعامل مع أمرٍ طارئٍ تعرَّض له، فحين يتم إفشاء هذا السر قد يتعرَّض صاحبه لضررٍ أو أذى أو معاناةٍ، وقد يترتب على إفشاء الأسرار فسادُ ذاتِ البَينِ، ووقوع الشِّقاق والخلاف بين الناس وإثارةِ الأحقاد والضغائن في نفوسهم عندما يطَّلعون على سِرٍّ كان خافيًا عنهم.
وهذا الإفشاء المذموم للأسرار يقابله بيانٌ محمودٌ لبعض الأسرار؛ كما في موضع الشهادة بالحقِّ وحفظِ حقوق النَّاسِ.
ولقد عاتب القرآن بعض زوجات النبي صلى الله عليه وآله وسلم في أمر إفشاء ما أسَرَّ به إليهنَّ رضي الله عنهنَّ، الأمر الذي أغضب النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ ۞ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: 3-4].
ومن نماذجِ حفظ السر وكتمانه:
- حفظُ السيدة فاطمة الزهراء رضي الله عنها لسرِّ أبيها الذي اختصَّها بها قبل وفاته صلى الله عليه وآله وسلم؛ فعن السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، قالت: إِنَّا كُنَّا أَزْوَاجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ عِنْدَهُ جَمِيعًا لَمْ تُغَادرْ مِنَّا وَاحِدَةٌ، فَأَقْبَلَتْ فَاطِمَةُ عَلَيْهَا السَّلَام تَمْشِي، لَا وَاللهِ مَا تَخْفَى مِشْيَتُهَا مِنْ مِشْيَةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ، فَلَمَّا رَآهَا رَحَّبَ قَالَ: «مَرْحَبًا بِابْنَتِي»، ثُمَّ أَجْلَسَهَا عَنْ يَمِينِهِ، أَوْ عَنْ شِمَالِهِ ، ثُمَّ سَارَّهَا، فَبَكَتْ بُكَاءً شَدِيدًا، فَلَمَّا رَأَى حُزْنَهَا: سَارَّهَا الثَّانِيَةَ، فَإِذَا هِيَ تَضْحَكُ، فَقُلْتُ لَهَا أَنَا مِنْ بَيْنِ نِسَائِهِ: خَصَّكِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ بِالسِّرِّ مِنْ بَيْنِنَا، ثُمَّ أَنْتِ تَبْكِينَ؟
فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ سَأَلْتُهَا عَمَّا سَارَّكِ؟، قَالَتْ: مَا كُنْتُ لِأُفْشِيَ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ سِرَّهُ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ قُلْتُ لَهَا: عَزَمْتُ عَلَيْكِ بِمَا لِي عَلَيْكِ مِنْ الْحَقِّ لَمَّا أَخْبَرْتِنِي قَالَتْ : أَمَّا الْآنَ فَنَعَمْ، فَأَخْبَرَتْنِي قَالَتْ: أَمَّا حِينَ سَارَّنِي فِي الْأَمْرِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ أَخْبَرَنِي أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُهُ بِالْقُرْآنِ كُلَّ سَنَةٍ مَرَّةً وَإِنَّهُ قَدْ عَارَضَنِي بِهِ الْعَامَ مَرَّتَيْنِ وَلَا أَرَى الْأَجَلَ إِلَّا قَدْ اقْتَرَبَ فَاتَّقِي اللهَ وَاصْبِرِي، فَإِنِّي نِعْمَ السَّلَفُ أَنَا لَكِ. قَالَتْ: فَبَكَيْتُ بُكَائِي الَّذِي رَأَيْتِ، فَلَمَّا رَأَى جَزَعِي سَارَّنِي الثَّانِيَةَ، قَالَ: «يَا فَاطِمَةُ، أَلَا تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ، أَوْ سَيِّدَةَ نِسَاءِ هَذِهِ الْأُمَّةِ» رواه البخاري.
- وكذلك حفظُ سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه لسر النبي صلى الله عليه وآله وسلم برغبته الزواج من السيدة حفصة بنت عمر بن الخطاب رضي الله عنهما بعد وفاة زوجها؛ فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حين تأيَّمت حفصة بنت عمر رضي الله عنها من خُنيس بن حذافة السهمي، وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد شهد بدرًا، توفي بالمدينة، قال عمر: "فَلَقِيتُ عثمان بن عفان رضي الله عنه، فعرضت عليه حفصة رضي الله عنها، فقلت: إن شئتَ أَنْكَحْتُكَ حفصة بنت عمر رضي الله عنها، قال: سأنظر في أمري، فلبثتُ ليالي، فقال: قد بدا لي أن لا أتزوج يومي هذا، قال عمر: فلقيت أبا بكر، فقلت: إن شئتَ أَنْكَحْتُكَ حفصة بنت عمر، فَصَمَتَ أبو بكر فلم يَرْجِعْ إليَّ شيئًا، فكنتُ عليه أوْجَدَ مني على عثمان، فَلَبِثْتُ ليالي ثم خطبها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأنكحتُها إياه، فلقيني أبو بكر فقال: لعلك وَجَدْتَ عليَّ حين عَرَضْتَ عليَّ حفصة فلم أرجع إليك؟ قلت: نعم، قال: فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عَرَضْتَ، إلا أني قد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد ذكرها، فلم أكن لأفشيَ سِرَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولو تَرَكَهَا لقَبِلْتُهَا" رواه البخاري.
وكان من توجيهات النبي صلى الله عليه وآله وسلم للمسلمين، قوله: «لَا يَسْتُرُ اللهُ عَلَى عَبْدٍ فِي الدُّنْيَا، إِلَّا سَتَرَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» رواه مسلم.
وعنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «إِذَا حَدَّثَ الرَّجُلُ الْحَدِيثَ ثُمَّ الْتَفَتَ فَهِيَ أَمَانَةٌ» رواه الترمذي.
على أن الإنسان عليه أن يحرص أشدَّ الحرص على كتمان أسرار نفسه وألَّا يذيعها لغيره، قال بعض الحكماء: انفرد بسِرِّكَ ولا تودعه حازمًا فيزل، ولا جاهلًا فيخون.
وإذا كان هناك سر لا يستطيع الإنسان أن ينفرد به ويحتاج إلى من يأتمنه عليه فلْيَتَحَرَّ في اختيار من يأتمنه عليه ويستودعه إياه، فإن حُفَّاظَ الأسرار أقل من حُفَّاظ الأموال.
المصادر:
- "أدب الدنيا والدين" للإمام الماوردي (ص: 306-309).
- "كتمان السر" للدكتور محمد صالح محمد السيد، ضمن "موسوعة الأخلاق" (ص: 510-515، ط. المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية).

خلقَ اللهُ الإنسانَ وأودعَهُ هذه الحياةَ وخلق له الزَّمنَ ليضبط ويقدر به حركته فيها، فَيُقدِّرُ أوقاتًا للعمل والنوم والأكل والانتقال... إلخ،


لا يستغني الإنسان عن العلاقة بغيره، فهو كائنٌ اجتماعيٌ، وخلق الله الناس في حاجةٍ بعضِهم لبعض، ومَنْ مَنَحَهُ الله ميزةً وقدرةً على القيام بأمور معينة مَنَعَهُ القدرة على القيام بأمور أخرى. وإذا كان الإنسان ينشأ في البداية بين أهله وأقربائه عادةً؛ فإنه -بمرور الوقت والاحتكاك بالآخرين- تنشأ له دوائر علاقات أخرى أكثر تنوُّعًا وتشعُّبًا؛ فيحب ويَكره، ويثق ويشك، ويأمِّن ويخوِّن، فيزداد من البعض دُنوًّا وقربًا، ومن آخرين نفورًا وبعدًا، وقد نَبَّهَ القرآن إلى هذه الحقيقة الاجتماعية في التنوُّع والتَّعارف في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: 13].


تفرض الأخوَّة في الدين أن يبذل المرء ما يحب من أجل إسعاد غيره، فيزداد الحب بين أفراد المجتمع، ويترابط أفراده بعُرىً وثقى، فيصير المجتمع قويًّا عفيًّا متوادًّا متعاونًا، وذلك هو خلق الإيثار الذي هو أحد أخلاق المسلمين وصفة من صفاتهم السلوكية؛ يقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: 9]


من الأخلاق التي يجب أن يتحلى بها المسلم، خلق الأمانة، وهي كل ما يؤتمن عليه الإنسان، ولها مجالات عديدة ومتنوعة، فمنها: ما ائتمنه الله على عباده من العبادات التي كلَّفهم بها، ومنها الأمانة في الأموال، ويدخل فيها الأمانة في البيوع والديون والمواريث والودائع. ومنها الأمانة في الأعراض؛ ومعناها العفَّة عمَّا ليس للإنسان به حق منها، وكف النفس واللسان عن نَيل شيء منها بسوء، كالقذف والغيبة، ومنها الأمانة في الأجسام والأرواح؛ ومعنى ذلك كفُّ النفس واليد عن التعرض لها بسوء من قتل أو جرح أو ضر أو أذًى.


يقدِّرُ الإسلام نوازع النفس البشرية التوَّاقة إلى تحصيل الخير والمحتاجة إلى تقويم الانحراف في آنٍ واحد، لذا فإن الإسلام يقدِّر أهمية الجزاء أو المكافأة على العمل، ويوليها ما تستحق من اهتمام؛ تحفيزًا للنفس البشرية على فعل الخيرات واجتناب المنكرات.


مَواقِيتُ الصَّـــلاة

القاهرة · 10 سبتمبر 2026 م
الفجر
5 :8
الشروق
6 :37
الظهر
12 : 52
العصر
4:23
المغرب
7 : 7
العشاء
8 :25