16 أبريل 2019 م

عظم الجزاء مع عظم البلاء

عظم الجزاء مع عظم البلاء

 عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ عِظَمَ الجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ البَلَاءِ، وَإِنَّ اللهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ» رواه الترمذي وابن ماجه، وقال الإمام الترمذي: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ".
وَصَحَّ أَيْضًا: «إنَّ الرَّجُلَ لَيَكُونُ لَهُ عِنْدَ اللهِ الْمَنْزِلَةُ فَمَا يَبْلُغُهَا بِعَمَلٍ، فَمَا يَزَالُ اللهُ يَبْتَلِيهِ بِمَا يَكْرَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ إيَّاهَا».
وَأَخْرَجَ الأئمة أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَأَبُو يَعْلَى وَالطَّبَرَانِيُّ: «إنَّ الْعَبْدَ إذَا سَبَقَتْ لَهُ مِنْ اللهِ مَنْزِلَةٌ فَلَمْ يَبْلُغْهَا بِعَمَلٍ ابْتَلَاهُ اللهُ فِي جَسَدِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ فِي وَلَدِهِ ثُمَّ صَبَّرَهُ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى يُبَلِّغَهُ الْمَنْزِلَةَ الَّتِي سَبَقَتْ لَهُ مِنْ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ».
من شأن النفس الإنسانية أنها تتقلب بين حالين ولا ثالث لهما: حال عافية، وحال بلاء؛ فإن كانت في بلاء فشأنها غالبًا الجزع والشكوى والاعتراض والتهمة لله بغير صبر ولا رضا ولا موافقة، وإن كانت في عافية ونعمة فالأشر والبطر واتباع الشهوات؛ كلما نالت شهوة تبعت أخرى وتطلب أعلى منها، وكلما أعطيت ما طلبت تُوقع صاحبها في تعب لا غاية له.
وشأنها إذا كانت في بلاء لا تتمنى إلا كشفه، وتنسى كل نعيم ولذة، فإذا شُفيت رجعت إلى رعونتها وأشرها وبطرها وإعراضها عن الطاعة، وتنسى ما كانت فيه من البلاء، فربما رُدت إلى ما كانت فيه من البلاء عقوبة على معصية ارتكبتها، وذلك رحمة من الله بها ليكفها عن المخالفة، فالبلاء أولى بها، ولو أنها لم ترجع لرذائلها لكنها جهلت فلم تعلم ما فيه صلاحها.
وهذا ما تشير إليه الأحاديث التي بين أيدينا من أن الابتلاء ليس وبالا وشرا في جميع أحواله، بل يمكن أن يكون العكس هو الصحيح، وينقلب البلاء إلى نعمة، وتنقلب المحنة إلى منحة.
وكلنا يعلم الحديث الذي جاء عن صهيب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله له خيرٌ، وليس ذاك لأحدٍ إلا للمؤمن؛ إن أصابته سَرَّاء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له» أخرجه مسلم.
فكيف يكون الشر خيرًا والضر نفعًا؟ وكيف لا يكون ذلك إلا للمؤمن؟
وتبين الأحاديث التي بين أيدينا أن قومًا أو عبادًا من عباد الله أراد الله بهم خيرًا من طريق البلاء، فأنزل عليهم البلاء، ثم رضاهم به وصبرهم عليه، فبلغهم منزلة عليا، كانت مكتوبة ومقدرة لهم في سابق علمه سبحانه وتعالى.
ومن هنا فإن للبلاء في حياة الإنسان من أوجه تعرفات الرب على عبده، والتي يريد سبحانه وتعالى أن يشده إليها، فمنها: ما يكون أدبًا وكفارة لما ارتكبه من ذنوب، ومنها: ما يكون زيادة في الدرجات وترقية في طريق القربات، ومنها ما يكون عقوبة على إثم عظيم ارتكبه من توجهت إليه البلاء.
ويمكن التمييز بين أنواع هذه الابتلاءات بما يكون عليه حال العبد عند وقوعها، فإن كان معها التيقظ والتوبة، كان تربية وإخراج من سوء الأدب إلى الأدب، وإن كان معها الرضا والتسليم ولم يقع ممن أصيب بها سوء أدب احتاج معه ما يوجب الأدب كان ترقية وزيادة، وإن كان معها الغضب والسخط كان ذلك دليلا على الطرد والعقوبة والبعد.
وفي عبارة جامعة فإن فيما يصاب به الإنسان من البلايا والشدائد مفارقة بين مراد العبد ومراد الرب، فإنَّ مرادَ العبد أن يستمر بقاؤه في الدنيا، طيَّبَ العيش ناعمَ البال، ويكون حاله في طلب سعادة الآخرة حال المترفين، فلا تسخو نفسه إلا بالأعمال الظاهرة، التي لا كثير مُؤْنَةٍ عليه فيها ولا مشقة، ولا تقطع عنه لذة، ولا يفوته شهوة، ومراد الله منه أن يُطهره من أخلاقه اللئيمة، ويحول بينه وبين صفاته الذميمة، ويُخرجه من أَسْرِ وجوده إلى متسع شهوده.
ومن ثم فإن الفائز حقًّا هو من قدّم مراد الله سبحانه وتعالى على مراده.
رزقنا الله سبحانه التوفيق والسداد، ونفعنا بكل ما يورده علينا من تعرفات.
المراجع:
- "فيض القدير بشرح الجامع الصغير" للمناوي.
- "البحر المديد في تفسير القرآن المجيد" لابن عجيبة.
- حكم ابن عطاء الله السكندري، وشرحها لابن عباد النفزي المسمى بـ"غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية".

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ: «مِنْ أَقَالَ مُسْلِمًا، أَقَالَ اللهُ عَثْرَتَهُ». لمّا كانت المواساة لا تقتصر على مشاركة المسلم لأخيه في المال والجاه أو الخدمة والنّصيحة.. أو غير ذلك، فإنَّ من المواساة مشاركةُ المسلم في مشاعره خاصَّةً في أوقات حزنه، وعند تعرُّضه لما يعكِّر صفوَه، وهنا فإنَّ إدخال السّرور عليه، وتطييبَ خاطره بالكلمة الطَّيِّبَةِ، أو المساعدةِ الممكنةِ بالمال أو الجاهِ، أو المشاركة الوجدانيَّة هو من أعظم المواساة وأجلِّ أنواعها، وقد كان صلَّى الله عليه وآله وسلَّم يواسي بالقليل والكثير، وقد علَّمنا أنَّ من أقال مسلمًا من عثرته أقال الله عثرتَه، وأنَّ الله عزَّ وجلَّ لا يزال في حاجة العبد مادام العبد في حاجة أخيه.


عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ، فَإِذَا أُصِيبَ دَوَاءُ الدَّاءِ بَرَأَ بِإِذْنِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ» رواه مسلم.


عَنْ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «البَخِيلُ الَّذِي مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ» (رواه الترمذي وقال عقبه: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ). من فضل الله على هذه الأمة ومن رحمته بها أنه سبحانه وتعالى أبقى لهم الوسيلة لتحصيل ما يبتغون من بركات النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك عن طريق الصلاة عليه، بل إنه توجه الأمر العام لجميع المسلمين بالصلاة عليه؛ قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب:56]، وحض عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عليه أفضل


عن حذيفة رضي الله عنه، قال: كنا عند عمر رضي الله عنه فقال: أيكم سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يذكر الفتن؟ فقال قوم: نحن سمعناه، فقال: لعلكم تعنون فتنة الرجل في أهله وجاره؟ قالوا: أجل، قال: تلك تكفرها الصلاة، والصيام، والصدقة، ولكن أيكم سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يذكر التي تموج موج البحر؟ قال حذيفة: فأسكت القوم، فقلت: أنا، قال: أنت، لله أبوك! قال حذيفة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا، نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا، نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ، عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَالْآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ، مُجَخِّيًا لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا، وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا، إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ»


عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ: «إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الكَبَائِرِ أَنْ يَلْعَنَ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ» قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَكَيْفَ يَلْعَنُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ قَالَ: «يَسُبُّ الرَّجُلُ أَبَا الرَّجُلِ، فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ» متفق عليه. من الذنوب ما ضررُه عظيمٌ، وسوءُ أثره في المجتمع كبير؛ كالقتل والزِّنى وشرب الخمر والسرقة وشهادة الزور وقطيعة الرحم وأكل مال اليتيم. وهذا النوع يسمى بالكبائر لكبر المفسدة فيه، وللوعيد الشديد عليه، ولهذا النوع درجات بحسب الضَّرر الذي فيه، فكلما كانت دائرته أوسع كان في الكبر أدخل.


مَواقِيتُ الصَّـــلاة

القاهرة · 11 سبتمبر 2026 م
الفجر
5 :9
الشروق
6 :37
الظهر
12 : 52
العصر
4:23
المغرب
7 : 6
العشاء
8 :24