الأربعاء, 28 أكتوبر 2026 – 17 جُمادى الأولى 1448 هـ
06 مايو 2019 م

حب الخير للغير

حب الخير للغير

  الإسلام دين الحب، والحب منبع الرحمة، والرحمة مفتاح كل خلق محمود عرفته الإنسانية، وقد تكرر ذكر لفظ الحب ومشتقاته في القرآن الكريم فيما يزيد على ثمانين موضعًا جاء في أكثرها مسندًا إلى الله عز وجل نفيًا وإثباتًا.
ولقد دعانا الإسلام إلى الحب، دعوة تضمنتها تعاليمه الداعية إلى الإخاء والوفاء والبذل والإيثار وكف الأذى عن المخلوقات، وإن من أجَلِّ ثمرات الحب وأكمل مظاهره أن يحب الإنسانُ حصول الخير ووجوه المصالح والمنافع لأخيه الإنسان كما يحب حصول ذلك لنفسه، ومن ثم جعله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من علامات كمال الإيمان وتمامه، وذلك فيما رواه سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» رواه البخاري.
ومعنى الحديث أن العبد الذي حصل له أصل الإيمان لا يؤمن الإيمان التام ولا يبلغ كمال الإيمان إلا بأن يحب لأخيه ما يحب لنفسه من الخير، ويلزم عنه ضرورة أن يبغض المسلم لأخيه ما يبغض لنفسه من الشر والأذى، وإن التكليف بحب الخير للغير هو تكليف بمظاهر الحب وعلاماته مما هو مقدور للإنسان، وهو يتضمن النهي عن كل ما ينافي الحب ويضاده.
ولقد نهى الإسلام في سبيل تحقيق ذلك الخُلُق وتمكينه من النفوس عن كل ما ينطوي على إيثار النفس وكراهية الخير للآخرين كالحقد والحسد.
وانطوى تشريع المعاملات في الإسلام على تأكيد ذلك الخلق ونبذ ما يضاده من التصرفات بما يضمن استقرار المجتمع وشيوع المحبة بين أفراده؛ فعلى سبيل المثال: لما كان في خطبة المسلم امرأة مخطوبة لآخر إهدار للمشاعر الإنسانية وتقطيع لأواصر الأخوة مع إيثار النفس على الغير شدد النبي صلى الله عليه وآله وسلم في النهي عن أن يخطب المسلم على خطبة أخيه، وتعددت الروايات الظاهرة في التحريم، حتى أجمع أهل العلم على تحريم الخطبة على الخطبة إذا كان قد صُرِّح للخاطب الأول بالموافقة ولم يَأذن ولم يترك خطبة تلك المرأة، فلو خطب آخر على خطبته وتزوج كان عاصيًا لله عز وجل، ولمبلغ الحرمة في هذا السلوك اختلف أهل العلم في صحة هذا الزواج، حتى شدد كثير من السادة المالكية في هذه الحالة وقالوا بفسخ عقد زواج ذلك الخاطب ما لم يدخل بتلك المرأة. مما يكشف عن كراهية الإسلام لإيثار النفس والتعدي على الغير.
وهذا المعنى نفسه نلحظه في نهي النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يبيع المسلم على بيع أخيه، كأن يعلم أن شخصًا اشترى سلعة وله حق الرجوع فيها فيقول له: رُدَّها للبائع وأنا أبيع لك مثلها أو خيرًا منها بثمن أنقص، ويتعاقد معه على ذلك.
ومثل البيع على البيع في الحرمة الشراء على الشراء، وذلك بأن يطمع المسلم في شيء اشتراه غيره وعقد عليه بالفعل، فيعرض على البائع أن يفسخ العقد مع المشتري الأول ليشتريها هو منه؛ بل إن الإسلام حرم على المسلم أن يحاول أخذ الصفقة لنفسه في حالة ما إذا علم أن البائع والمشتري اتفقا على الثمن واطمأن كل منهما لإتمام البيع ولم يتم التعاقد بعد.
ولا يخفى ما في ذلك كله من إيثار النفس وإهدار المشاعر؛ ومن ثم اتفق أهل العلم على تحريمه، واختلفوا في صحة التعاقد مع هذا الذي آثر نفسه وتعدى على غيره مع الاتفاق على عصيانه.
وإن النهي عن هذه السلوكيات ليعكس حرص الإسلام على أن يحب المسلم لأخيه ما يحب لنفسه من المنافع، وأن يكره أن يفعل هو أو غيره بأخيه ما يجلب له الضرر كما يكره هذا لنفسه، وفي هذا ما لا يخفى من ترسيخ دعائم الأمان النفسي والحفاظ على الاستقرار المجتمعي.
المراجع:
- "حاشية الصاوي" على "الشرح الصغير" للإمام الدردير.
- "شرح الإمام النووي" على "صحيح الإمام مسلم".
- "فتح الباري بشرح صحيح البخاري" للحافظ بن حجر العسقلاني.
- "المعجم المفهرس لألفاظ القرآن" لمحمد فؤاد عبد الباقي.

لا ينجح في هذه الحياة من لا يعيش بالأمل، ولا يُقَدِّمُ شيئًا نافعًا لنفسه أو لمجتمعه -فضلًا عن العالم الذي يعيش فيه- من يتملَّكُه اليأس، ومن هنا كان حرص الإسلام على توجيه أتباعه إلى ضرورة التحلِّي بالأمل الإيجابي ونبذ اليأس السلبي، وفي الوقت ذاته كان حرص الإسلام بنفس الدرجة على رفض الأمل الزائف غير الواقعي الذي يجعل الإنسان هائمًا في خيالات لا تَمُتُّ للواقع بصلة؛ فالإسلام يحض المسلمين على إدراك واقعهم والتفاعل معه وإصلاحه ونفع العالمين.


الله سبحانه وتعالى رفيقٌ بعباده؛ يحب منهم الطاعة التي أوجب عليهم، ويكره لهم المعصية التي حرَّم عليهم، يحب لهم النَّعيم الذي وعد به الصالحين، ويكره لهم النار التي توعَّد بها المفسدين، والله تعالى يَغَار، وغيرتُه تعالى أن ينتَهِكَ العبدُ ما حرَّم الله عليه.


لا ينبغي للمسلم أن يكون جُلَّ همِّه أن يسعى لتحصيل لذائذ الدنيا والتَّمتُّع بما فيها من شهوات، بل عليه أن يكتفيَ من المتع التي أحلَّها الله له بالقدر المعقول والمشروع الذي به يتحقَّقُ ما يحتاجه من الضرورات


تُعَدُّ الغَيْرَةُ من الأخلاق المهمة التي ينبغي على الإنسان المسلم أن يتحلَّى بها، لكن عليه أن يُراعي أن لهذه الغَيرة ضوابط وحدود تجعلها غَيرة نافعة، تحافظ على الفضائل وتأبى الرذائل، أما الغَيرة المذمومة فهي تلك التي تدَّعي الحفاظ على الفضائل، ثم ترتكب في سبيل الحفاظ عليها مخالفات شرعية، كالحقد والحسد والإيذاء والاعتداء على الغير، فينقلب الحفاظ -الزائف- على الفضائل إلى رذيلة بما تتضمنه من مخالفات للشرع الشريف وللآثار النفسية والاجتماعية الضارَّة التي تترتب عليها.


تؤثر التجارب والمواقف التي يتعرض لها الإنسان في حياته على تعامله مع الآخرين في المجتمع، وكثيرًا ما تؤثر هذه التجارب المعيشية على المرء بالسلب، فتجعله متوجِّسًا من غيره، متخوفًا من التعامل مع الآخرين، فيعيش في حالة من الظَّنِّ السيء، وهي حالة سلبية إن انتشرت في مجتمع؛ تعطلت فيه المصالح، وتراجع فيه التعاون والتعاضد والبذل والعطاء.


مَواقِيتُ الصَّـــلاة

القاهرة · 28 أكتوبر 2026 م
الفجر
5 :38
الشروق
7 :6
الظهر
12 : 39
العصر
3:47
المغرب
6 : 11
العشاء
7 :30