الصلاة على مرتبة من الإسفنج

الصلاة على مرتبة من الإسفنج

عملنا مَرتَبة طولها أربعة أمتار، وعرضها متر وربع، بعرض الزاوية التي نصلي فيها؛ وذلك للصلاة عليها، وهي عبارة عن قِطعتَي قماش نظيف بينهما طبقة إسفنج رقيقة هي أقل ما وجدنا في السوق لا تزيد عن سنتيمتر واحد، بل أقل من ذلك، وقد حاكها المنجِّد على شكل مربعات، طول المربع عشرون سنتيمترًا؛ ليصلي عليها ثمانية أشخاص من رُوَّاد الزاوية، فإذا جاء مصلُّون أكثر صلَّوا على موكيت الزاوية العادي القديم، وهي تريحنا في الصلاة، لا سيما نحن كبار السن الذين نعاني ألمًا في الرُّكَب، وقد رآها كثيرون فأحبُّوها وصلَّوا عليها، لكن فوجئنا بمن يستنكر علينا ذلك، فأحببنا أن نعرف الرأي الصحيح فيها من حضراتكم.

لا مانع شرعًا من الصلاة على المرتبة باتفاق الفقهاء من أهل السنَّة وأرباب المذاهب الأربعة، ما دامت لا تمنع من استقرارِ جبهة المصلي على الأرض، وخاصة إذا كانت تخفف الألم عن كبار السن؛ لما رُوِى في حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: "كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم يُصَلِّي -أَوْ يَسْتَحِبُّ أَنْ يُصَلِّيَ- عَلَى فَرْوَةٍ مَدْبُوغَةٍ" رواه أحمد، وروى ابن أبي شيبة في "المصنف" عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "يسجد المريض على المِرْفَقَةِ -المخدة- والثوب الطيِّب"، وعن أم سلمة رضي الله عنها: "أنَّها رمدت عينُها فكانت تسجد على وسادةٍ من أَدَم".

التفاصيل ....

من المقرر المتفق عليه بين الفقهاء من أهل السنَّة أنه لا يُشترط أن تكون الصلاة على شيء من جنس الأرض كالتراب والحصى مثلًا؛ قال الشيخ الخطيب الشربيني الشافعي في "مغني المحتاج" (1/ 426): [أجمع المسلمون إلا الشيعة على جواز الصلاة على الصوف وفيه، ولا كراهةَ في الصلاة على شيء من ذلك إلا عند مالك، فإنه كَرِه الصلاة عليه تنزيهًا، وقالت الشيعة: ولا يجوز ذلك؛ لأنه ليس من نبات الأرض] اهـ.
كما أنه لا يؤثر في صحة الصلاة أيضًا أن يكون ما يُصَلِّي عليه الإنسان شيئًا وثيرًا أو سميكًا بعض الشيء ما دام أن جبهته تستقر في السجود عليه. فروى الإمام البخاري في "صحيحه" من حديث عائشة رضي الله عنها "أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم كَانَ يُصَلِّي وَهيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ عَلَى فِرَاشِ أَهْلِهِ اعْتِرَاضَ الْجَنَازَةِ"، وترجم عليه بقوله: (بَاب الصَّلاة عَلَى الْفِرَاش).

قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": [وأشار البخاري بالترجمة إلى ما أخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح عن إبراهيم النخعي عن الأسود وأصحابه أنهم كانوا يكرهون أن يصلوا على الطنافس والفراء والمسوح، وأخرج عن جمع من الصحابة والتابعين جواز ذلك] اهـ.

وروى الإمام أحمد في "مسنده" واللفظ له وأبو داود والطبراني في "المعجم الكبير" وصحَّحه ابن خزيمة والحاكم من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: "كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم يُصَلِّي -أَوْ يَسْتَحِبُّ أَنْ يُصَلِّيَ- عَلَى فَرْوَةٍ مَدْبُوغَةٍ". قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بذكر "الفروة"، إنما خرجه مسلم من حديث أبي سعيد في الصلاة على الحصير. وقال الذهبي: على شرط مسلم.
وهذا الحديث وإن كان في إسناده من ضعف في الحديث إلا أنه يُحسَّن لورود روايات أخرى في هذا المعنى؛ فروى الإمام أحمد في "مسنده" عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، أن رجلًا قال: يا رسول الله؟ أُصلِّي في الفراء؟ قال: «فَأَيْنَ الدِّبَاغُ؟» قال الشيخ السندي في "حاشيته على المسند" ( 31/ 407): [أي إن لم تُصَلِّ فقد ضاع الدِّباغ، فإنه للتطهير وجواز الصلاة فيها، فإن لم تَجُزْ بعدُ فلا فائدة فيه] اهـ.

وروى الحافظ الطُّيُوري الحنبلي في "الطُّيُورِيَّات": (740) عن ابن عباس رضي الله عنهما: "أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وآله وسلم صَلَّى عَلَى طِنْفِسَة".
وقد جاء عن جماعة من الصحابة والسلف جوازُ ذلك، وأنهم كانوا يُصَلُّون أحيانًا على أشياء سميكة ووثيرة؛ كالفُرُش، والمَرَافِق، والوسائد، والنَّمارِق، والطَّنَافِس، والمَيَاثِر، والعَبْقَرِيِّ، والفِرَاء، والمُسُوح، والأَحْلاس، والمَرَاشِح، واللُّبُود، وغير ذلك:

فروى الإمام أبو بكر بن أبي شيبة في "المصنَّف" في المريض يسجد على الوِسَادة والمِرفَقَة (1/ 304- 305): عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: "يسجد المريض على المرفقة والثوب الطيِّب". وعن أم سلمة رضي الله عنها: "أنَّها رمدت عينها فكانت تسجد على وسادة من أدم". وعن أنس رضي الله عنه: "أنه سجد على مِرفَقَة". وعن أبي العالية: "أنَّه كان مريضًا وكانت مِرفَقَة تُثْنَى له فيسجد عليها". وعن الحسن البصري: "أنه كان لا يرى بأسًا أن يسجد الرجل على المِرْفَقَة والوِسادة في السفينة".
ورُوِىَ في الصلاة على الفِرَاش: عن أنس رضي الله عنه: "أنه كان يصلي على فراشه". وعن طاوس: "أنه كان يصلي على الفراش الذي مرض عليه".
وروى أيضًا في الصلاة على المُسُوح (1/ 436- 437): عن علي وجابر وأبي الدرداء وابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم، وعن عمر بن عبد العزيز من التابعين رحمه الله تعالى: "أنهم كانوا يصلُّون على المُسُوح"، بينما روى عن إبراهيم عن الأسود وأصحابه: "أنهم كانوا يكرهون أن يصلُّوا على الطنافس والفراء والمسوح".
وروى أيضًا في الصلاة على الطَّنافِس والبُسُط (1/ 437- 438): عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه قال: "ما أُبَالي لو صليت على ست طنافس بعضها فوق بعض". وعن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: "صلَّى بِنا ابن عباس رضي الله عنهما على طِنفسة قد طبقت البيت صلاة المغرب". وعن عبد الله بن عمار قال: "رأيت عمر يصلي على عبقري". وعن الحسن البصري قال: "لا بأس بالصلاة على الطنفسة". وعنه أيضًا: "أنه كان يصلي على طنفسة قدماه وركبتاه عليها ويداه ووجهه على الأرض أو على بُورِيٍّ -وهو الحصير المعمول بالقصب-". وعن قيس بن عباد القيسي: "أنه صلَّى على لِبْد دابته". وعن مرة الهمداني: "أنه صلَّى على لِبْد". وروى أيضًا في الصلاة على الفراء (1/ 441- 442): عن مسروق: "أنه كان يدبغ جلد أضحيته فيتخذه مُصَلًّى يُصلِّي عليه"، وعن علقمة كذلك. وعن عبد الرحمن بن الأسود: "أنه كان يُصلِّي في بيته على جلد فرو ضأن، الصوف ظاهر يلي قدميه"، بينما روى عن الأسود وأصحابه: "أنهم كانوا يكرهون أن يصلُّوا على الفراء". اهـ.
فالفُرُش: جمع فِرَاش، وهو ما يُنام عليه.

والمَرافِق: جمع مِرْفَقَة كمِكْنَسَة، وهي المِخَدَّةُ والمُتَّكَأُ.

والوَسَائِد: جمع وِسَادة، وهي ما يُوضع تحت الخَدِّ، كالمِخَدَّة.

والنَّمارِق: جمع نُمرُقة، وهي الوسادة التي يجلس عليها الراكب فوق الرَّحْل.

والطَّنَافِس: جمع طِنْفِسَة مُثَلَّثة الطَّاءِ والفاءِ، وهي بِسَاطٌ لَهُ خَمْلٌ رَقِيقٌ، وَقِيلَ: هُوَ مَا يُجْعَلُ تَحْتَ الرَّحْلِ عَلَى كَتِفَي الْبَعِيرِ.

والمَيَاثِر: جمع مِيثَرَة، وهي وِطاءٌ مَحْشُوٌّ يُتْرَكُ على رَحْل البعيرِ تحت الرَّاكِبِ.

والعَبْقَرِيُّ: جمع عَبْقَرِيَّة، والعَبْقَرِيُّ كما قال الفَرَّاءُ: الطَّنَافِسُ الثِّخانُ.

والفِرَاء: جمع فروة، وهي الكساء المُتَّخَذ من فرو الحيوانات.

والمُسُوح: جمع مِسْح بالكسر، وهو ثَوْبٌ من الشَّعر غليظٌ.

والأَحْلاس: جمع حِلْس بالكسْرِ، وهو كُلُّ شيءٍ وَلِيَ ظهرَ البعيرِ والدَّابَّةِ تحتَ الرَّحْلِ والسَّرْجِ والقَتَبِ وهو بمنزلةِ المِرْشَحَةِ تكون تحتَ اللِّبْدِ.

والمَرَاشِح: جمع مِرْشَح ومِرْشَحَة، وهي البِطانَةُ التي تحت لِبْدِ السَّرْجِ؛ سُمِّيَتْ بذلك لأَنها تُنَشِّف الرَّشْحَ، يعنِي العَرَق.

واللُّبُود: جمع لِبْد بالكسر ولِبْدَة بزيادة الهاء ولُبْدَة بالضَّم، وهي كُلُّ شَعَرٍ أَو صُوفٍ مُتَلَبِّدٍ، وفي بعض النسخ ملْتَبِد أَي بعضُه على بعْضٍ.

وقال الإمام ابن حزم في "المحلَّى" (1/ 402- 403): [مسألة: والصلاة جائزة على الجلود، وعلى الصوف، وعلى كل ما يجوز القعود عليه إذا كان طاهرًا. وجائز للمرأة أن تصلي على الحرير. وهو قول أبي حنيفة، والشافعي، وأبي سليمان، وغيرهم. وقال عطاء: لا تجوز الصلاة إلا على التراب والبطحاء. وقال مالك: تُكره الصلاة على غير الأرض أو ما تُنبت الأرض. قال علي: هذا قول لا دليل على صحته، والسجود واجب على سبعة أعضاء: الرِّجْلين، والركبتين، واليدين، والجبهة والأنف. وهو يجيز وضع جميع هذه الأعضاء على كل ما ذكرنا، حاشا الجبهة، فأي فرق بين أعضاء السجود ولا سبيل إلى وجود فرق بينها: لا من قرآن ولا سنة صحيحة ولا سقيمة، ولا من إجماع ولا من قياس، ولا من قول صاحب ولا من رأيٍ له وجه، وبالله تعالى التوفيق. ورَوينا عن ابن مسعود: أنه صلى على مِسحِ شعر، وعن عمر بن الخطاب: "أنه كان يسجد في صلاته على عبقري؛ وهو بساط صوف"، وعن ابن عباس: "أنه سجد في صلاته على طنفسة"، وهي بساط صوف، وعن أبي الدرداء مثل ذلك، وعن شريح والزهري مثل ذلك، وعن الحسن، ولا مخالف لمن ذكرنا من الصحابة رضي الله عنهم في ذلك وبالله تعالى التوفيق] اهـ.

وقد اشترط الفقهاء من أرباب المذاهب الفقهية المتبوعة فيما يُسجَد عليه أن يجد المصلِّي حجم الأرض فيما يسجد عليه بحيث تستقر عليه جبهته؛ فعند الحنفية:

يقول الإمام السرخسي في "المبسوط" (1/ 205- 206): [ولا بأس بأن يصلي على الثلج إذا كان ممكنًا يستطيع أن يسجد عليه، معناه أن يكون موضع سجوده متلبدًا؛ لأنَّه حينئذٍ يجد جبينه حجم الأرض، فأما إذا لم يكن متلبدًا حتى لا يجد جبينه حجم الأرض حينئذٍ لا يجزيه؛ لأنَّه بمنزلة السجود على الهواء، على هذا السجود على الحشيش أو القطن إن شغل جبينه فيه حتى وجد حجم الأرض أجزأ وإلا فلا، وكذلك إذا صلَّى على طنفسة محشوة جازت صلاته إذا كان متلبدًا إلا على قول مالك رحمه الله تعالى، وقد روي عن بعض الصحابة قال: ما أبالي صليت على عشر طنافس أو أكثر] اهـ.

وقال الإمام الكاساني في "بدائع الصنائع" (1/ 210): [ولو سجد به على حشيش أو قطن إن تسفَّل جبينه فيه حتى وجد حجم الأرض أجزأه، وإلا فلا، وكذا إذا صلى على طنفسة محشوة جاز إذا كان متلبدًا، وكذا إذا صلى على الثلج إذا كان موضع سجوده متلبدًا يجوز، وإلا فلا] اهـ.

وقال الإمام الكمال بن الهمام في "فتح القدير" (1/ 304): [فروع: يجوز السجود على الحشيش والتبن والقطن والطنفسة إن وجد حجم الأرض، وكذا الثلج الملبد، فإن كان بحال يغيب فيه وجهه ولا يجد الحجم لا، وعلى العجلة على الأرض تجوز كالسرير لا إن كانت على البقر كالبساط المشدود بين الأشجار، وعلى العرزال والحنطة والشعير يجوز لا على الدخن والأرز لعدم الاستقرار] اهـ.

وفي "الفتاوى الهندية" (1/ 70): [ولو سجد على الحشيش أو التبن أو على القطن أو الطنفسة أو الثلج إن استقرت جبهته وأنفه ويجد حجمه يجوز، وإن لم تستقر لا. هكذا في الخلاصة] اهـ.

وقال الشيخ ابن عابدين في "الحاشية" (1/ 472) عند شرحه لقول الشرنبلالي: [وشَرْطُ سُجُودٍ فالقَرَارُ لِجَبْهَةٍ: (وشرط سجود) مبتدأ ومضاف إليه (فالقرار) خبر بزيادة الفاء (لِجبهة) أي يُفتَرَض أن يسجد على ما يَجِدُ حجمه، بحيث إن الساجد لو بالغ لا يتسفل رأسه أبلغ مما كان عليه حال الوضع، فلا يصح على نحو الأرز والذرة، إلا أن يكون في نحو جوالق، ولا على نحو القطن والثلج والفرش إلا إن وجد حجم الأرض بكبسه] اهـ.
وقال أيضًا (1/ 523): [قوله: وأن يجد حجم الأرض تفسيره: أن الساجد لو بالغ لا يتسفل رأسه أبلغ من ذلك، فصح على طنفسة وحصير وحنطة وشعير وسرير وعجلة إن كانت على الأرض، لا على ظهر حيوان كبساط مشدود بين أشجار، ولا على أرز أو ذرة إلا في جوالق، أو ثلج إن لم يلبده وكان يغيب فيه وجهه ولا يجد حجمه، أو حشيش إلا إن وجد حجمه، ومن هنا يُعلَم الجواز على الطُّرَّاحة القطن، فإن وجد الحجم جاز وإلا فلا. بحْرٌ] اهـ.
وقال العلامة الطحطاوي في "حاشيته" على "مراقي الفلاح" (ص 126) عند قول صاحب "المراقي": [ومن شروط صحة السجود كونُه (على ما) أي شيء (يجد) الساجد (حجمه) بحيث لو بالغ لا تتسفل رأسه أبلغ مما كان حال الوضع، فلا يصح السجود على القطن والثلج والتبن والأرز والذرة وبذر الكتان، (و)بالحنطة والشعير (تستقر عليه جبهته) فيصح السجود؛ لأن حبَّاتها يستقر بعضها على بعض؛ لخشونة ورخاوة. قوله: (على ما يجد حجمه) أي يُبْسَه كما في "الفتح"، ولو كان بمعنى الأرض كسرير وعجلة على الأرض. قوله: (فلا يصح السجود على القطن... إلخ) أي إلا إذا وجد اليبس، وكذا كل محشو كفرش ووسادة. قوله: (والأرز والذرة)؛ لأن هذه الأشياء -لِمَلاسَة ظاهرها وصلابة أجسامها- لا يستقر بعضها على بعض، فلا يمكن انتهاء التسفل فيها واستقرار الجبهة عليها، إلا إذا كانت في وعاء. قوله: (لخشونةٍ)؛ أي في حباتها، ورخاوة؛ أي في أجسامها] اهـ.

أما عند المالكية فإنهم كرهوا ذلك في غير المسجد ولغير حاجة، فإن كان في المسجد أو لحاجة فلا كراهة:
يقول الشيخ الدسوقي في "حاشيته" على "الشرح الكبير" (1/ 252) عند قول الإمام الدردير: [(وَكُرِهَ) (سُجُودٌ عَلَى ثَوْبٍ) أَوْ بِسَاطٍ لَمْ يُعَدَّ لِفَرْشِ مَسْجِدٍ (لَا) عَلَى (حَصِيرٍ) لَا رَفَاهِيَةَ فِيهَا كَحَلْفَاء، فَلَا يُكْرَهُ (وَتَرْكُهُ) أَي السُّجُودِ عَلَى الْحَصِيرِ (أَحْسَنُ) وَأَمَّا الْحُصْرُ النَّاعِمَةُ فَيُكْرَهُ. قوله: (لَمْ يُعَدَّ لِفَرْشِ مَسْجِدٍ) أَيْ وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ ضَرُورَةٌ دَاعِيَةٌ لِلسُّجُودِ عَلَيْهِ كَحَرٍّ أَوْ بَرْدٍ أَوْ خُشُونَةِ أَرْضٍ وَإِلَّا فَلَا كَرَاهَةَ كَمَا أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْبِسَاطُ مُعَدًّا لِفِرَاشِ الْمَسْجِدِ فَلَا كَرَاهَةَ فِي السُّجُودِ عَلَيْهِ سَوَاءً كَانَ الْفَرْشُ بِهِ مِنْ الْوَاقِفِ أَوْ مِنْ رِيعِ الْوَقْفِ أَوْ مِنْ أَجْنَبِيٍّ فَرَشَهُ بِذَلِكَ لِوَقْفِهِ لِذَلِكَ الْفَرْشِ] اهـ.

وعند الشافعية:
يقول الإمام الشافعي رضي الله عنه في كتاب "الأم" في (باب ما يصلى عليه مما يُلبس ويبسط) (1/ 111): [صلَّى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في نَمِرَة، والنَّمِرةُ صوفٌ، فلا بأس أن يُصلَّى في الصوف والشعر والوبر ويُصلَّى عليه، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «أَيُّما إِهابٍ دُبِغَ فقد طَهُر»، فلا بأس أن يُصلَّى في جلود الميتة والسباع وكل ذي روح إذا دُبِغَ، إلا الكلب والخنزير، ويُصلَّى في جلد كلِّ ذَكِيٍّ يُؤكَل لحمُه وإن لم يكن مدبوغًا] اهـ.

وقال الإمام النووي في "المجموع" (3/ 398): [لو سجد على قطن أو حشيش أو شيء محشو بهما وجب أن يتحامل حتى ينكبس ويظهر أثره على يد -لو فرضت تحت ذلك المحشو- فإن لم يفعل لم يجزئه. وقال إمام الحرمين: عندي أنه يكفي إرخاء رأسه، ولا حاجة إلى التحامل كيف فرض محل السجود، والمذهب الأول، وبه قطع الشيخ أبو محمد الجويني وصاحب "التتمة" و "التهذيب"] اهـ.

وقال الخطيب الشربيني في "مغني المحتاج" (1/ 373): [وينال مسجدَه، وهو بفتح الجيم وكسرها: محل سجوده، ثِقَلُ رأسه للخبر السابق: (وإذا سجدت فمكِّن جبهتك). ومعنى الثقل: أن يتحامل بحيث لو فرض تحته قطن أو حشيش لانكبس وظهر أثره في يد لو فرضت تحت ذلك، واكتفى الإمام بإرخاء رأسه. قال: بل هو أقرب إلى هيئة التواضع من تكلف التحامل، وينال معناه: يصيب ويحصل، ومسجده هنا منصوب، وثقل فاعل] اهـ.

وعند الحنابلة:
يقول الشيخ ابن تيمية في "الفتاوى الكبرى" (2/ 68): [ولا نزاع بين أهل العلم في جواز الصلاة والسجود على المفارش إذا كانت من جنس الأرض، كالخُمرة والحصيرة ونحوه، وإنما تنازعوا في كراهة ذلك على ما ليس من جنس الأرض: كالأنطاع المبسوطة من جلود الأنعام، وكالبسط والزرابي المصبوغة من الصوف، وأكثر أهل العلم يرخصون في ذلك أيضًا، وهو مذهب أهل الحديث كالشافعي وأحمد، ومذهب أهل الكوفة كأبي حنيفة وغيرهم. وقد استدلوا على جواز ذلك أيضًا بحديث عائشة، فإن الفراش لم يكن من جنس الأرض، وإنما كان من أدم أو صوف] اهـ.

وقال الإمام المرداوي في "الإنصاف" (2/ 70): [قال الأصحاب: لو سجد على حشيش أو قطن أو ثلج أو برد ونحوه، ولم يجد حجمه: لم يصح؛ لعدم المكان المستقر] اهـ.
وقال الإمام البهوتي في "كشاف القناع" (1/ 298): [وتصح الصلاة على الثلج بحائل أو لا، إذا وجد حجمه لاستقرار أعضاء السجود وكذا حشيش وقطن منتفش تصح الصلاة عليه إذا وجد حجمه وإن لم يجد حجمه لم تصح صلاته؛ لعدم استقرار الجبهة عليه] اهـ.
وبناءً على ذلك وفي واقعة السؤال: فإن هذه المرتبة التي عملتموها للصلاة عليها جائزة شرعًا، ولا حرمة في الصلاة عليها باتفاق الفقهاء مِن أهل السنة وأرباب المذاهب الأربعة؛ لأن سُمْكَها المذكور يسير لا يمنع من استقرار الجبهة ويجد المصلِّي حجم الأرض عند السجود عليها، كما أنه لا كراهة فيها عند المالكية أيضًا؛ لأن الكراهة تنتفي عندهم إذا كان ذلك في المسجد أو للحاجة، وكلا الأمرين حاصل هنا.

والله سبحانه وتعالى أعلم.

اقرأ أيضا

مواقيت الصلاة

الفـجــر
الشروق
الظهر
العصر
المغرب
العشاء