حكم التجارة في الآثار - الفتاوى - دار الإفتاء المصرية - دار الإفتاء

حكم التجارة في الآثار

حكم التجارة في الآثار

ما حكم بيع الآثار التي يُعثر عليها، والمتاجرة فيها عمومًا؟

لا يجوز شرعًا المتاجرة بالآثار أو التصرف فيها بالبيع أو الهبة أو غير ذلك من التصرفات إلا في حدود ما يسمح به ولي الأمر وينظِّمه القانون مما يحقق المصلحة العامة، حتى ولو وجدها الإنسان في أرض يمتلكها؛ فانتقال ملكية الأرض لا يستتبع انتقال ملكية المدفون في الأرض من الآثار، ما لم يكن المالك الحالي أحد ورثة المالك الأول صاحب الأثر المدفون -وهو أمر مستبعدٌ-، بل لا تثبت الملكية حتى في حالة ثبوت أنه من ورثة المالك الأول؛ لاعتبارات كثيرة، وإذا عُدِم انتقال ملكية الأثر للمالك الحالي على هذا النحو، فمِن ثَمَّ يكون ذلك الأثر مالًا عامًّا، ويصير لُقَطة يجب ردها إلى الدولة، وهذا ما عليه العمل في الديار المصرية إفتاءً وقضاءً.

التفاصيل ....

المحتويات

بيان مفهوم الآثار

الآثار لغة: جمع أثر: وهو بقية الشيء. انظر: "لسان العرب" (4/ 5، مادة: أثر، ط. دار صادر - بيروت).
وأما اصطلاحًا: فقد نَصَّ القانون المصري في المادة رقم 1 من قانون حماية الآثار رقم 117 لسنة 1983م على أنه: "يعتبر أَثَرًا كلُّ عقار أو منقول أنتجته الحضارات المختلفة، أو أحدثته الفنون والعلوم والآداب والأديان من عصر ما قبل التاريخ وخلال العصور التاريخية المتعاقبة، حتى ما قبل مائة عام، متى كانت له قيمة أو أهمية أثرية أو تاريخية، باعتباره مظهرًا من مظاهر الحضارات المختلفة التي قامت على أرض مصر، أو كانت لها صلة تاريخية بها، وكذلك رفات السلالات البشرية والكائنات المعاصرة لها".

والآثار التي يعثر عليها آحاد الناس في مصر أقسام:
الأول: ما يكون متعلِّقًا بحضارات سابقة على الفتح الإسلامي لمصر؛ كالفراعنة والرومان.
الثاني: ما يكون متعلِّقًا بثقافات وطوائف غير إسلامية عاصرت عهد الفتح الإسلامي وما بعده؛ كالآثار القبطية.
الثالث: ما كان من الآثار الإسلامية.
أما الأول والثاني فيطلق عليه اسم الركاز.
وأما الثالث: فيسمى كنزًا.

مفهوم الركاز وبيان أحكامه

الرِّكاز لغة: "بمعنى المركوز، كالكتاب بمعنى المكتوب، وهو من الركز أي: الإثبات، يقال: ركز شيئًا في شيء ركزًا: إذا أقره وأثبته. ورَكَزَ الله المَعادِنَ في الجبال: أَثْبَتَها. وشيء مركوز في العقول؛ أي: ثابت فيها. ومَركوزٌ في الأَرض: أَي ثابتٌ ومَدفُون". انظر: "المعجم الوسيط" (1/ 766، ط. مجمع اللغة العربية)، و"تاج العروس" (15/ 160، ط. دار الهداية).
وقد ذهب الفقهاء الحنفية إلى أن الركاز اسم يطلق على ما كان ذا قيمة مدفونًا في باطن الأرض؛ سواء أكان بفعل المخلوق أم بفعل الخالق سبحانه وتعالى، فهو عندهم أعم من الكنز ومن المَعدِن؛ قال الإمام الزيلعي في "تبيين الحقائق" (1/ 287-288، ط. دار الكتاب الإسلامي): [وهو -أي: الركاز- اسم لما يكون تحت الأرض خلقة أو بدفن العباد، والمعدن: اسم لما يكون فيها خلقة، والكنز: اسم لمدفون العباد] اهـ.
وقال العلامة الكمال بن الهمام في "فتح القدير" (2/ 235، ط. دار الفكر): [أصل المعدن: المكان بقيد الاستقرار فيه، ثم اشتهر في نفس الأجزاء المستقرة التي ركبها الله تعالى في الأرض يوم خلق الأرض، حتى صار الانتقال من اللفظ إليه ابتداء بلا قرينة، والكنز للمثبت فيها من الأموال بفعل الإنسان، والركاز يعمهما؛ لأنه من الركز مرادًا به المركوز، أعم من كون راكزه الخالق أو المخلوق] اهـ.
فإذا كان الركاز عليه علامات تدل على أنه يرجع إلى الجاهلية، أو كان خاليًا عن العلامات، أو كانت العلامات مشكوكًا فيها، فلم تدل بغالب الظن على أنه لأحد من المسلمين أو الذميين، فذلك الركاز إن وجد في أرض مملوكة فإنه يخرج منه الخمس زكاة، ويكون باقيه للمالك الذي خصه ولي الأمر بتملك تلك الأرض عند أول فتحها بالإسلام، ومن بعده تكون لورثته، وإن لم يكن له وارث فإن الركاز حينئذٍ يعود أمره إلى ولي الأمر فيكون ملكًا لبيت المال، وكذلك أيضًا يعود إلى بيت المال على الأوجه في المذهب إن كان له وارث غير معروف.
قال العلامة الحصكفي في "الدر المختار" (2/ 322-323، مع "حاشية ابن عابدين"، ط. دار الكتب العلمية): [(وما عليه سمة الكفر خُمِّس، وباقيه للمالك أول الفتح) ولوارثه لو حيًّا، وإلا فلبيت المال على الأوجه، وهذا (إن ملكت أرضه، وإلا فللواجد) ... (وإن خلا عنها) أي: العلامة (أو اشتبه الضرب فهو جاهلي على) ظاهر (المذهب) ذكره الزيلعي؛ لأنه الغالب] اهـ.
قال العلامة ابن عابدين معلقًا عليه: [(قوله: سمة الكفر)؛ كنقش صنم أو اسم ملك من ملوكهم المعروفين. "بحر". (قوله: خمس) أي سواء كان في أرضه أو أرض غيره أو أرض مباحة، "كفاية". قال قاضي خان: وهذا بلا خلاف؛ لأن الكنز ليس من أجزاء الدار، فأمكن إيجاب الخمس فيه، بخلاف المعدن. (قوله: أول الفتح) ظرف للمالك أي المختط له، وهو مَن خَصَّه الإمام بتمليك الأرض حين فتح البلد. (قوله: على الأوجه) قال في "النهر": فإن لم يعرفوا أي الورثة، قال السرخسي: هو لأقصى مالك للأرض أو لورثته. وقال أبو اليسر: يوضع في بيت المال. قال في "الفتح": وهذا أوجه للمتأمل. اهـ. وذلك لما في "البحر" من أن الكنز مودع في الأرض، فلمّا ملكها الأول ملك ما فيها، ولا يخرج ما فيها عن ملكه ببيعها كالسمكة في جوفها درة. (قوله: وهذا إن ملكت أرضه) الإشارة إلى قوله: وباقيه للمالك، وهذا قولهما، وظاهر "الهداية" وغيرها ترجيحه، لكن في "السراج": وقال أبو يوسف: والباقي للواجد كما في أرض غير مملوكة وعليه الفتوى، اهـ...(قوله: وإلا فللواجد) أي وإن لم تكن مملوكة كالجبال والمفازة فهو كالمعدن يجب خمسه، وباقيه للواجد مطلقًا. "بحر"] اهـ.
وأما الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة: فإن الركاز عندهم هو عبارة عن دفين الجاهلية خصوصًا، على تفصيل عندهم في ذلك.
فيرى المالكية أن الركاز عبارة عن دفن جاهلي: أي مال مدفون كان يمتلكه شخص جاهلي، وفسروا مرادهم بالجاهلي أنه غير المسلم والذمي، فيشمل من كان قبل الإسلام ومن كان بعده؛ قال الشيخ عليش في "منح الجليل شرح مختصر خليل" (2/ 81، ط. دار الفكر): [وأراد المصنف به -يعني الجاهلي- من ليس مسلمًا ولا ذميًّا؛ بدليل قوله الآتي: (ودفن مسلم أو ذمي لقطة)، فلو قال: (وهو دفن كافر غير ذمي) لكان أوضح وأشمل؛ لشموله دفن كل كافر غير ذمي كان قبل الإسلام أو بعده له كتاب أو لا. ومال الكافر غير الذمي الذي وجد على وجه الأرض فيه الخمس أيضًا، ولكن لا يسمى ركازًا] اهـ.
وقالوا بأن: من حفر قبور الجاهلية في أرض مملوكة فعثر فيها على مال، فإنه يعتبر ركازًا يجب إخراج الخمس منه، وما تبقى منه يكون لمالك الأرض التي وجد فيها هذا المال، بشرط أن يكون قد امتلكها بإحياء أو بإرث ممن أحياها، لا بشراء ولا بهبة، فإن كانت الأرض فتحت عنوة كان باقي الركاز للجيش، وإلا فلورثة الجيش، وإلا فلبيت المال وعموم المسلمين، وأما إن كانت فتحت صلحًا فجميع ركاز الأرض يكون للمصالحين بلا تخميس ثم لورثتهم، فإن انقرضوا كان الركاز كالمال الذي لم يعرف صاحبه.
ويرى الشافعية أن الركاز عبارة عن دفين الجاهلية وأموالها من النقدين الذهب والفضة، وفسروا الجاهلية بأنها ما كان قبل مبعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ويعتبر في كون الدفين الجاهلي ركازًا أن لا يُعلم أن مالكه بلغته الدعوة، فإن علم أنها بلغته وعاند ووجد في بنائه أو بلده التي أنشأها كنز فليس بركاز بل فيء. انظر: "مغني المحتاج" (2/ 103، ط. دار الكتب العلمية)، و"أسنى المطالب" (1/ 386، ط. دار الكتاب الإسلامي).
ويرى الحنابلة أن الركاز هو الكنز من دفن الجاهلية، أو مَنْ تَقَدَّم مِنْ كفار في الجملة، عليه أو على بعضه علامة كفر. انظر: "مطالب أولي النهى" (1/ 426، ط. عالم الكتب).
ولا يشترط فيه أن يكون من النقدين، بل يكون من أي نوع من المال قل أو كثر. انظر: "الإنصاف" (3/ 123، ط. دار إحياء التراث العربي).

الآثار من الأموال العامة التي لا يجوز للفرد تملكها أو حيازتها أو التصرف فيها

المفتى به أن انتقال ملكية الأرض من المالك الأول عند الفتح إلى المالك الحالي لا يستتبع انتقال ملكية الركاز المدفون في الأرض ما لم يكن المالك الحالي أحد ورثة المالك الأول، وإذا عُدِم انتقال ملكية الركاز للمالك الحالي مع التأكد من تعذر الوصول إلى المالك الأول وورثته، فمِن ثَمَّ يكون ذلك الركاز مملوكًا لعموم المسلمين أو لبيت المال، ويصير لقطة يجب ردها إليه، بل لا تثبت الملكية حتى في حالة ثبوت أنه من ورثة المالك الأول -وهو مستبعد من حيث الواقع-؛ وذلك بناءً على ما يلي:
1- "أن الآثار مظنة التنازع؛ لدوامها واستمرار الانتفاع بها من جهة ما تقدمه من فائدة تاريخية، وقيمة حضارية، وما تدره من دخل مالي نتيجة إقبال المهتمين والدارسين من شتى أنحاء العالم لمشاهدة تلك الآثار التاريخية ودراستها، فتنزل منزلة المعادن في أن حكمها راجع إلى ولي الأمر ولو كانت قد وجدت في أرض مملوكة لمعين؛ لأنها مظنة التنازع؛ لدوامها واستمرار الانتفاع به، وهذا هو ما قرره الفقهاء المالكية. انظر: "منح الجليل" (2/ 78 ، ط. دار الفكر).
2- أن الآثار تعتبر من الأموال التي يتضرر مجموع الأمة لو اقتصر تملكها على بعضهم وتصرف فيها بما لا يحقق المصلحة العامة، فمثلها في ذلك كالماء العِدِّ -وهو الماء الدائم الذي لا انقطاع له؛ كماء العيون- والمعادن وما لا يستغنى عنه؛ لما لها من قيم تاريخية وحضارية وعلمية واقتصادية تصب جميعها في مصلحة المجتمع ونمائه وتقدمه، وقد روى أبو داود وغيره عن أبْيَضَ بن حَمَّالٍ رضي الله عنه: "أنه وفَدَ إلى رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم، فاستقطَعَه المِلحَ الذي بمأرِبَ، فقطعه له، فلما أن وَلَّى قال رجلٌ من المجلِس: أتدري ما قطعتَ له؟ إنما قطعتَ له الماء العِدَّ، قال: فانتُزِع منه".
3- ما تقرر من أن "حكم الحاكم يرفع الخلاف في مسائل الاجتهاد المختلف فيها". انظر: "الفروق" للقرافي (2/ 103، ط. عالم الكتب)، و"المنثور في القواعد الفقهية" للزركشي (2/ 69، ط. وزارة الأوقاف الكويتية).
وقد اعتبر القانون المصري الآثار التي يعثر عليها في أرض مصر من الأموال العامة التي لا يجوز للفرد تملكها أو حيازتها أو التصرف فيها بغير تصريح من الدولة؛ سواء عثر عليها في أرض تملكها الدولة أو يملكها الأفراد.
جاء في المادة 6 من القانون المذكور: "على أن جميع الآثار تعتبر من الأموال العامة -عدا ما كان وقفًا-، ولا يجوز تملكها أو حيازتها أو التصرف فيها إلا في الأحوال وبالشروط المنصوص عليها في هذا القانون والقرارات المنفذة له".
وجاء في المادة 24 منه أنه: "على كل من يعثر مصادفة على أثر منقول، أو يعثر على جزء أو أجزاء من أثر ثابت فيما يتواجد به من مكان، أن يُخطِر بذلك أقرب سلطة إدارية خلال ثمانٍ وأربعين ساعة من العثور عليه، وأن يحافظ عليه حتى تتسلمه السلطة المختصة، وإلا اعْتُبِرَ حائزًا لأثر بدون ترخيص، وعلى السلطة المذكورة إخطار الهيئة بذلك فورًا، ويصبح الأثر ملكًا للدولة، وللهيئة إذا قدرت أهمية الأثر أن تمنح من عثر عليه وأبلغ عنه مكافأة تحددها اللجنة الدائمة المختصة".
وقد قررت المادة 32 أنه: "لا يجوز لغير هيئة الآثار المصرية مباشرة أعمال البحث أو التنقيب عن الآثار إلا تحت الإشراف المباشر للهيئة عن طريق من تندبه لهذا الغرض من الخبراء والفنيين وفقًا لشروط الترخيص الصادر منها".
هذا، ونصت المادة 45 من قانون حماية الآثار الجديد على أن: "من جاوز متعمدًا شروط الترخيص له بالحفر الأثري، أو اقتنى أثرًا وتصرف فيه على خلاف ما يقضي به القانون، يعاقب بالسجن مدة لا تقل عن ثلاث سنوات، ولا تزيد على خمس سنوات، وبغرامة لا تقل عن عشرة آلاف جنيه، ولا تزيد على خمسين ألف جنيه".
أما إذا أجرى أعمال الحفر بقصد الحصول على الآثار دون ترخيص أو اشترك في ذلك؛ فقد نصت المادة 44 من هذا القانون على أنه: "يعاقب بالسجن المشدد، وبغرامة لا تقل عن خمسين ألف جنيه، ولا تزيد على مائة ألف جنيه".
ومما سبق يتبين أن جميع الآثار من الناحية القانونية تُعَدُّ من الأموال العامة، وعلى اصطلاح الفقهاء: تعتبر ملكًا لبيت مال المسلمين، ولولي الأمر دون غيره حق التصرف فيها بما يعود بالنفع العام على أفراد المجتمع؛ لأن تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة؛ كما هو مقرر في قواعد الفقه الإسلامي. انظر: "المنثور في القواعد" للزركشي (1/ 309، ط. وزارة الأوقاف الكويتية)، و"الأشباه والنظائر" للسيوطي (ص: 121، ط. دار الكتب العلمية).
ومن المقرر شرعًا أنه لا سائبة في الإسلام، وأنه ليس هناك مال يبقى بلا صاحب، فالمال الذي لم يُعرف له صاحب أو وارث يكون محله بيت المال؛ لينفق على مصالح الأمة وتلبية حاجات المجتمع، فقد روى أبو داود وابن ماجه واللفظ له، عن المقدام أبي كريمة رضي الله عنه -رجل من أهل الشام من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ، وَمَنْ تَرَكَ كَلًّا فَإِلَيْنَا» رواه أبو داود، وربما قال: «فَإِلَى اللهِ وَإِلَى رَسُولِهِ»، «وَأَنَا وَارِثُ مَن لَا وَارِثَ لَهُ، أَعقِلُ عَنْهُ وَأَرِثُهُ».
قال العظيم آبادي في "عون المعبود" (8/ 76، ط. دار الكتب العلمية): [(وأرثه) أي من لا وارث له. قال القاضي رحمه الله: يريد به صرف ماله إلى بيت مال المسلمين فإنه لله ولرسوله] اهـ.
وقال الإمام السندي في "حاشيته" على "سنن ابن ماجه" (3/ 270، ط. دار المعرفة - بيروت): قوله: [«أَنا وَاَرِثُ مَنْ لَا وَاَرِثَ لَهُ»؛ أي: أجعل ماله في بيت المال] اهـ.
وقال الإمام السهارنفوري في "بذل المجهود" (13/ 173، ط. دار الكتب العلمية): [«وأرثه» إذا لم يكن له وارث من الأقارب، ووراثته صلى الله عليه وآله وسلم إياهم باعتبار بيت المال، فإن الإنسان إذا مات ولم يدع وارثًا من أهل القرابة لا من أهل الفروض والعصبات ولا من السبب ولا من ذوي الأرحام فماله لبيت المال] اهـ.
وفي رواية أخرى لأبي داود عن المقدام الكندي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «أَنَا أَوْلَى بِكُلِّ مُؤمِنٍ مِن نَفْسِهِ، فَمَن تَرَكَ دَينًا أو ضَيعةً فإليّ، وَمَن تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ، وَأَنَا مَولَى مَن لَا مَوْلَى لَهُ أَرِثُ مَالَهُ وَأفك عَانَه»، ورواه أحمد في "مسنده".
قال الإمام السهارنفوري في "بذل المجهود" (13/ 174): [«وأنا مولى من لا مولى له»؛ أي: وارث من لا وارث له «أرث ماله» بإدخاله في بيت مال المسلمين «وأفك عانه»؛ أي: أحل أسره؛ أي: أدِي عنه ما يتعلق بذمته أو يلزمه لسبب الجنايات] اهـ.

أهمية الآثار وضرورة إنشاء المتاحف للحفاظ عليها

في بيانِ ما للآثار من أهمية وما تمثله من منافع عامة، يقول فضيلة الإمام الأكبر الشيخ جاد الحق علي جاد الحق شيخ الأزهر الأسبق في فتواه حول إقامة المتاحف وعرض التماثيل، الصادرة بتاريخ جمادى الآخرة 1400هـ/ 11مايو 1980م: [الآثار وسيلة لدراسة التاريخ وإذ كان ذلك وكانت الأمم الموغلة في القدم؛ كالمصريين القدماء، والفرس، والرومان، وغير أولئك وهؤلاء ممن ملؤوا جنبات الأرض صناعة وعمران، قد لجئوا إلى تسجيل تاريخهم اجتماعيًّا وسياسيًّا وحربيًّا نقوشًا ورسومًا ونحتًا على الحجارة، وكانت دراسة تاريخ أولئك السابقين والتعرف على ما وصلوا إليه من علوم وفنون أمرًا يدفع الإنسانية إلى المزيد من التقدم العلمي والحضاري النافع، وكان القرآن الكريم في كثير من آياته قد لفت نظر الناس إلى السير في الأرض ودراسة آثار الأمم السابقة والاعتبار والانتفاع بتلك الآثار، وكانت الدراسة الجادة لهذا التاريخ لا تكتمل إلا بالاحتفاظ بآثارهم وجمعها واستقرائها؛ إذ منها تعرف لغتهم وعاداتهم ومعارفهم في الطب والحرب والزراعة والتجارة والصناعة، وما قصة حجر رشيد الذى كان العثور عليه وفك رموزه وطلاسمه فاتحة التعرف علميًّا على التاريخ القديم لمصر، وما قصة هذا الحجر وقيمته التاريخية والعلمية بخافية على أحد، والقرآن الكريم حثَّ على دراسة تاريخ الأمم وتبين الآيات في هذا الموضع، إذ كان كل ذلك كان حتمًا الحفاظ على الآثار والاحتفاظ بها سجلًّا وتاريخًا دراسيًّا؛ لأن دراسة التاريخ والاعتبار بالسابقين وحوادثهم للأخذ منها بما يوافق قواعد الإسلام والابتعاد عما ينهى عنه من مأمورات الإسلام الصريحة الواردة في القرآن الكريم في آيات كثيرة؛ منها قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: 46]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [العنكبوت: 20]، وقوله سبحانه: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [الروم: 9]، وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر: 44].
إقامة المتاحف ضرورة: لما كان التحفظ على هذه الآثار هو الوسيلة الوحيدة لهذه الدراسة أصبح حفظها وتهيئتها للدارسين أمرًا جائز إن لم يكن من الواجبات باعتبار أن هذه الوسيلة للفحص والدرس ضرورة من الضرورات، وقاعدة الضرورة مقررة في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: 119]، وغير هذا من الآيات.
ولعل مما نسترشد به في تقرير هذه الضرورة الدراسية والأخذ بها ما نقله أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي في كتابه "الجامع لأحكام القرآن" عند تفسيره قول الله تعالى في سورة سبأ: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ﴾ [سبأ: 13]، من استثناء لعب البنات المجسمة من تحريم صنع التماثيل، فقد قال في المسألة الثامنة ما نصه: [وقد استثني من هذا لعب البنات؛ لما ثبت عن عائشة رضى الله عنها: "أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تزوجها وهى بنت سبع سنين، وزفت إليه وهى بنت تسع ولعبها معها، ومات عنها وهي بنت ثمانِ عشرة سنة"، وعنها أيضًا قالت: "كنت ألعب بالبنات عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكان لي صواحب يلعبن معي، فكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا دخل ينقمعن منه -أي: يتخفين منه- فيسرِّبُهن -أي: يرسلهن ويبعثهن- إليَّ ليلعبن معي" أخرجهما مسلم. قال العلماء: وذلك للضرورة إلى ذلك وحاجة البنات؛ حتى يتدربن على تربية أولادهن. ثم إنه لا بقاء لذلك، وكذلك ما يصنع من الحلاوة أو من العجين لا بقاء له فرخص في ذلك. اهـ. وتخريجًا على هذا: كان الاحتفاظ بالآثار؛ سواء كانت تماثيل أو رسومًا أو نقوشًا في متحف للدراسات التاريخية ضرورة من الضرورات الدراسية والتعليمية لا يحرمها الإسلام؛ لأنها لا تنافيه، بل إنها تخدم غرضًا علميًّا وعقائديًّا إيمانيًّا حث عليه القرآن، فكان ذلك جائزًا إن لم يصل إلى مرتبة الواجب، بملاحظة أن الدراسات التاريخية مستمرة لا تتوقف] اهـ.

الخلاصة

من كل ما سبق توضيحه: يتبين أنه لا يجوز المتاجرة بالآثار أو التصرف فيها بالبيع أو الهبة أو غير ذلك من التصرفات ولو وجدها الإنسان في أرض يمتلكها إلا في حدود ما يسمح به ولي الأمر وينظِّمه القانون مما يحقق المصلحة العامة.

والله سبحانه وتعالى أعلم.

اقرأ أيضا