ما حكم المشاركة في دعوات الامتناع عن التجارة في أوقات الغلاء؟ فأنا صاحب نشاط تجاري وسمعت أنَّ هناك دعوات ومبادرات لبعض أصحاب المحلات التجارية التي تبيع المواد الغذائية وكذا محلات جزارة اللحوم والطيور لغلق النشاط والامتناع عن ممارسة التجارة بسبب غلاء الأسعار مدعين أن هذا هو مصلحة الفقير، فما حكم المشاركة في تلك المبادرات؟ وما التصرف الشرعي تجاه ذلك؟
المشاركة في الامتناع عن ممارسة العمل وقت الغلاء -دون التنسيق مع الجهات المختصة-: أمر ممنوع شرعًا؛ وكذلك كلّ أمرٍ يعوقُ عملية الإنتاج واستمرارية حياة الناس ممنوع شرعًا ومجرم قانونًا، وتتأكد الحرمة إذا تعلق الامتناع بأقوات الناس وضرورياتهم التي لا يستغنون عنها، سواء نوى الممتنع الإضرار بغيره أم لم ينوه؛ والأحرى بذوي الأعمال أن يتعاملوا في هذه الأوقات بكل صدق وأمانة، وأن يراعوا حاجة الناس بعدم المغالاة في رفع الأسعار، وبالبعد عن الاحتكار والغش، والتيسير على الناس في شرائها.
المحتويات
حثَّ الشرع الشريف على العمل والسعي وطلب الحلال؛ فقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك: ١٥].
قال الإمام النسفي في "مدارك التنزيل وحقائق التأويل" (3/ 514، ط. دار الكلم): [﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا﴾ لينة سهلة مُذلّلة لا تمنع المشي فيها، ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ جوابها استدلالًا استرزاقًا أو جبالها أو طرقها، ﴿وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ أي: من رزق الله فيها] اهـ.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لَأَنْ يَحْتَطِبَ أَحَدُكُمْ حُزْمَةً عَلَى ظَهْرِهِ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ أَحَدًا، فَيُعْطِيَهُ أَوْ يَمْنَعَهُ» أخرجه البخاري.
الأصل في التجارة من بيع وشراء الجواز؛ قال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ الله الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275]، والبيع من أفضل طرق الكسب وأشرفها، وذلك إذا ابتعد التاجر عن استغلال حاجة الفقراء والتزم بالصدق والأمانة في تجارته، فقد بيّنت النصوص الشرعية منزلة التاجر الصادق، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النَّبِيَّ صلى الله عليه وآله وسلم قَالَ: «التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الأَمِينُ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ» أخرجه الإمام الترمذي في "جامعه".
أما بالنسبة لما ينادي به بعض التجار من إيقافٍ لنشاطهم وإغلاقٍ لمحلاتهم التي تبيع المواد الغذائية الأساسية أو اللحوم والطيور وغيرها؛ دون التنسيق مع الجهات المختصة، فهذا يُؤدّي إلى تفاقم المشكلات وحدوث ضرر أكبر، وإتاحة الفرصة لمَن يستغلون حاجة الناس فيقومون بدورهم برفع الأسعار عليهم، فاذا عمَّ ذلك أدى إلى تعطيل مسيرة الإنتاج، وانتشار الاحتكار والغش، ممَّا يترتب عليه إلحاق الضرر بجموع الناس.
ومن المقرر شرعًا أنه "لا ضرر ولا ضِرَار"؛ فعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «قَضَى أَنْ لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» رواه الإمام أحمد في "مسنده"، وهي قاعدة تحول مراعاتها بين الإنسان وبين كلِّ ما يمكن أن يسبب له الضرر على مستوى الأفراد والجماعات.
فامتناع بعض التجار عن ممارسة أعمالهم ومزاولة أنشطتهم، دون التنسيق مع الجهات المعنية والمختصة التي منحتهم الرخصة القانونية لمزاولة النشاط، أمرٌ غير صحيح ومخالف لما تقرّر شرعًا من فضل التجارة الحلال ما دام التاجر ملتزمًا بآداب الشرع في تجارته نافعًا لخلق الله بعمله؛ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ [النساء: 29].
قال الإمام البيضاوي في "أنوار التنزيل وأسرار التأويل" (2/ 70، ط. دار إحياء التراث العربي): [﴿إِلَّا أَن تَكُونَ تِجارَةً عَن تَراضٍ مِّنكُمْ﴾: استثناء منقطع؛ أي: ولكن كون تجارة عن تراض غير منهي عنه، أو اقصدوا كون تجارة. و﴿عَن تَراضٍ﴾ صفة لتجارة؛ أي: تجارة صادرة عن تراضي المتعاقدين] اهـ.
كما أنَّ في عمليات البيع والشراء والتجارة المشروعة ضمانًا واستمرارية لسير الحياة العامة بانتظام واضطراد.
أما دعوات المقاطعة والامتناع: فتزيد أحوال السوق اضطرابًا يُصَعِّب من محاولات الإصلاح وتفعيل الحلول الإيجابية، وهو أمر مخالف لمقاصد الشرع الشريف من الحفاظ على المال واستثماره في زيادة الإنتاج؛ لتتوفر السلع بالشكل المطلوب بما يحصل أمن الناس الغذائي خاصة في أوقات الأزمات والاحتياج، وهذا ما حثت عليه نصوص الشريعة الغراء.
ويستوي إثم مَن يمتنع عن بيع أقوات الناس وقت الاحتياج ويتسبب في الضرر بالخاصة والعامة مع إثم الاحتكار، ولا يخرج عن معناه ولا عن الوعيد الوارد في حق المحتكر؛ لما يجمعهما من التسبب في الضرر الاقتصادي والمساس بالأمن الغذائي والإضرار به.
قال الإمام الكاساني الحنفي في "بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع" (5/ 129، ط. دار الكتب العلمية): [فهو-أي الاحتكار- أن يشتري طعامًا في مِصرٍ ويمتنع عن بيعه؛ وذلك يضر بالناس..؛ لمكان الإضرار بالعامة.. لأن حرمة الاحتكار بحبس المشتري في المصر لتعلق حق العامة به؛ فيصير ظالمًا بمنع حقهم..؛ ولأن الاحتكار من باب الظلم لأن ما بيع في المصر فقد تعلق به حق العامة فإذا امتنع المشتري عن بيعه عند شدة حاجتهم إليه فقد منعهم حقهم، ومنعُ الحق عن المستحق ظلم، وأنه حرام، وقليل مدة الحبس وكثيرها سواء في حق الحرمة لتحقق الظلم] اهـ.
هذا، في حين أنَّه قد بشَّر النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم مَن سعى في توفير الاحتياجات بصورة آمنة حالًا ومآلا؛ متخذًا الأسباب المبتكرة النافعة، من دون إضرار بالسوق؛ تيسيرًا على الناس واحتسابًا لوجه اللَّه تعالى بأنه كالمجاهد في سبيل اللَّه تعالى؛ فعن الْيَسَعِ بنِ المغيرة رضي الله عنه قال: «مرَّ رسولُ اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم بِرَجلٍ بالسوق يبيع طعامًا بسعرٍ هو أرخص مِن سعر السوق، فقال: تَبِيعُ فِي سُوقِنَا بِسِعْرٍ هُوَ أَرْخَصُ مِنْ سِعْرِنَا؟ قال: نعم، قال: صَبْرًا وَاحْتِسَابًا؟ قال: نعم، قال: أَبْشِرْ؛ فَإِنَّ الْجَالِبَ إِلَى سُوقِنَا كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» رواه الزبير بن بكار في "أخبار المدينة"، والحاكم في "المستدرك".
إنه بالنظر في مواد القانون المصري نجد أنه قد ذكر بعض المواد التي تنص على حماية شؤون المستهلك وحياة الناس، واستمرارية المصالح العامة؛ حتى لا يدبّ الخلل في حياة الناس وتتعطل شؤون حياتهم، ومن ذلك ما نصت عليه المادة رقم 361 مكررًا (أ) من قانون العقوبات رقم (58) لسنة 1937م المعدل بالقانون رقم (141) لسنة 2021م على: [كل مَن عطَّل عمدًا بأية طريقة كانت وسيلة من وسائل خدمات المرافق العامة أو وسيلة من وسائل الإنتاج يعاقب بالسجن، وتكون العقوبة السجن المشدد إذا وقعت الجريمة بقصد الإضرار بالإنتاج أو الإخلال بسير مرفق عام] اهـ.
وكذا المادة رقم (8) من قانون رقم (181) لسنة 2018م بشأن حماية المستهلك، ونصها: [يُحظر حبس المنتجات الإستراتيجية المعدة للبيع عن التداول بإخفائها، أو عدم طرحها للبيع، أو الامتناع عن بيعها، أو بأي صورة أخرى] اهـ. وكذا المادة رقم (6)، والمادة رقم (8) من القانون رقم (3) لسنة 2005م بشأن حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية، والتي تفيد حظر ما شأنه أن يؤدي إلى عدم التصنيع أو الإنتاج أو التوزيع لمنتج معين لفترة أو فترات محددة إلى غير ذلك من المواد القانونية، وأحكام محكمة النقض التي تمنع وتجرم حبس المنتجات -الإستراتيجية والمسعرة- والامتناع عن بيعها.
الأحرى بكل ذي عملٍ أو نشاط التفكير بطرق ابتكارية غير اعتيادية؛ لزيادة نشاطه وإنتاجه، ولتقليل التكلفة على المنتجات، ومن ثمَّ تقليل السعر على المستهلك وخصوصًا الفقير بالتعاون مع الجهات المختصة، ليحصل الثواب، ويعم النفع على البلاد والعباد.
وكما أنَّ لأصحاب الأعمال والمنتجين أن يقتطعوا جزءًا من أرباحهم -قلَّ هذا الجزء أو كثر- لصالح المحتاج؛ وهذا من التكافل الاجتماعي والإغاثة في وقت الاحتياج "العسرة" الذي رتب الشرع الشريف عليه من الفضل الجزيل، والأثر الجميل في الحياة الأولى والأخرى، وبمثل هذا نال السابقون الفضل والرضوان؛ فعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ رضي الله عنه قال: جاء عثمان أي ابن عفان إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بألف دينار في كمّه حين جهز جيش العسرة فنثرها في حجره، فرأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقلبها في حجره وَيَقُولُ: «مَا ضَرَّ عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ اليَوْمِ» مَرَّتَيْنِ. رواه الترمذي في "جامعه".
بناء على ذلك وفي واقعة السؤال: فإنَّ المشاركة في الامتناع عن ممارسة العمل وقت الغلاء -دون التنسيق مع الجهات المختصة-: أمر ممنوع شرعًا؛ وكذلك كل أمر يعوق عملية الإنتاج واستمرارية حياة الناس ممنوع شرعًا ومُجرَّم قانونًا، وتتأكد الحرمة إذا تعلق الامتناع بأقوات الناس وضرورياتهم التي لا يستغنون عنها، سواء نوى الممتنع الإضرار بغيره أم لم ينوه؛ والأحرى بذوي الأعمال أن يتعاملوا في هذه الأوقات بكل صدق وأمانة، وأن يراعوا حاجة الناس بعدم المغالاة في رفع الأسعار، وبالبعد عن الاحتكار والغش، والتيسير على الناس في شرائها.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
ما حكم التهنئة بأعياد رأس السنة الميلادية؟ وهل هي حرامٌ شرعًا كما يشيع البعض؛ بدعوى أنها مشاركة في طقوسهم الدينية؟
ما حكم العمل في الأحجار الكريمة وزكاتها؟ فنحن المسلمين من منطقة شنجيانغ الواقعة في شمال غرب الصين، نعيش في مدينة صغيرة تعد من أفقر المدن، إلا أن الله سبحانه وتعالى وهبها ثروة طبيعية معدنية وهي الأحجار الكريمة، فلذا من البديهي أن يوجد من يتاجر بها، وبالتالي يصل عدد المزاولين من المسلمين إلى عشرين ألف شخص أو يزيد عن ذلك، هذا ما عدا المنتفعين منها، وعلى هذا نستطيع أن نقسمهم إلى ثلاثة أقسام:
1- الأيدي العاملة: ويقوم هؤلاء بالحفر والتنقيب عن المعادن مقابل أجور لمالكي المعادن.
2- الوسطاء: ويقوم هؤلاء بشراء الأحجار المستخرجة من المعادن ويبيعونها للناقلين.
3- الناقلون: يقوم هؤلاء بشراء الأحجار من الوسطاء وأحيانًا من المعادن مباشرة، وبعدما تصبح لديهم كمية كبيرة من الأحجار يذهبون بها إلى المدن الصينية الأخرى البعيدة ويبيعونها إلى غير المسلمين من النحاتين والنقاشين الذين ينحتون منها بنسبة 70 % أشكالًا مجسمةً مثل: الأصنام والتماثيل والحيوانات، وبنسبة 30% أشكالًا غير مجسمة مثل: الأَسْوِرَة والخواتم.
علمًا بأن الأحجار بحسب أسعارها تنقسم إلى قسمين:
1- الأحجار ذات الأسعار الغالية، وهي تحتل نسبةً ضئيلةً جدًّا لا يصنع منها النحات شيئًا بل يحتفظ بها للتباهي والتفاخر.
2- الأحجار ذات الأسعار الرخيصة، وهي تحتل النسبة الكبيرة منها التي ينحت منها النحَّات الأشكال المجسمة وغير المجسمة كما ذُكر بعاليه.
ونفيدكم بأن أغلبية المزاولين من خيرة الرجال الذين يتفانون في بذل ما عندهم للأمور الخيرية ومساعدة الفقراء، وهم كذلك من المتمسكين بالعقيدة الصحيحة.
ومما تجدر الإشارة إليه بأن عمدة اقتصاد المسلمين في أيدي مزاولي هذه التجارة، وإذا لم يزاولها المسلمون فمن المؤكد جدًّا أن يستولي عليها غير المسلمين، وبالتالي يضعف اقتصاد المسلمين، وفي هذه الحالة فما على المسلمين إلا أن يقفوا مكتوفي الأيدي تجاه الأمور الخيرية.
والسؤال الآن هو: ما حكم هذه التجارة؟ وكيف تؤدى زكاتها؟ وإذا كانت حرامًا فكيف تُصرف الأموال المكتسبة منها؟ أفتونا مأجورين بالتفصيل مع ذكر الأدلة.
ما الرأي الشرعي فيما يأتي:
أولًا: هل يستحق المريض عقليًّا الذي لا يستطيع الحصول على حقوقه شيئًا من الزكاة؟
ثانيًا: إذا وُجد طفل معاق في أسرة غنية، ولكنه محروم من حقوقه ومن الإنفاق عليه لرعايته وعلاجه. فهل يُصرَف له من الزكاة؟
ثالثًا: هل يجوز صرف الزكاة في شراء الأجهزة الطبية لذوي الهمم، وتوفير سيارة لنقلهم من منازلهم للمؤسسات التي ترعاهم؟
هل العمل في تجارة بيع الريسيفر لاستقبال القنوات الفضائية حرام؟
ما حكم اتباع الإنصاف لغير المسلم المتقن في عمله؟ حيث بعض الناس يرفض ذلك ويقول بأن هذا مخالف لمبدأ الولاء والبراء؛ فما مدى صحة ذلك؟
هل مقابر الأجداد تُعَدُّ تركة عنهم تورث لأبنائهم وأحفادهم من بعدهم؟