حكم شراء الأضحية بالتقسيط

حكم شراء الأضحية بالتقسيط

ما حكم شراء الأضحية بالتقسيط؟ فإنَّ رجلًا يرغب في الأضحية، ولا يملك كامل ثمنها نقدًا، فما حكم شرائها بالتقسيط مِن أحد التجار أو عن طريق الصك؟ وهل يتوقف تَمَلُّك المضحي للأضحية على سداد آخِر قسطٍ مِن ثَمنها، بحيث يتنافى هذا الشراء بالتقسيط مع اشتراط مِلْكِ المضحي للأضحية قبل الذبح؟

يجوز شرعًا شراءُ الأضحية بالتقسيط مِن التاجر مباشرةً أو عن طريق الصَّك، بشرط أن يكون الثمنُ والأجَلُ معلومَيْن عند العقد، ولا يتنافى هذا الشراء مع شرط مِلْك المضحي للأضحية قبل الذبح، بل تدخل الأضحية في ملك المضحي بمجرد استلامها من التاجر أو استلام مُصْدِرِ الصَّك لها.

التفاصيل ....

المحتويات

 

بيان المقصود بالأضحية وفضلها

الأضحية: اسمٌ لما يُذْبَحُ مِن الإبل والبقر والغنم في أوقاتٍ مخصوصةٍ تقربًا إلى الله تعالى، وهي إحدى شعائر الإسلام، وأعظم الأعمال يوم النحر وأحبها إلى الله تعالى؛ فعن أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها أَن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَا عَمِلَ آدَمِيٌّ مِنْ عَمَلٍ يَوْمَ النَّحْرِ أَحَبَّ إِلَى اللهِ مِنْ إِهْرَاقِ الدَّمِ، إِنَّهَا لَتَأْتِي يَوْمَ القِيَامَةِ بِقُرُونِهَا وَأَشْعَارِهَا وَأَظْلَافِهَا، وَإنَّ الدَّمَ لَيَقَعُ مِنَ اللهِ بِمَكَانٍ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ مِنَ الْأَرْضِ، فَطِيبُوا بِهَا نَفْسًا» أخرجه الأئمة: الترمذي -واللفظ له- وابن ماجه والبيهقي في "السنن"، والحاكم في "المستدرك" وصححه.

والأصل في مشروعيتها مِن الكتاب: قول الله تعالى في مُحكَم التنزيل: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ۝ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: 1- 2].

ومِن السُّنَّة: ما أخرجه الإمامان البخاري ومسلم في "صحيحيهما" عن أنس رضي الله عنه قال: «ضَحَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ، ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ، وَسَمَّى، وَكَبَّرَ، وَوَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا».

هل يُشترط في الأضحية أن تكون مملوكةً للمضحي قبل الذبح؟

قد اتفق الفقهاء على أنه يُشترط في الأضحية أن تكون مملوكةً للمضحي قبل الذبح؛ لأنَّها قُرْبَةٌ ماليَّةٌ، فلا يَصِحُّ أداؤها بلا مِلْكٍ؛ كما في "البناية" للإمام بدر الدين العَيْنِي الحنفي (12/ 4، ط. دار الكتب العلمية)، و"حاشية الإمام الصَّاوِي المالكي على الشرح الصغير" (2/ 137، ط. دار المعارف)، و"تحفة المحتاج في شرح المنهاج" لشيخ الإسلام ابن حَجَرٍ الهَيْتَمِي الشافعي (9/ 367، ط. المكتبة التجارية الكبرى)، و"الإنصاف" للإمام علاء الدين المَرْدَاوِي الحنبلي (4/ 105، ط. دار إحياء التراث العربي).

والأصل في المِلْك أن يكون تامًّا، ويتحقق ذلك في الأضحية باجتماع المِلْكِ مع اليَدِ (الحيازة)، بحيث تكون مملوكةً للمضحي -أو المُضَحِّين إذا كانت الأضحيةُ مِن البقر أو الإبل واشترك فيها سبعةٌ فمَن دونهم- دون أن يتعلق بعينها استحقاقٌ للغير.

قال الإمام أبو بكر الحَدَّادِي في "الجوهرة النيرة" (1/ 114، ط. المطبعة الخيرية): [المِلْكُ التامُّ: هو ما اجتمع فيه المِلْكُ واليَدُ] اهـ.

وقال الإمام برهان الدين ابن مُفْلِح في "المبدع" (2/ 296، ط. دار الكتب العلمية) نقلًا عن الإمام أبي المَعَالِي ابن المُنَجَّى: [المِلْكُ التامُّ: عبارةٌ عمَّا كان بيده، لَم يتعلق فيه حقُّ غيره، يَتصرف فيه على حسب اختياره، وفوائدُه حاصلةٌ له] اهـ.

وقد أجمع الفقهاء على أنَّ شراء الأعيان مع تقسيط ثَمَنِهَا المعلومِ المتَّفَق عليه إلى أجلٍ معلومٍ عند العقد -جائزٌ شرعًا، ويكون البيع لازمًا.

قال الإمام ابن القَطَّان في "الإقناع في مسائل الإجماع" (2/ 222، ط. الفاروق الحديثة): [أجمع أهلُ العلمِ أنَّ مَنْ باعَ معلومًا مِن السلعِ بمعلومٍ مِن الثمن إلى أجلٍ معلومٍ مِن شهور العرب، أو لأيامٍ معروفةِ العَدَد، أنَّ البيع جائزٌ لازمٌ] اهـ.

ووَجْه صحة هذا البيع ولُزُومه: أنَّ مِلْكَ المشتري للثمنِ عند عقد البيع ليس شرطًا لصحته وجوازه، وإنَّمَا الشَّرْطُ عند ذاك هو مِلْكُ البائعِ للمبيع.

قال الإمام علاء الدين الكاساني في "بدائع الصنائع" (5/ 252، ط. دار الكتب العلمية): [مِلْكُ المبيعِ شرطُ جوازِ العقدِ، وملكُ الثمنِ ليس شرطًا، فإنَّهُ لو اشترى شيئًا بدراهمَ لَا يملكُها جازَ، ولو باعَ شيئًا لا يملكُهُ لَا يَجُوز] اهـ.

وسبب عدم اشتراط تَمَلُّكِ المشتري للثمن وقت العقد: أنَّ المشتري قد صار ضامِنًا لثمن المبيع أو قيمته بمجرد قبضه، ولا يضر مع الضمان عدمُ مِلْكِ المشتري للثمن حال العقد؛ لأنه بيعُ عَيْنٍ بِدَيْنٍ في الذمة.

قال الإمام الشافعي في "الأم" (8/ 68، ط. دار المعرفة): [البيعُ مضمونٌ على قابِضِهِ: إمَّا بالثمنِ، وإمَّا بالقيمةِ] اهـ.

وقال الإمام المَاوَرْدِي في "الحاوي الكبير" (5/ 25، ط. دار الكتب العلمية): [بُيُوعُ الأعيانِ يَصِحُّ تأجيلُ الثمنِ فيها، سواء كانت العينُ حاضرةً أو غائبةً؛ لأنه بيعُ عَيْنٍ بِدَيْنٍ] اهـ.

وقال شمس الأئمة السَّرَخْسِي في "المبسوط" (13/ 195، ط. دار المعرفة): [قبضُ المشتري يُقرِّرُ عليهِ ضمانَ الثمن] اهـ.

حكم شراء الأضحية بالتقسيط

مِن صُوَر هذا البيع: ما يَحدث مِن شراء المضحي الأضحيةَ بتقسيط ثمنها المتَّفَق عليه بين البائع والمشتري عند الشراء، مع تسلُّم المشتري لها مِن البائع، وذبحِها قبل سداد باقي الأقساط، وهو بيعٌ صحيحٌ شرعًا، ولا يتنافى مع اشتراط مِلْك المشتري للأضحية قبل الذبح، حيث يَثبُتُ مِلْكُ المضحي للأضحية بمجرد تَسَلُّمِهَا وقَبْضِهَا مِن البائع، ولا يتوقف تمام المِلْك على سداد كامل ثَمنها بدَفْع آخِر قسطٍ مِنه؛ لأن "المشتري بالقبض صار مالكًا المبيعَ"، كما قال شمس الأئمة السَّرَخْسِي في "المبسوط" (25/ 178)، وأما باقي الثمن فهو مضمونٌ في ذمة المشتري، ولا يمنع مِن تمام المِلك كما سبق بيانه.

ولا فَرْقَ في هذا الحُكم بين كون الشراء بالتقسيط مع البائع أو عن طريق الصكوك؛ لاتحاد صورتهما، ولكون المضحي في الصورتَيْن أصيلًا في المِلْكِ، إلا أنه في المعاملة مع البائع مُشْتَرٍ بنفسه، وفي الصك: مُشْتَرٍ بالوكالة، وهي جائزةٌ في النيابة عن المضحي في شراء الأضحية وذبحها وتوزيعها؛ "لأنها قُربةٌ تتعلقُ بالمالِ فتجزئُ فيها النيابة، كأداء الزكاة وصدقة الفطر، ولأنَّ كلَّ أَحَدٍ لا يَقدِرُ على مباشرة الذَّبْحِ بنَفْسه، خصوصًا النساء، فلو لَم تَجُزْ الِاستنابة لَأَدَّى إلى الحَرَج"، كما قال الإمام علاء الدين الكاساني في "بدائع الصنائع" (5/ 67).

وقد ثبت أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم وَكَّل في شراء الأضحية وذبحها، فعن عُرْوَةَ البَارِقِي رضي الله عنه: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ «أَعْطَاهُ دِينَارًا يَشْتَرِي لَهُ بِهِ شَاةً، فَاشْتَرَى لَهُ بِهِ شَاتَيْنِ، فَبَاعَ إِحْدَاهُمَا بِدِينَارٍ، وَجَاءَهُ بِدِينَارٍ وَشَاةٍ، فَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ فِي بَيْعِهِ، وَكَانَ لَوِ اشْتَرَى التُّرَابَ لَرَبِحَ فِيهِ» أخرجه الإمام البخاري في "صحيحه".

وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: «كَانَتْ جَمَاعَةُ الْهَدْيِ الَّذِي أَتَى بهِ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ مِنَ الْيَمَنِ، وَالَّذِي أَتَى بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ مِائَةً، فَنَحَرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ ثَلَاثَةً وَسِتِّينَ، ثُمَّ أَعْطَى عَلِيًّا فَنَحَرَ مَا غَبَرَ، وَأَشْرَكَهُ فِي هَدْيِهِ» أخرجه الإمامان أحمد وأبو يَعْلَى في "مسنديهما".

ولا يُشترط لِمَا بيَّنَّاه مِن لُزوم تمام مِلْكِ المضحي للأضحية قبل ذبحها أن يقَبِضَها بنَفْسه ويَحُوزَهَا، وذلك في صورة الشراء بالتقسيط عن طريق الصَّك، إذ المِلْكُ حاصلٌ للمضحي وثابتٌ له بمجرد قَبْضِ مُصْدِرِ الصَّك للأضحية؛ لأن قَبْضَ الوكيل بمنزلة قَبْضِ الموكِّل، والوكيل في القَبْضِ عاملٌ لِمُوَكِّلِهِ، ويده في حق المعقود عليه يد أمانةٍ ونيابةٍ. ينظر: "المحيط البرهاني" للإمام برهان الدين ابن مَازَه الحنفي (7/ 614، ط. دار الكتب العلمية)، و"منح الجليل" للشيخ عِلِيش المالكي (5/ 247، ط. دار الفكر)، و"المجموع" للإمام النووي الشافعي (10/ 166، ط. دار الفكر)، و"كشاف القناع" للإمام أبي السعادات البُهُوتِي الحنبلي (3/ 266، ط. دار الكتب العلمية).

الخلاصة

بناءً على ذلك وفي واقعة السؤال: فإنه يجوز شرعًا شراءُ الأضحية بالتقسيط مِن التاجر مباشرةً أو عن طريق الصَّك، بشرط أن يكون الثمنُ والأجَلُ معلومَيْن عند العقد، ولا يتنافى هذا الشراء مع شرط مِلْك المضحي للأضحية قبل الذبح، بل تدخل الأضحية في ملك المضحي بمجرد استلامها من التاجر أو استلام مُصْدِرِ الصَّك لها.

والله سبحانه وتعالى أعلم.

اقرأ أيضا