حكم التضحية بماشية طرأ عليها عيب مؤثر فيها قُبَيل ذبحها

حكم التضحية بماشية طرأ عليها عيب مؤثر فيها قُبَيل ذبحها

ما حكم التضحية بماشية طرأ عليها عيب مؤثر فيها قُبَيل ذبحها؟ فقد اشترينا خروفًا للأضحية قبل عيد الأضحى بأسبوع، وكان الخروف صحيحًا سليمًا لا عيب فيه، وتركناه عند التاجر وأعطيناه ثمن أكله وإقامته عنده حتى يوم عيد الأضحى، وبالفعل أخذنا الخروف يوم العيد لنذبحه، وفي الطريق حصل حادث أدَّى إلى قطع أقل -قليلًا- من نصف ألية الخروف؛ فهل يجوز لنا أن نضحي به بعد حدوث هذا الأمر؟

ما دام العيب الذي طرأ على الأضحية ليس مؤثرًا في اللحم ولا فاحشًا؛ كما هو الحال في السؤال من أن القطع إنما هو لأقل من نصف الألية -فإن التضحية بها تكون مجزئة على قول مَن أجاز.

التفاصيل ....

المحتويات

 

ضابط العيب الذي يؤثر في الأضحية

المقرَّر شرعًا أن الأضحية يشترط فيها أن تكون سليمة من العيوب الفاحشة التي تؤثر في نقص اللحم والشحم؛ فقد أخرج الإمام أبو داود في "سننه"، عن عبيد بن فيروز، قال: سألت البراء بن عازب رضي الله عنه: ما لا يجوز في الأضاحي؟ فقال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصابعي أقصر من أصابعه، وأناملي أقصر من أنامله، فقال: «أَرْبَعٌ لَا تَجُوزُ فِي الْأَضَاحِيِّ: الْعَوْرَاءُ بَيِّنٌ عَوَرُهَا، وَالْمَرِيضَةُ بَيِّنٌ مَرَضُهَا، وَالْعَرْجَاءُ بَيِّنٌ ظَلَعُهَا، وَالْكَسِيرُ الَّتِي لَا تُنْقِي»، قَالَ: قُلْتُ: فَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ يَكُونَ فِي السِّنِّ نَقْصٌ، قَالَ: «مَا كَرِهْتَ فَدَعْهُ، وَلَا تُحَرِّمْهُ عَلَى أَحَدٍ».

قال الملا علي القاري في "مرقاة المفاتيح" (3/ 1085، ط. دار الفكر): [«العرجاء البين»؛ أي: الظاهر «ظلعها»؛ أي: عرجها، وهو أن يمنعها المشي... «والمريضة البين مرضها»: وهي التي لا تعتلف. قال ابن الملك: والحديث يدل على أن العيب الخفي في الضحايا معفو عنه] اهـ.

فإذا كان في الحيوان الذي يُعَدُّ للأضحية عيبٌ فاحشٌ فإنه حينئذ لا يجزئ في الأضحية؛ حيث أجمع الفقهاء على أنه لا يجوز في الأضحية وجود أحد هذه العيوب المذكورة في الحديث، وكذا: ما كان في معناها من كل عيب ينقص اللحم والشحم أو يحدث ضررًا مَرَضيا بأكله؛ فيفوت المقصود من الأضحية كمًّا أو كيفا.

قال الإمام النووي في "شرح صحيح مسلم" (13/ 120، ط. دار إحياء التراث العربي): [وأجمعوا على أن العيوب الأربعة المذكورة في حديث البراء -وهو: المرض، والعجف، والعور، والعرج البين- لا تُجْزِئُ التضحية بها، وكذا: ما كان في معناها أو أقبح؛ كالعمى، وقطع الرجل، وشبهه] اهـ.

وأما إذا كان العيب يسيرًا لا يقدح في صحة الأضحية ولا كمِّ ما ينتفع به من لحمها وشحمها: فقد نص العلماء على مشروعية أن يضحى بها، وتكون الأضحية صحيحة ومقبولة، مع اختلافهم في مقادير ما يخرج العيب عن كونه خفيفًا يسيرًا غير قادح إلى كونه قادحًا.

قال الإمام الخطابي -عند شرح الحديث المذكور- في "معالم السنن" (2/ 230، ط. المطبعة العلمية): [وفيه دليل على أن العيب الخفيف في الضحايا معفو عنه، ألَا تراه يقول: "بَيِّنٌ عورها، وبَيِّنٌ مرضها، وبَيِّنٌ ظلعها"؛ فالقليل منه غير بَيِّنٍ، فكان معفوًّا عنه] اهـ.

وضابط الإجزاء في الأضحية التي بها عيب هو عدم تأثر اللحم وكلِّ ما مِن شأنه أن يؤكل من شحم أو غيره.

قال القاضي عبد الوهاب المالكي في "التلقين" (1/ 104، ط. دار الكتب العلمية): [ويتقي فيها كلَّ عيبٍ ينقص اللحم أو مرض الحيوان] اهـ.

وقال الإمام الخطيب الشربيني الشافعي في "الإقناع " (2/ 590، ط. دار الفكر): [فائدة: ضابط المجزئ في الأضحية: السلامة من عيب ينقص اللحم أو غيره مما يؤكل] اهـ.

حكم الأضحية بمقطوعة الألية وأقوال الفقهاء في ذلك

أما بالنسبة لخصوص ما قطعت منه الألية، فقد نص الفقهاء على أنه لا يجزئ التضحية بما قطعت كامل أليته؛ لإخلاله بمقدار ما ينفع به من الأضحية، واختلفوا في القدر المقطوع القادح، فذهب المالكية إلى أنه ما زاد عن ثلث الألية، وذهب القاضي أبو يوسف والإمام محمد بن الحسن الشيباني -في ظاهر الرواية عنهما- إلى أنه يقدر بالنصف.

قال الإمام السمرقندي الحنفي في "تحفة الفقهاء" (3/ 85، ط. دار الكتب العلمية): [والنوع الثاني: ما لا يجوز بسبب العيب وما يكره، فنقول: العيب القليل لا يمنع، والكثير يمنع، فذاهبة العين الواحدة وهي العوراء ومقطوعة الأذن الواحدة ومقطوعة الألية والذنب كلها لا تجوز] اهـ.

وقال الإمام المرغيناني الحنفي في "الهداية في شرح بداية المبتدي" (4/ 358، ط. دار إحياء التراث العربي): [اختلفت الرواية عن أبي حنيفة في مقدار الأكثر، ففي "الجامع الصغير" عنه: وإن قطع من الذنب أو الأذن أو العين أو الألية الثلث أو أقل أجزأه، وإن كان أكثر لم يجزه؛ لأن الثلث تنفذ فيه الوصية من غير رضا الورثة فاعتبر قليلا، وفيما زاد لا تنفذ إلا برضاهم فاعتبر كثيرا، ويروى عنه الربع لأنه يحكي حكاية الكمال على ما مر في الصلاة، ويروى الثلث لقوله عليه الصلاة والسلام في حديث الوصية "الثلث والثلث كثير"، وقال أبو يوسف ومحمد: إذا بقي الأكثر من النصف أجزأه اعتبارا للحقيقة على ما تقدم في الصلاة وهو اختيار الفقيه أبي الليث. وقال أبو يوسف: أخبرت بقولي أبا حنيفة، فقال قولي هو قولك. قيل هو رجوع منه إلى قول أبي يوسف، وقيل معناه قولي قريب من قولك. وفي كون النصف مانعا روايتان عنهما كما في انكشاف العضو عن أبي يوسف، ثم معرفة المقدار في غير العين متيسر] اهـ.

وقال العلامة الشلبي في "حاشيته على تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق" (6/ 6، ط. الأميرية): [قال الولوالجي:... وأصل هذا أن الأذن أو العين الواحدة أو الألية أو ما أشبه ذلك إذا فات كله لا تجوز الأضحية، وإذا فات بعضه إن كان الفائت كثيرًا لا تجوز الأضحية، وإن كان الفائت قليلا تجوز تكلموا في حد الكثير؛ فالزيادة على النصف في حد الكثرة بالإجماع، وأما النصف فعن أبي يوسف ومحمد رحمهما الله روايتان في ظاهر الرواية عنهما أنه في حد الكثرة، وإن كان أقل من النصف لكن أكثر من الثلث اتفقت الروايات عن أبي يوسف ومحمد أنه في حد القلة واتفقت الروايات عن أبي حنيفة أنه في حد الكثرة] اهـ.

وقال العلامة المواق المالكي في "التاج والإكليل لمختصر خليل" (4/ 367، ط. دار الكتب العلمية): [ابن رشد: لا تجزئ البتراء وهي التي قطع من ذنبها النصف أو الثلث، قاله ابن حبيب وابن وهب، وقال ابن المواز: الثلث يسير، وأما الربع فيسير باتفاقٍ] اهـ.

وقال الإمام الماوردي الشافعي في "الحاوي الكبير" (15/ 83، ط. دار الكتب العلمية): [ولا تجوز الأضحية بالمقطوعة الألية وتجوز الأضحية بالتي خُلِقَت من غير ألية] اهـ.

وقال العلامة شهاب الدين الرملي الشافعي في "نهاية المحتاج" (8/ 134، ط. دار الفكر): [(وشرطها)؛ أي: الأضحية لتجزئ حيث لم يلتزمها ناقصة: (سلامة من عيب ينقص لحمًا) يعني مأكولًا؛ إذ مقطوعة الألية لا تجزئ مع أنها ليست بلحم] اهـ.

وقال الإمام ابن قدامة الحنبلي في "المغني" (3/ 475، ط. مكتبة القاهرة): [وظاهر الحديث أن كلَّ مريضةٍ مرضًا يؤثر في هزالها، أو في فساد لحمها، يمنع التضحية بها... ولا يجوز ما قطع منها عضو مستطاب، كالألية؛ لأن ذلك أبلغ في الإخلال بالمقصود من ذهاب شحمة العين] اهـ.

الخلاصة

بناء على ذلك وفي واقعة السؤال: فما دام العيب الذي طرأ على أضحيتك ليس مؤثرًا في اللحم ولا فاحشًا؛ إذ القطع إنما هو لأقل من نصف الألية: فإن التضحية بها تكون مجزئة على قول مَن أجاز، كما سبق بيانه.

والله سبحانه وتعالى أعلم.

اقرأ أيضا