أفاد المتخصصون أن جسمَ المتوفى بفيروس كورونا يظلُّ حاملًا لفيروس مدَّة بعد وفاته، ولذلك فإن عمليةَ تجهيزه يقومُ بها متخصصون من وزارة الصحَّة، ولا يسلمون المتوفى لأهله إلا بعد إتمام التعقيم والتغسيل والتكفين، ومما يقومون به في التكفين أنهم يضعون المتوفى في كيس مُعَدٍّ غير منفذ للسوائل، فهل هذه الطريقة كافية في تكفينه شرعًا؟
ما يقومُ به المتخصصون من وزارة الصحَّة بتجهيز المتوفى بفيروس كورونا، وتكفينه في كيس مناسب لحالته ومُعَدٍّ لحفظه من تسريب السوائل، هو أمرٌ جائزٌ شرعًا، وكافٍ في تكفين المتوفى، ولا يخرج عن معنى الكفن الذي أجازه الشرع عند الحاجة؛ بل تتأكد مشروعيَّته لعِظَمِ آثاره وأهمية تبعاته؛ فهو كما فيه صيانة حرمة الميت وستر عورته؛ فإن فيه حفظًا لنفس الحي من خطورة انتقال عدوى هذا الفيروس الذي تم إعلانُه وباءً عالميًّا، وهو مقصد معتبرٌ شرعًا، بل هو من أهم المقاصدِ الكلية، وآكد الفروض الشرعية، وقد سبقت الشريعة الغرَّاء إلى نظم الوقاية وأساليب الرعاية؛ سدًّا لمادة الضرر، وحسمًا لذريعة الأذى، ومراعاة للقرارات الاحتياطية والإجراءات الوقائية التي اتخذتها المنظمات المختصة في التعامل مع مثل هذه الحالات المعدية.
المحتويات
التكفين: التغطية والستر، والكفن: ما يغطى ويُستر به بدنُ الميت؛ قال الإمام أبو منصور الأزهري في "تهذيب اللغة" (10/ 153-154، ط. دار إحياء التراث العربي، بيروت): [(ثَعْلَب عَن ابْن الأعرابيِّ): الكَفْنُ: التَّغْطِيَةُ. (قلت): ومنه أخذ كفن الميت؛ لأنه يَسْتُرُه] اهـ.
قد أجمع المسلمون على وجوب تكفين الإنسان وستره عند موته، وأنه من فروض الكفايات التي إذا قام بها البعض سقط الحرج عن الباقين، وأنه حقٌّ واجبٌ على الأحياء؛ لِما تقرَّر من أنَّ حرمة الإنسان ميتًا كحرمته حيًّا، والسترة واجبة في الحياة فكذلك بعد الموت:
قال الإمام ابن قدامة الحنبلي في "المغني" (2/ 388، ط. مكتبة القاهرة): [ويجب كفن الميت؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر به، ولأن سترته واجبة في الحياة، فكذلك بعد الموت] اهـ.
وقال الحافظ العراقي في "طرح التثريب" (3/ 271، ط. دار الفكر): [تكفين الميت.. أجمع المسلمون على وجوبه، وهو فرض كفاية إذا قام به البعض سقط الحرج عن الباقين] اهـ.
الأصل في كفن الميت إحسانُه وإتمامُه؛ فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إِذَا كَفَّنَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُحْسِنْ كَفَنَهُ» أخرجه الإمام مسلم.
قال الإمام البدر العيني في "شرح سنن أبي داود" (6/ 78، ط. مكتبة الرشد، الرياض): [قوله «فَلْيُحَسِّنْ كَفَنَهُ»: فيه من الفقه استحباب تكفين الميت بالثياب الحسنة] اهـ.
غير أن هناك بعضَ أحوال التكفين التي استثنى الشرع الشريف فيها هيئة الكفن، إمَّا لخصوصية فيها، أو لحاجةٍ دعت إليها.
فالخصوصية: كتكفين الشهيد وتكفين المحرم؛ فالشهيد يكفن في ثيابه تكريمًا له وتشريفًا لعمله باتفاق الفقهاء، والمحرم يكفن على هيئته عند جماهير العلماء؛ إظهارًا لشعيرة الإحرام، وتشريفًا لِمَن مات عليها، وإدامة لأثر الشعيرة في بدنه لأنه مات مشغولًا بها.
والحاجة: أنه إذا لم يوجد ما يحسَّن به كفن الميت، فإن أقلَّ ما يجزئ من تكفينه سترُ عورته؛ فعن خباب بن الأرت رضي الله عنه أنه قال: حينما قتل مصعب بن عمير يوم أحد لم يوجد له شيء يكفن فيه إلا نمرة، فكنا إذا وضعناها على رأسه خرجت رجلاه، وإذا وضعناها على رجليه خرج رأسه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «ضَعُوهَا مِمَّا يَلِي رَأْسَهُ، وَاجْعَلُوا عَلَى رِجْلَيهِ الإِذْخِرَ» متفق عليه.
اتفق الفقهاء على أن القدر الواجب من الكفن هو ما يستر عورةَ الميت ويواري بدنه، وما زاد على ذلك فمع اختلافهم في الأفضل فيه، إلَّا أنهم متفقون أيضًا على أن الزيادة فيه على جهة الاستحباب، وأن أمر الكفن واسعٌ ليس فيه على الناس تضييق، وأنه لا حد فيه يجب الاقتصار عليه دون غيره سواء بالزيادة أو النقصان؛ قال الإمام ابن عبد البر في "الاستذكار" (3/ 16، ط. دار الكتب العلمية): [وأما الفقهاء.. فكلهم لا يرون في الكفن شيئًا واجبًا وَلَا يَتَعَدَّى، وَمَا سَترَ العَوْرَةَ أَجْزَأَ عِنْدَهُمْ من الحي والميت. وأما ما يستحبونه من الكفن فقال مالك رحمه الله: ليس في كفن الميت حدٌّ، ويستحب الوتر] اهـ.
وقال الإمام ابن رشد في "البيان والتحصيل" (2/ 236، ط. دار الغرب الإسلامي، بيروت) حينما سئل عما تكفن فيه الجارية: [ما سمعت قط بأحد سئل عن مثل هذا: ما تكفن فيه الجارية، وما يكفن فيه الغلام، والكفن واسع، فما كفن فيه فهو واسع، وليس على الناس في هذا ضيق، كُفن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ثلاثة أثواب بيض، وكَفَّن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الشهداء يوم أحد اثنين في ثوب، وكَفَّن ابن عمر رضي الله عنهما ابنًا له في خمسة أثواب، وكُفِّن أبو بكر في ثوب فيه مشق، فلو كان هذا ضيقًا كان شيئًا واحدًا، فليس على الناس في هذا ضيق.. إن الكفن لا حد فيه يجب الاقتصار عليه، فلا يزاد فيه ولا ينقص، وإنما يتكلم على الاستحباب] اهـ.
وقال الإمام الماوردي الشافعي في "الحاوي الكبير" (3/ 20، ط. دار الكتب العلمية):
[إن كفن في ثوب واحد يستر جميع بدنه جاز؛ لما رُوي أن مصعب بن عمير قُتل يوم أحد وكانت له نمرة واحدة إذا غُطي بها رأسه بدت رجلاه، وإن غطي بها رجلاه بَدَا رأسُه، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «غطوا رأسه واطرحوا على قدميه شيئًا من الإذخر».
فإن غُطي من الميت قدر عورته -وذلك ما بين سرته وركبته- قال الشافعي: فقد أسقط الفرض، ولكن أخلَّ بحق الميت، وإنما أجيز لأن نمرة مصعب لم تستر جميع بدنه، فلم يأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يكفن في غيره، ولأنه يجب من ستره بعد موته ما كان يجب من ستره قبل موته، وذلك قدر عورته] اهـ.
وقال في "الحاوي الكبير" (3/ 28): [أما الواجب من كفن المرأة فهو ثوب يسترُ جميعَ بدنها إلا وجهها وكفيها، أما المسنون منه وما جرى عليه عمل السلف الصالح رضي الله عنهم فخمسة أثواب؛ لأن حكم عورتها أغْلَظُ، ولباسها في الحياة أكمل] اهـ.
وقال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في "المهذب" (1/ 242، ط. دار الكتب العلمية): [وأقل ما يجزئ ما يستر العورة كالحي، ومن أصحابنا من قال: أقله ثوب يعم البدن؛ لأن ما دونه لا يسمى كفنًا، والأول أصحُّ] اهـ.
وقال الإمام ابن قدامة الحنبلي في "المغني" (2/ 348، ط. مكتبة القاهرة):
[وأقل ما يجزئ ثوبٌ واحدٌ يستر جميعه؛ قالت أم عطية رضي الله عنها: لما فرغنا -يعني من غسل بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم- ألقى إلينا حِقْوَه، فقال: «أَشْعِرْنها إياه»، ولم يزد على ذلك. رواه البخاري. وقال: معنى «أَشْعِرْنها إياه» الفُفْنَها فيه، قال ابن عقيل: العورة المغلظة يسترها ثوبٌ واحدٌ، فجسد الميت أولى. وقال القاضي: لا يجزئ أقلُّ من ثلاثة أثواب لمن يقدر عليها، ويروى مثل ذلك عن عائشة، واحتجَّ بأنه لو جاز أقلُّ منها لم يجز التكفين بها في حق من له أيتام احتياطًا لهم.
والصحيح الأول، وما ذكره القاضي لا يصح؛ فإنه يجوز التكفين بالحسن مع حصول الإجزاء بما دونه] اهـ.
وقال العلامة البهوتي الحنبلي في "الروض المربع" (ص: 128، ط. دار الفكر): [(والواجب) للميت مطلقًا (ثوب يستر جميعه)؛ لأن العورة المغلظة يجزئ في سترها ثوب واحد؛ فكفن الميت أولى.. فإن لم يجد إلا بعض ثوب ستر العورة كحال الحياة، والباقي بحشيش أو ورق] اهـ.
تكفين المتوفى بفيروس كورونا في كيسٍ مُخصَّصٍ لحالته لا يخرج عن القدر المجزئ في تكفين الميت الوارد في الشرع، والمتفق على مشروعيته بين الفقهاء؛ لِما فيه من حفظ الميت وستر عورته ومواراة بدنه؛ بل يتأكَّد فيه معنى المشروعية إذا تعلقت بأمر ضروري؛ وهو الخوف من انتقال عدوى المتوفى بفيروس كورونا الوبائي إلى الأحياء؛ حيث نصَّ الدليل الميداني لإدارة الجثث الصادر عن منظمة الصحة للبلدان الأمريكية (ص: 55-56) على أن: [هناك عَددًا من الأمراض المعدية تسبب مشاكل انتقال العدوى حتى بعد وفاة الشخص المصاب بالعدوى، وأنه في حالة تفشِّي الوباء الناجم عن المرض المعدي لا ينبغي أن يشتركَ في إدارة الجثث غير الخبراء المتدربين بمجال التعامل مع المرض الذي سبب الوباء.. وأن هناك بعضَ التوصيات الأساسية بشأن استخدام معدَّات الحماية الشخصية؛ كوضع الجثة داخل الكيس المُعَدِّ لها، ووضعها في تابوت بما يتلاءم مع التقاليد الثقافية] اهـ.
ومما يؤكد حال الضرورة في هيئة تكفين المتوفى بفيروس كورونا أن قطاع الطب الوقائي بوزارة الصحَّة المصرية أوضح أن هناك إجراءاتٍ وقائيةً عند وفاة ضحايا فيروس كورونا، وتبدأ بالتعامل مع جسد المتوفى والإفرازات المتبقية منه، ويتم تغسيله وتكفينه ووضعه داخلَ الكيس غير المنفذ للسوائلِ، ويتم التخلُّص من متعلقاته الشخصية وما تم لمسه بطريقة آمنة، ويكون التعامل بحذر من قبل فريق متخصص، مع الاستعانة بالملابسِ والمستلزمات الوقائية المناسبة، ثم تطهير المكان القاطن به وتعقيمه من قبل فريق متخصص من وزارة الصحة.
فهذه حالةٌ خاصةٌ من حالات التكفين، يتم التعامل معها بطريقة خاصة تحفظ نفس الحي من خطورة انتقال عدوى الفيروس، وتصون حرمة الميت بستره وتغطية بدنه.
بناءً على ذلك: فما يقومُ به المتخصصون من وزارة الصحَّة بتجهيز المتوفى بفيروس كورونا، وتكفينه في كيس مناسب لحالته ومُعَدٍّ لحفظه من تسريب السوائل، هو أمرٌ جائزٌ شرعًا، وكافٍ في تكفين المتوفى، ولا يخرج عن معنى الكفن الذي أجازه الشرع عند الحاجة؛ بل تتأكد مشروعيَّته لعِظَمِ آثاره وأهمية تبعاته؛ فهو كما فيه صيانة حرمة الميت وستر عورته؛ فإن فيه حفظًا لنفس الحي من خطورة انتقال عدوى هذا الفيروس الذي تم إعلانُه وباءً عالميًّا، وهو مقصد معتبرٌ شرعًا، بل هو من أهم المقاصدِ الكلية، وآكد الفروض الشرعية، وقد سبقت الشريعة الغرَّاء إلى نظم الوقاية وأساليب الرعاية؛ سدًّا لمادة الضرر، وحسمًا لذريعة الأذى، ومراعاة للقرارات الاحتياطية والإجراءات الوقائية التي اتخذتها المنظمات المختصة في التعامل مع مثل هذه الحالات المعدية.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
توجد دورة مياه وسط المدافن بالقرية، وأصبحت الآن تلك الدورة محاطة بالمقابر حتى إن هناك مقبرة مشتركة معها في الحائط.
والسؤال: هل من الشرع أن تستمر هذه الدورة وسط المقابر؟ علمًا بأنَّه من الممكن أن تصلَ مياهها للمدافن المجاورة، ومع العلم أيضًا بأنّه يوجد دورة أخرى ملحقة بالمسجد الخاص بالجبانة.
وهل يجوز شرعًا أن يُنَظَّف مكان دورة المياه التي توجد وسط الجبانة وتُردَم ويتم إنشاء مقبرة مكانها؟
ما حكم وضع الجنازات في طوابق عند الصلاة عليها، حيث أني أعمل في مسجد "الرحمن الرحيم" الكائن في طريق صلاح سالم بالعباسية، وفي يوم الجمعة يكون المسجد مكتظًّا بالجنازات التي كثيرًا ما تزيد عن العشرة، ويتعثر علينا كعمال بالمسجد حمل الجنازات إلى الأمام في وقت الجمعة لشدة الازدحام، وعليه: فإننا نرجو من فضيلتكم التكرم بفتوى تبين حكم وضع الجنازات في ركات متعددة الطوابق في شقٍّ صغيرٍ أمام المصلين حتى لا تأخذ الجنازات مساحة كبيرة من المسجد. مع العلم أننا سنضع ساترًا يفصل الجنائز عن المصلين، فهل هناك مانع شرعي من هذا؟
ما حكم القيام في صلاة الجنازة؟ وهل يصح أداؤها جلوسًا من دون عذرٍ؟
قمت بالطهارة من الجنابة بالاغتسال ولم أقم بالوضوء، وحضرت في صلاة جنازة، فهل الصلاة صحيحة وهل هذه الطهارة تعتبر وضوءًا؟
في خضم هذه الآونة التي انتشر فيها فيروس كورونا وأصبح وباءً عمّ جميع دول العالم، وفي ظل النصائح الصحية التي تؤكدها منظمة الصحة العالمية والأطباء المختصون بأن يكثر الناس من شرب السوائل؛ للمحافظة على بقاء الفم رطبًا بشكل مستمر، وأوصت بالمداومة على تناول الأغذية التي تقوي الجهاز المناعي للإنسان؛ كأسلوب من أهم أساليب الوقاية من خطر الإصابة بفيروس كورونا.
فهل يجوز إفطار رمضان في هذه الحالة لمن خاف الإصابة بالعدوى لجفاف الفم، أو احتياجه إلى تقوية مناعة الجسم؟ ومتى يجوز الإفطار للمريض؟ وما موقف أصحاب الأمراض المزمنة؛ خاصة مرضى السكري؟ والنساء الحوامل والمرضعات؟ والمصابين بعدوى الوباء؟ ومن يباشرهم من الأطباء؟
ما حكم إعطاء العمالة اليومية من الزكاة والصدقات في زمن الوباء؟ وذلك نظرًا لانتشار وباء فيروس كورونا، وطبقًا لإجراءات السلامة من الإصابة بالوباء، وأمام التعليمات الواضحة للدولة بالتزام حظر التجول للوقاية من العدوى، التزم الناس بيوتهم، وقلّلوا أعمالهم، وأُجّلوا مصالحهم، مما اضطر المواطنين العاملين بالأجور اليومية (العمالة اليومية والأرزقية) إلى الجلوس في البيوت، واشتدت أحوال كثير منهم حتى صاروا عُرضة لاستغلال المغرضين لهم ضد إجراءات الدولة الوقائية وتعليماتها الرسمية، ومثلهم أصحاب المشاريع متناهية الصغر، وذوي الدخول المحدودة.
فما واجب المجتمع تجاه هذا القطاع الواسع من المواطنين؟ وهل يجوز إعطاؤهم من أموال الزكاة إعانةً لهم على رعايةِ أسرهم وكفاية أهليهم، وسد حاجاتهم وحاجات ذويهم؟