ما حكم نيابة المرأة في الحج عن أخيها المريض؟ فهناك رجلٌ عنده مالٌ يكفي للحج، لكنه مريضٌ عاجزٌ، وليس لديه قدرةٌ جسديةٌ على تَحَمُّل السفر ومشقته ومجهود الحج. فهل يجوز أن يستنيب أخته في الحج بدلًا عنه؟
نيابة المرأة عن الرجل في الحج جائزةٌ شرعًا على ما ذهب إليه عامة الفقهاء؛ لأن الحج عبادة تشتمل على البدن والمال، فإذا عجز الإنسان عن الإتيان بها ببدنه، فيجوز له أن يُنيب مَن يقوم بها عنه، من غير اشتراط المساواة بين النائب والمحجوج عنه في الذكورة والأنوثة.
وعليه: فيجوز للرجل المذكور غير القادر على أداء الحج بنفسه بسبب مرضه أن يُنِيبَ أخته في أداء فريضة الحج بدلًا عنه.
المحتويات
الحجُّ ركنٌ مِن أركان الإسلام الخمسة، وعبادةٌ مِن أعظم العبادات التي أناطها الشرع الشريف بالاستطاعة؛ قال الله تعالى في مُحكم التنزيل: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: 97].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: خَطَبَنَا رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: «أَيُّهَا النَّاسُ، قَدْ فَرَضَ اللهُ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ فَحُجُّوا»، فقال رجل: كُلَّ عام يا رسول الله؟ فسكت، حتى قالها ثلاثًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ، وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ»، ثم قال: «ذَرُونِي مَا تَرَكتُكُمْ؛ فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ» أخرجه الشيخان.
وقد أجمع العلماء على وجوب الحج على المستطيع مرة واحدة في عُمره؛ وهي حجة الإسلام، فإن أدَّاها سقط عنه الفرض ولا يُطالَب به مرةً أخرى.
قال الإمام ابن المنذر في "الإجماع" (ص: 51، ط. دار المسلم): [وأجمعوا أنَّ على المرء في عُمره حجةً واحدةً: حجة الإسلام] اهـ.
وقال الإمام ابن قدامة في "المغني" (3/ 213، ط. مكتبة القاهرة): [وأجمعت الأمة على وجوب الحج على المستطيع في العُمر مرة واحدة] اهـ.
الإنابة: مشتقة من مادة (نوب)، ونَابَ عنِّي فلانٌ يَنُوبُ نَوْبًا ومَنَابًا؛ أي: قام مقامي، وناب عني في هذا الأمر نيابةً إذا قام مقامك؛ كما في "لسان العرب" للعلامة جمال الدين ابن منظور (1/ 774، ط. دار صادر).
وقد أجمع الفقهاء على أنَّ مَن عليه حجة الإِسلام وهو قادرٌ على أنْ يحج بنفسه، فلا يُجزئه أن يحج غيرُه عنه؛ كما في "الإشراف" للإمام ابن المنذر (3/ 389، ط. مكتبة مكة الثقافية)، و"المغني" للإمام ابن قدامة (3/ 223، ط. مكتبة القاهرة).
وأما المريض العاجز الذي لا يُرجَى بُرؤه إذا وَجَد مَن ينوب عنه في أداء الفريضة، فالمختار للفتوى: جواز النيابة في أداء الحج عنه؛ لكونه فاقدًا للاستطاعة بنَفْسه لكنه مستطيعٌ بغيره، ولأنَّ الحج عبادةٌ تَجري فيها النيابةُ عند العجز لا مطلقًا، توسطًا بين العبادة الماليَّة المحضة والعبادة البَدَنيَّة المحضة، وهو مذهب الحنفية؛ كما في "فتح القدير" للعلامة كمال الدين ابن الهُمَام (2/ 416، ط. دار الفكر)، والشافعية؛ كما في "المجموع" للإمام النووي (7/ 94، ط. دار الفكر)، والحنابلة؛ كما في "شرح منتهى الإرادات" للإمام أبي السعادات البُهُوتِيِّ (1/ 519، ط. عالم الكتب).
لم يفرق الفقهاء في النيابة عن المريض في حج الفريضة بين أن ينوب عنه في ذلك رجلٌ أو امرأةٌ، بل قد جاءت السُّنَّة المشَرَّفة بمشروعية نيابة المرأة عن الرجل نصًّا.
فعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: "كَانَ الْفَضْلُ رَدِيفَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنْ خَثْعَمَ، فَجَعَلَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ، وَجَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ يَصْرِفُ وَجْهَ الْفَضْلِ إِلَى الشِّقِّ الْآخَرِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ فَرِيضَةَ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ، أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قال: «نَعَمْ»، وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ" أخرجه الشيخان؛ فلولا أنَّ حجَّها يقع عن أبيها العاجز عن أداء الفريضة بنفسه لما أمرها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالحجِّ عنه.
قال الإمام النووي في "شرح صحيح مسلم" (9/ 98، ط. دار إحياء التراث العربي): [هذا الحديث فيه فوائد، منها.. جواز النيابة في الحج عن العاجز الْمَأْيُوس منه بِهَرَمٍ أو زَمَانَةٍ أو مَوْتٍ، ومنها جواز حج المرأة عن الرجل] اهـ.
وهذا ما نصَّ عليه جمهور الفقهاء من الحنفية -وإن كَرِهُوهُ تنزيهًا؛ لمخالفتها الرجلَ في بعضِ أفعال الحج كرفع الصوت بالتلبية والحَلْق-، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، على تفصيلٍ بينهم في شروط النيابة وضوابطها.
قال الإمام علاء الدين الكاساني الحنفي في "بدائع الصنائع" (2/ 212-213، ط. دار الكتب العلمية) في معرِض كلامه عن الاستنابة في العبادات: [وأما المشتملة على البدن والمال: وهي الْحَجُّ فلا يجوز فيها النِّيابة عند القدرة، ويجوز عند العجز.. فالدَّليل على الجواز: حديث الْخَثْعَمِيَّةِ.. ولولا أنَّ حجَّها يقع عن أبيها لَمَا أمرها بالحج عنه.. وسواء كان رجلًا أو امرأةً، إلا أنه يُكرَهُ إحجاجُ المرأة، لكنه يجوز. أما الجواز: فلحديث الخثعمية. وأما الكراهة: فلأنه يدخل في حجها ضَرْبُ نُقصان؛ لأن المرأة لا تستوفي سُنَنَ الحج، فإنها لا تَرْمُلُ في الطواف وفي السعي بين الصفا والمروة، ولا تَحْلِقُ] اهـ.
وقال الإمام ابن مودود الموصلي الحنفي في "الاختيار لتعليل المختار" (1/ 171، ط. الحلبي): [قال: (ويجوز حجُّ الصَّرُورَةِ والمرأة والعبد)؛ لوجود أفعال الحج والنيَّة عن الآمر كغيرهم.. والأَوْلَى أن يختار رجلًا حرًّا عاقلًا بالغًا قد حجَّ، عالمًا بطريق الحج وأفعاله] اهـ. وَالصَّرُورَةُ: الَّذِي لَمْ يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ.
وقال العلامة ابن عابدين الحنفي في "رد المحتار" (2/ 603، ط. دار الفكر): [ولا يخفى أن التعليل يُفيد أنَّ الكراهةَ تنزيهيةٌ؛ لأن مراعاةَ الخلاف مستحبةٌ، فافهم. وعلَّل في "الفتح" الكراهةَ في المرأة بما في "المبسوط" مِن أنَّ حجَّها أَنْقَصُ؛ إذ لا رَمَلَ عليها، ولا سَعْيَ في بطن الوادي، ولا رَفْعَ صوتٍ بالتلبية، ولا حَلْقَ] اهـ.
وجاء في "المدونة" للإمام مالك (1/ 489، ط. دار الكتب العلمية): [قلتُ لابن القاسم: هل تحُجُّ المرأة عن الرَّجلِ في قول مالك؟
قال: نعم، كان يجِيزُه مالك، ولم يكن يرى له بذلك بأْسًا] اهـ.
وقال الإمام القَرَافِيُّ المالكي في "الذخيرة" (7/ 38، ط. دار الغرب الإسلامي): [وتحج المرأة عن الرجل وبالعكس] اهـ.
وقال الإمام الشَّبْرَامَلِّسِيّ في حاشيته على "نهاية المحتاج" (3/ 252، ط. دار الفكر): [لا يشترط فيمن يحُجُّ عن غيره مساواته للمحجُوجِ عنه في الذُّكورة والأُنُوثة، فيكفي حَجُّ المرأة عن الرَّجل كعكسه؛ أخذًا من الحديث] اهـ.
وقال الإمام ابن قدامة في "المغني" (3/ 226، ط. مكتبة القاهرة): [يجوز أن ينوب الرجلُ عن الرجلِ والمرأةِ، والمرأةُ عن الرجلِ والمرأةِ في الحج، في قول عامة أهل العلم، لا نعلم فيه مخالفًا إلا الحسن بن صالح، فإنه كره حج المرأة عن الرجل. قال ابن المنذر: هذه غفلةٌ عن ظاهر السُّنَّة، فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أَمَرَ المرأة أنْ تحجَّ عن أبيها، وعليه يَعتمِد مَن أجاز حجَّ المرء عن غيره] اهـ.
بناءً على ذلك: فإنَّ نيابة المرأة عن الرجل في الحج جائزةٌ شرعًا على ما ذهب إليه عامة الفقهاء؛ لأن الحج عبادة تشتمل على البدن والمال، فإذا عجز الإنسان عن الإتيان بها ببدنه، فيجوز له أن يُنيب مَن يقوم بها عنه، من غير اشتراط المساواة بين النائب والمحجوج عنه في الذكورة والأنوثة.
وفي واقعة السؤال: يجوز للرجل المذكور غير القادر على أداء الحج بنفسه بسبب مرضه أن يستنيب أخته في أداء فريضة الحج بدلًا عنه.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
ما الفرق بين التحلل الأصغر والتحلل الأكبر في أعمال الحج؟ فهناك شخصٌ عزم على الحج هذا العام، ويعرف أن للحج تحللًا أصغر وتحللًا أكبر، ويسأل: ما الفرق بينهما؟
ما حكم من اعتمر عن نفسه وحج عن غيره؟ فهناك رجلٌ اعتمر في أَشْهُر الحج ولم يخرج مِن الحرم، ثم أَحْرَم بالحج نيابةً عن ميت، هل هذا تَمَتُّع؟ وهل يجب عليه هدْيُ تَمَتُّع؟ ومَن الذي يجب عليه الهدي في هذه الصورة؟
عندما قمت بالمناسك رأيت في الطواف أن الرجال يسرعون في بعض طوافهم دون النساء؛ فعلمت أن المرأة لا تَرْمُل في الطواف؛ فما الحكمة من عدم إسراع المرأة في طوافها؟
ما حكم تقبيل الحجر الأسود وملامسته في أزمنة الوباء؟ حيث اقترب موسم أداء فريضة الحج، ومما يستحب للحاج فعله تقبيل الحجر الأسود وملامسته، والآن ومع انتشار فيروس كورونا القاتل، وسرعة انتشاره عن طريق العدوى من رذاذ المصاب به أصبح تقبيل الحجر الأسود وتزاحم الناس على فعل ذلك قد يكون سببًا للتعرض للعدوى والإيذاء، فما حكم الامتناع عن تقبيل الحجر الأسود في هذه الحالة؟
ما حكم استعمال المحرم للكريمات أثناء الإحرام؟ فقد سألني بعض الأصدقاء أنَّه يعتاد وضع بعض أنواع الكريمات على جَسَده بعد الغُسْل، وبعضُ هذه الكريمات ذات رائحةٍ عِطْريةٍ، فهل يجوز له ذلك؟
ما حكم قطع الطواف للصلاة المكتوبة؟ حيث إذا أقيمت الصلاة وأنا في الطواف؛ فهل يشرع لي قطعه، أو أتمه ثم أصلي؟ وإذا كان يشرع لي أن أقطعه ثم انتهت الصلاة، فهل يتم من المكان الذي قطعت فيه الطواف، أو أبتدئ الشوط المقطوع من أوله؟