ما حكم تفريق أشواط السعي على يومين؟ لأن هناك امرأةً ذهبَت لأداء العمرة، وفي أثناء السعي أصابها التعبُ، فعادَت إلى الفندق، وغلَبَها النوم، ثم ذَهَبَت في اليوم التالي إلى الحرم، وأكملَت ما بقي لها مِن أشواط السعي السَّبْعة، فهل سعيُها صحيحٌ شرعًا؟ وهل يجب عليها في ذلك شيء؟
سَعْيُ المرأة المذكورة الأشواط السَّبْعَة على يومَين صحيحٌ شرعًا، ولا يَلزمُها الإعادة، ولا إثم عليها في ذلك ولا حرج؛ لأنَّ الموالاةَ بين أشواط السعي بين الصفا والمروة سُنَّةٌ يُثاب فاعِلُها، ويجوز للساعي التفريقُ بيْنها، يسيرًا كان هذا التفريقُ أو كثيرًا خاصةً إذا كان هذا لعذرٍ، ولا يَبْطُلُ بذلك السعيُ، ويَبني الساعي على ما سَبق له أداؤه مِن الأشواط، ولا يَجب عليه البدء من جديد وإن كان مُستحَبًّا إذا كان هذا التفريقُ كثيرًا مِن غير عذر.
المحتويات
السعي لغةً: العَدْوُ مِن غيرِ شَدٍّ، وهو فوق المشي، ومنه أُخِذَ السعي بين الصفا والمروة؛ كما في "تاج العروس" للعلامة أبي الفَيْض الزَّبِيدِي (38/ 279، ط. دار الهداية).
وشرعًا: المشي بين جَبَلَي الصفا والمروة سبعةَ أشواطٍ بعد طوافٍ في نُسُكِ حجٍّ أو عُمرةٍ؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلۡمَرۡوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ فَمَنۡ حَجَّ ٱلۡبَيۡتَ أَوِ ٱعۡتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيۡرًا فَإِنَّ ٱللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 158].
المختار للفتوى: أنَّ التتابع والموالاة بين أشواط السعي بين الصفا والمروة سُنَّةٌ يُثاب فاعِلُها، وليست شرطًا لصحة السعي، فيجوز تفريق الأشواط لعذرٍ، ويُكْرَه لغير عذر ولا يَبطل السعي، وسواءٌ كان الفصلُ بينها بزمَنٍ يَسِيرٍ -كأن يُسَلِّمَ الساعي على شخصٍ يعرفه، أو يَقِفَ لشُرب الماء، أو غير ذلك ممَّا لا يَستغرق وقتًا يُشْعِرُ أنَّ صاحبَه تَرَكَ هيئة السعي التي هو عليها-، أو كان زمَن الفصل طويلًا -كأنْ يستغرق وقتُ السعي يومًا أو ليلةً أو أكثر مِن ذلك-، ويبني الساعي في الحالتين على ما سَبق مِن الأشواط مِن غير ابتداء؛ لأنَّ السعي نُسُكٌ لا يتعلَّقُ بالبيتِ، فلم تُشترَط له الموالاةُ، كالرَّمْيِ والحَلْقِ.
وعَنْ هشام بن عُرْوَةَ، عن أبيه أنَّ "سَوْدَةَ بِنْتَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ كَانَتْ عِنْدَ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَخَرَجَتْ تَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ مَاشِيَةً، وَكَانَتِ امْرَأَةً ثَقِيلَةً، فَجَاءَتْ حِينَ انْصَرَفَ النَّاسُ مِنَ الْعِشَاءِ، فَلَمْ تَقْضِ طَوَافَهَا حَتَّى نُودِيَ بِالْأُولَى مِنَ الصُّبْحِ، فَقَضَتْ طَوَافَهَا فِيمَا بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ" أخرجه الإمام مالك في "الموطأ".
قال الإمام الزُّرْقَانِيُّ في "شرحه على الموطأ" (2/ 475، ط. مكتبة الثقافة الدينية): [فحاصِلُهُ: أنَّها لِثِقَلِهَا أقامت في الطواف والسعي مِن العشاءِ إلى الأذانِ الأَوَّلِ لِلصُّبْحِ] اهـ.
وإلى عدم اشتراط الموالاة في السعي بين الأشواط، وجواز الفصل الكثير بينها -كما هي مسألتنا-، ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية -وإن كرهوه لغير عذر، واستَحَبَّ بعضُهم الاستئناف في الفصل الكثير كأنْ يطوف في كلِّ يومٍ شوطًا أو أقلَّ وليس له في ذلك عذر-، والشافعية، والحنابلة في الأصح.
وعلى هذا الاختيار، فإنَّ مَن أجهَدَه التعبُ في السعي، فَقَطَعَه، ثُم أَكْمَلَهُ في اليوم التالي بَانِيًا على ما أَدَّاه مِن الأشواط، فإنَّ سَعْيَهُ صحيحٌ شرعًا، ولا شيء عليه في ذلك ولا حرج.
قال المُلَّا علي القارِي الحنفي في "المَسْلَك المُتَقَسِّط في المَنْسَك المتوسِّط" (ص: 86، ط. التوقي الماجدية) في بيان أحكام السعي: [(فصلٌ في سُنَنِه) أي: سُنَن السعي، وهي خَمْسٌ (الموالاة بيْنه وبيْن الطواف).. (والموالاة بيْن أشواطه) هذا مخالِفٌ بظاهِرِه لِمَا قاله في "الكبير": والموالاة ليست بشرط، بل هي مستحبة، فلو فرَّق السعي تفريقًا كثيرًا كأن سَعَى كلَّ يومٍ شوطًا أو أقلَّ لم يَبطُل سعيُه، ويُستحب أن يَستأنف، يعني: إنْ فَعَلَه بغير عذر] اهـ.
وقال علاء الدين الحَصْكَفِيُّ الحنفي في "الدر المختار" (ص: 160-161، ط. دار الكتب العلمية): [اعلم أن مكان الطواف داخل المسجد ولو وراء زمزم، لا خارجه؛ لصيرورته طائفًا بالمسجد لا بالبيت، ولو خرج منه أو من السعي إلى جنازةٍ أو مكتوبةٍ أو تجديدِ وضوءٍ ثم عاد: بَنَى، وجاز فيهما: أكلٌ، وبيعٌ، وإفتاءٌ] اهـ.
وقال الإمام النووي الشافعي في "المجموع" (8/ 73، ط. دار الفكر): [الموالاة بين مراتب السعي سُنَّةٌ على المذهب، فلو تخلل فصلٌ يسيرٌ أو طويلٌ بينهن لم يَضُرَّ وإنْ كان شهرًا أو سَنَةً أو أكثر، هذا هو المذهب، وبه قطع الجمهور، وقال الماوردي: إن فَرَّقَ يسيرًا جاز، وإن فرق كثيرًا فإنْ جَوَّزْنَا التفريق الكثير بين مرات الطواف وهو الأصح، فهَاهُنا أَوْلَى] اهـ.
وقال الإمام ابن قُدَامة الحنبلي في "المغني" (3/ 357، ط. مكتبة القاهرة): [فأما السعي بين الصفا والمروة، فظاهر كلام أحمد أن الموالاةَ غيرُ مشتَرَطة فيه، فإنه قال في رجل كان بين الصفا والمروة، فلَقِيَهُ قادِمٌ يَعرِفُه، يَقِفُ يُسَلِّمُ عليه، ويُسَائلُه؟ قال: نعم، أمْرُ الصفا سَهْلٌ، إنما كان يكره الوقوف في الطَّوافِ بالبيت، فأما بين الصفا والمروة فلا بأس. وقال القاضي: تُشترط الموالاة فيه، قياسًا على الطواف، وحكاه أبو الخطاب روايةً عن أحمد، والأول أَصَحُّ؛ فإنه نُسُكٌ لا يتعلق بالبيت، فلم تُشترط له المُوَالَاةُ، كالرمي والحلاق. وقد روى الأثرمُ أن سودة بنت عبد الله بن عمر، امرأة عروة بن الزبير، سَعَت بين الصفا والمروة، فقَضَت طوافَها في ثلاثة أيام، وكانت ضَخمة. وكان عطاء لا يرى بأسًا أن يَستريح بينهما، ولا يَصِحُّ قياسُه على الطواف؛ لأن الطواف يتعلق بالبيت، وهو صلاة تُشترط له الطهارة والستارة، فاشتُرطت له الموالاة، بخلاف السعي] اهـ.
بناءً على ذلك: فإنَّ الموالاةَ بين أشواط السعي بين الصفا والمروة سُنَّةٌ يُثاب فاعِلُها، ويجوز للساعي التفريقُ بيْنها، يسيرًا كان هذا التفريقُ أو كثيرًا خاصةً إذا كان هذا لعذرٍ، ولا يَبْطُلُ بذلك السعيُ، ويَبني الساعي على ما سَبق له أداؤه مِن الأشواط، ولا يَجب عليه الاستئناف وإن كان مُستحَبًّا إذا كان هذا التفريقُ كثيرًا مِن غير عذر كما سبق بيانه.
وفي واقعة السؤال: سَعْيُ المرأة المذكورة الأشواط السَّبْعَة على يومَين صحيحٌ شرعًا، ولا يَلزمُها الإعادة، ولا إثم عليها في ذلك ولا حرج.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
ما كيفية تلبية المرأة في الحج؟ وهل يجوز لها التلبية بصوتٍ مسموعٍ؟
ما حكم نيابة المرأة في الحج عن أخيها المريض؟ فهناك رجلٌ عنده مالٌ يكفي للحج، لكنه مريضٌ عاجزٌ، وليس لديه قدرةٌ جسديةٌ على تَحَمُّل السفر ومشقته ومجهود الحج. فهل يجوز أن يستنيب أخته في الحج بدلًا عنه؟
نحيطكم عِلمًا بأن صندوق خاص بإحدى الجهات الرسمية يقوم بتنظيم بعثة سنوية للحج، وذلك حسب البرنامج التالي ذكره، فبرجاء التفضل بإبداء الرأي في مدى صحة هذا البرنامج من الناحية الشرعية:
تقوم البعثة بالسفر بالملابس العادية إلى المدينة أولًا، وتمكث البعثة بالمدينة لمدة خمسة أيام، قبل التوجه إلى مكة لأداء مناسك الحج، ونقوم بشراء صكوك الهدي من المدينة، والإحرام من فندق الإقامة بنية القران بين الحج والعمرة.
ثم نقوم بعد ذلك بالتوجه إلى الحرم المكي لأداء طواف القدوم والسعي بعده، فهل يجزئ هذا السعي عن سعي الحج؟
في يوم التروية نذهب ليلًا مباشرة إلى عرفة، ولا نبيت بمِنى ولا ندخلها، ونبيت ليلة عرفة بمقر البعثة بعرفة والذي يكون داخل حدود عرفة، ونمكث بالمخيَّم داخل عرفة دون الذهاب إلى جبل الرحمة، وعند غروب الشمس نبدأ في التحرك إلى المزدلفة، فنصل إليها ليلًا، ونصلي المغرب والعشاء جمع تأخير مع قصر العشاء، ونسرع بجمع الحصى من المزدلفة، ثم نبادر بعد ذلك وفي منتصف الليل بمغادرة المزدلفة إلى منى لرمي جمرة العقبة الكبرى، ويمكن لكبار السن والسيدات التوكيل في رمي الجمرات، ثم نتوجه إلى مكة المكرمة لطواف الإفاضة، وبعدها نتوجه إلى الفندق لأخذ قسط من الراحة.
ثم نتوجه في ظهيرة يوم النحر من مكة إلى منى للمبيت بها حتى الساعة 12 صباحًا، ثم نقوم برمي الجمرات ليلة أول أيام التشريق وثاني أيام العيد، ثم التوجه إلى فندق الإقامة لمَن يرغب. وفي ظهر أول أيام التشريق وثاني أيام العيد نتوجه إلى منى ونقيم بها حتى نرمي جمرات اليوم الثاني من أيام التشريق في حدود الساعة 12 صباحًا، ونتعجل اليوم الثالث، ونقوم بمغادرة مِنى إلى مكة ليلة ثاني أيام التشريق بعد رمي الجمرات.
ننصح الكثير من أعضاء البعثة وخاصة كبار السن بالذهاب بعد العشاء بساعة أو ساعتين ليلة 12 من ذي الحجة بالذهاب إلى الجمرات ورمي جمرات اليوم الأول، ثم يمكثون إلى أن ينتصف الليل ويرمون لليوم الثاني. كما ننصح كبار السن والنساء ومن لا يستطع الذهاب إلى منى أن يبقى بمكة ويوكِّلَ من يرمي عنه الجمرات. ويمكن لمن أحب عمل أكثر من عمرة أن يقوم بذلك بعد الرجوع إلى مكة والتحلّل الأكبر، ويقوم أعضاء البعثة بطواف الوداع في يوم 13 من ذي الحجة، أي: قبل المغادرة بيوم.
كما ننصح كبار السن والمرضى أن يجمعوا في طواف الإفاضة بين نية الإفاضة ونية الوداع.
وتفضلوا سيادتكم بقبول فائق الاحترام
ما حكم الحج عن شخص والعمرة عن شخص آخر في حج القران؟ فهناك رجل توفي والداه، ويريد أن يوكِّل شخصًا ليحُجَّ عن أبيه ويعتمر عن أمه قارنًا بينهما، فهل يجوز ذلك؟
ما حكم اغتسال الحائض للإحرام بالحج؟ فعندما ذهبت أنا وزوجتي للحج، وافق الإحرام للحج عادتها الشهرية. فهل تغتسل للإحرام؟