ما حكم تقاضي السمسار عمولة من البائع والمشتري دون علم المشتري بأن البائع يدفع عمولة؟ فهناك رجلٌ يعمل كسمسار، ويتقاضى عمولةً مِن البائع والمشتري، ولا يعلم المُشتري أن هذا السمسار يتقاضى عمولةً مِن البائع، فما الحكم في ذلك شرعًا؟
السمسرة عقدٌ مشروعٌ متى كان خاليًا عن المحذورات الشرعيَّة مِن حرمة المعقود عليه، والغِشِّ، والخيانة والغررِ، ولم يكن فيه غبنٌ كبيرٌ عُرفًا، ويجوز للسمسار أن يعقده مع البائع أو المشتري على السواء، أو مع كليهما، إذا لم يكن وكيلًا عن أحدهما، وحصل التراضي على تلك السمسرة وأجرتها بين السمسار ومَن يدفع له الأجرة، ولا يُشترط في تلك الحالة علمُ الطرف الآخَر في البيع بتلك السمسرة أو بأجرتها، مع مراعاة اتباع اللوائح والقوانين المنظمة لمثل هذه المعاملات، ووجوب تحرِّي الصدق والأمانة في ذلك كلِّه.
المحتويات
السِّمسار: كلمةٌ فارسيَّةٌ معرَّبةٌ، والمراد بها في البيع: مَن يَدخل بين البائع والمشتري متوسطًا لإمضاء البيع، بحيث يدل المشتري على السلعة، ويدل البائع على الثمن، كما في "لسان العرب" للإمام جمال الدين ابن مَنظُور (4/ 380-381، ط. دار صادر)، و"تاج العروس" للإمام المُرْتَضَى الزَّبِيدِي (12/ 86، ط. دار الهداية).
ولا يَبعُد الاصطلاح الشرعيُّ عن المعنى اللغوي، إذ يُعرَف السِّمسَارُ عند الفقهاء بأنه "هُوَ الَّذِي يَبِيعُ أَوْ يَشْتَرِي لِغَيْرِهِ بِالْأُجْرَةِ"، كما قال الإمام علاء الدين الكَاسَانِي الحنفي في "بدائع الصنائع" (4/ 184، ط. دار الكتب العلمية)، وينظر: "القوانين الفقهية" للإمام ابن جُزَي المالكي (ص: 553، ط. دار ابن حزم)، و"حاشية الإمام الشَّرْوَانِي الشافعي على تحفة المحتاج" (4/ 220، ط. دار إحياء التراث العربي).
وجاء تعريف السمسرة في المادة رقم (192) مِن "القانون التِّجاري المصري" رقم (17) لسَنَة 1999م على أنها: [عقدٌ يَتعهَّد بمقتضاه السِّمسارُ لشخصٍ بالبحث عن طرفٍ ثانٍ لإبرام عقدٍ معيَّن والتوسُّط في إبرامِه] اهـ.
والسمسرة عقدٌ مِن العقود الجارية بين الناس مِن لدُن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهي معاملةٌ مشروعةٌ بأصلها ما دامت السِّلعة أو ما في معناها حلالًا؛ لقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1].
قال الإمام فخر الدين الرَّازِي في "مفاتيح الغيب" (20/ 337، ط. دار إحياء التراث العربي): [دخل في قوله: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ كلُّ عقدٍ مِن العقود.. وحاصل القول فيه: أن مقتضى هذه الآية أنَّ كلَّ عقدٍ وعهدٍ جرى بين إنسانين فإنه يجب عليهما الوفاء بمقتضى ذلك العقد والعهد، إلا إذا دلَّ دليلٌ منفصلٌ على أنَّه لا يجب الوفاء به] اهـ.
ولحديث عمرو بن عَوْفٍ الْمُزَنِي رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ، إِلَّا شَرْطًا حَرَّمَ حَلَالًا، أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا» أخرجه الأئمة: الترمذي -وقال: حسنٌ صحيح- والدارقطني والبيهقي في "سننهم"، والحاكم في "المستدرك" وصحَّحه.
وعن قَيْسِ بن أبي غَرَزَة رضي الله عنه قال: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ نُسَمَّى السَّمَاسِرَةَ، فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ التُّجَّارِ، إِنَّ الشَّيْطَانَ وَالْإِثْمَ يَحْضُرَانِ الْبَيْعَ، فَشُوبُوا بَيْعَكُمْ بِالصَّدَقَةِ» أخرجه الأئمة: عبد الرزاق في "المصنف"، وأحمد في "مسنده"، وأبو داود، والترمذي في "السنن" وقال: حسنٌ صحيح.
وقد ذهب إلى مشروعيَّة السمسرة وأخذ أجرةٍ (عمولة) عليها مِن أحد المتعاقدين أو كليهما جماهيرُ الفقهاء مِن الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة؛ لحاجةِ النَّاس إليها، فإن كان العملُ والعِوضُ معلومَيْن للمتعاقدين فهي مِن باب الإجارة، وإن كانا مجهولين أو أحدُهما فهي مِن الجِعالة، أو يُقدَّر للسِّمسار أجرُ المثل، على تفصيلٍ بين الفقهاء. ينظر: "رد المحتار" للإمام ابن عَابِدِين الحنفي (6/ 47، ط. دار الفكر)، و"المدوَّنة في فقه الإمام مالك" (3/ 466، ط. دار الكتب العلمية)، و"روضة الطالبين" للإمام شرف الدين النَّوَوِي الشافعي (5/ 257، ط. المكتب الإسلامي)، و"المغني" للإمام مُوفَّقِ الدِّين ابن قُدَامَة الحنبلي (5/ 345-346، ط. مكتبة القاهرة)، و"كشاف القناع" للإمام أبي السَّعَادَاتِ البُهُوتِي الحنبلي (4/ 11، ط. دار الكتب العلمية).
وهو قول الأئمة: ابن سِيرِين، وعَطَاء، وإبراهيم النَّخعِي، والحَسَن البصري، كما في "شرح الإمام ابن بَطَّال على صحيح الإمام البخاري" (6/ 400، ط. مكتبة الرشد).
السمسرة كأيِّ عقدٍ مِن عقود المعاملات، فمع أنَّ الأصلَ فيها الجوازُ والإباحةُ، إلا أنه يُشترط فيها أن تكون خاليةً مِن المحذورات الشرعيَّة كالغررِ والجهالةِ، وصورِ الغِشِّ والتدليس والخِدَاع، وحُرمة العملِ المعقود عليه، وغيرها مِن أسباب الحُرمَةِ شرعًا والخصومةِ قضاءً، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: 27].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآله وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الْحَصَاةِ، وَعَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ»، وعنه أيضًا رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «ومَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» أخرجهما الإمام مسلم في "صحيحه".
وعن عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا، وَالْمَكْرُ وَالْخِدَاعُ فِي النَّارِ» أخرجه الإمام ابن حبان في "صحيحه".
وتقاضي السمسار أجرةً (عمولة) مِن البائع والمشتري، هو في الحقيقة مشتملٌ على معاملتَيْن مُنفصِلَتَيْن، إحداهما مع البائع على أن يَجِدَ له مُشْتَرِيًا، والأخرى مع المشتري على أن يَبْحَثَ له عما يَقصد شراءَه، فصادَف أن كان مقصدُ المشتري عند ذات البائعِ المتعاقِد مع السمسار، وحينئذٍ لا يكون انتفاءُ العلم بتقاضِي السمسار عمولةً مِن البائع أو المشتري عن الآخَر قادِحًا في صحَّة أيٍّ مِن المعاملتَيْن، حيث إنه ليس وكيلًا عن أحدهما؛ لأنه إن كان وكيلًا فإن الوكيلَ مؤتَمَنٌ، وأخذه للسمسرة مِن غير موكِّله نوع خيانةٍ.
قال الإمام الرُّحَيْبَانِي في "مطالب أولي النهى" (3/ 132، ط. المكتب الإسلامي): [(وهِبَةُ بائعٍ لوكيلٍ) اشترى منه (كنقصٍ) مِن الثمن، فتُلحق بالعقد (لأنَّها لمُوَكِّله) وهو المشتري] اهـ.
كما أنَّ العبرة في العقود والمعاملات المالية بحصول التراضي مِن الطرفين، ولا يتوقف حصولُهُ منهما على عِلم أحدٍ سواهما، قال تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 29].
وأمارَة التراضي صُدُورُ الإيجاب والقبول مِن المتعاقدين.
قال الإمام شهاب الدين الزَّنْجَانِي في "تخريج الفروع على الأصول" (ص: 143، ط. مؤسسة الرسالة): [الأصل الذي تُبْنَى عليه العقود المالية مِن المعاملات الجارية بين العباد: اتِّباع التَّرَاضي.. غير أنَّ حقيقة الرضا لَمَّا كانت أمرًا خفيًّا وضميرًا قلبيًّا، اقتضت الحكمة رَدَّ الخلق إلى مَرَدٍّ كُلِّيٍّ وضابِطٍ جَلِيٍّ يُستَدَلُّ به عليه، وهو الإيجاب والقبول الدَّالَّان على رضا العاقدين] اهـ.
ولا يخفى أنَّ الإيجاب والقبول لا تعلُّق لهما بغير المتعاقدين، فمتى صدر الرِّضا منهما لم يكن المالُ المستحَقُّ بتلك المعاملة أَكْلًا للمال بالباطل، حتى وإن أضافه البائعُ إلى ثمن السلعة، ما لم يحصل بها غبنٌ كبيرٌ للمشتري في ثمن تلك السلعة عُرفًا، حيث نصَّ بعض الفقهاء على أن أجرَة السمسار مِن جملة ما يضاف إلى الثَّمن في عُرف التُّجَّار، لكن لا يُعَبِّر عند البيع في تلك الحالة بصيغةٍ يُتَوَهَّم منها أنه اشترى المبيع بذلك الثمن، بل يُعَبِّر بنحو: قام عليَّ بكذا، ليشمل كافَّة التكاليف، فأفاد أنَّه لا يلزمه أن يُخبِر المشتري بتفصيل ذلك.
قال الإمام علاء الدين الكَاسَانِي في "بدائع الصنائع" (5/ 223): [لا بأس بأن يُلحَق برأس المال أجرةُ القَصَّار، والصَّبَّاغ، والغَسَّال، والفَتَّال، والخَيَّاط، والسِّمسار.. ويُباع مرابحةً وتوليةً على الكلِّ اعتبارًا للعُرفِ؛ لأنَّ العادة فيما بين التجَّار أنهم يُلحِقُون هذه المُؤَنَ برأس المال ويَعُدُّونها منه، وعُرف المسلمين وعادَتُهُم حُجَّةٌ مُطلَقةٌ.. إلا أنَّه لا يقول عند البيع: اشتريتُهُ بكذا، ولكن يقول: قام عليَّ بكذا؛ لأنَّ الأولَ كذِبٌ، والثاني صِدق.. والتعويل في هذا الباب على العادة] اهـ.
ومِن المقرَّر شرعًا أنَّ "العادةَ محكَّمةٌ"، وأنَّ العُرفَ حجَّةٌ شرعيَّة، وهو ما نصَّ عليه الفقهاء في القواعد المعمول بها في التشريع الإسلامي، كما في "الأشباه والنظائر" للإمام الحافظ السُّيُوطِي (ص: 89 وما بعدها، ط. دار الكتب العلمية)، و"الأشباه والنظائر" للإمام زين الدين ابن نُجَيْم (ص: 79 وما بعدها، ط. دار الكتب العلمية).
بناءً على ذلك: فإن السمسرة عقدٌ مشروعٌ متى كان خاليًا عن المحذورات الشرعيَّة مِن حرمة المعقود عليه، والغِشِّ، والخيانة والغررِ، ولم يكن فيه غبنٌ كبيرٌ عُرفًا، ويجوز للسمسار أن يعقده مع البائع أو المشتري على السواء، أو مع كليهما، إذا لم يكن وكيلًا عن أحدهما، وحصل التراضي على تلك السمسرة وأجرتها بين السمسار ومَن يدفع له الأجرة، ولا يُشترط في تلك الحالة علمُ الطرف الآخَر في البيع بتلك السمسرة أو بأجرتها، كما سبق بيانه.
وفي واقعة السؤال: تقاضي الرجل المذكور عمولةً متفَقًا عليها مِن كلٍّ مِن البائع والمشتري، مع كون المشتري لا يعلم بأنه يتقاضى عمولةً مِن البائع، أو العكس -أمر جائزٌ شرعًا، ولا إثم عليه في ذلك ولا حرج، مع مراعاة اتباع اللوائح والقوانين المنظمة لمثل هذه المعاملات، ووجوب تحرِّي الصدق والأمانة في ذلك كلِّه.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
ما حكم إخفاء درجة جودة السلعة عند بيعها؟ فأنا أعمل تاجرًا في مجال قطع الغيار، ومن المعروف عني أني لا أتاجر إلا في السلع عالية الجودة، لكن في الآونة الأخيرة وبسبب عدم توفر سيولة مالية كبيرة لن أتمكن من الاستمرار في ذلك، فهل يجوز لي التعامل في السلع متوسطة القيمة والجودة، فأبيعها على كونها ذات جودة عالية لكن بسعر منخفض؟ مع العلم بأني لن أُعلم المُشتري بطبيعة هذه السلع.
ما حكم التدليس بإخفاء العيب ومدى صحة البيع وثبوت الخيار للمشتري؟ فهناك رجلٌ يَعْمَلُ في تِجَارة السيارات المستعملة، وقد اشترى سيارةً مستعملةً مِن آخَر، وأخبره هذا البائعُ أنَّ هذه السيارة أُصيبت بحادث خلفي، وفي الإصلاح تم تغيير النصف الخلفي للسيارة بقطع غيار (استيراد)، وقد اشتراها منه ذلك التاجرُ على ذلك بأقلَّ مِن ثمنها الشائع في السوق، وقام بعد ذلك ببيعها دون أن يُخبِر المشتريَ بما هو حاصلٌ فيها، وفي نفس الأسبوع تبيَّن ما فيها للمُشْتَري، ويريد أن يردَّها، والسؤال: هل على التاجر المذكور ذَنْبٌ فيما فعل؟ وهل يحق للمشتري ردُّ السيارة؟ وإن كان يحقُّ له الردُّ فهل له أن يأخذَ قيمة العيب فقط ويَحتفظ بالسيارة؟
يرغب أحد الأشخاص [طرف ثان] في الحصول على آلات وأجهزة ما؛ لاحتياجه إليها في مشروع أقدم عليه، لكنه لا يمتلك ثمنها، ولديه صديق [طرف أول] يتعامل بنظام الإجارة المنتهية بالتمليك، فطلب الطرف الثاني من الطرف الأول أن يوفر له تلك الآلات والأجهزة، ثم حررا عقد إجارة اشتمل على الآتي:
1- يدفع الطرف الثاني ثمن الآلات والأجهزة على مدى عشر سنوات في صورة أجرة شهرية تزيد قيمتها عن أجرة المثل، زيادة متعارف عليها بسعر السوق والعرف بين التجار؛ نظرًا لتملك الطرف الثاني لها بعد مرور السنوات العشر دون دفع أي زيادة.
2- ضمان الآلات والأجهزة طوال السنوات العشر من مسئولية الطرف الثاني.
3- لا يحق للطرف الثاني التصرف في الآلات والأجهزة بالبيع أو الهبة أو أي تصرف فيه نقل للملكية طوال السنوات العشر.
4- العقد ملزم للطرفين، ليس لأحدهما فسخه أو الرجوع فيه إلا بالاتفاق والتراضي مع الطرف الآخر.
والسؤال: هل هذه الصورة التعاقدية جائزة شرعًا أو لا؟
ما حكم التصرف في العربون قبل تسليم المبيع؟ فهناك رجلٌ يعمل في تجارة الأجهزة الكهربائية، واعتاد بعضُ الناس معاملتَه بدَفْع عربونٍ غير مُستَرَد عند شراء السلعةِ على ذمَّة إتمام البيع وسداد باقي الثمن، مع استلامِ مُستندٍ تِجَاريٍّ (فاتورةٍ) بذلك، فهل يجوز له التصرف فيما يقبضه منهم كعربونٍ على بعض السلع قبل إتمام البيع وتسليم تلك السِّلَع؟
ما حكم التعامل بخطاب الضمان البنكي بنوعيه: المغطى، والمكشوف؟ فأنا شخص أعمل في مجال المقاولات وبعض الأعمال التجارية، ويُطلب مني في بعض المعاملات إحضار خطاب ضمان من أحد البنوك كشرط لإتمام هذه المعاملات.