حكم التبرع بالخلايا الجذعية لأغراض علاجية

تاريخ الفتوى: 16 نوفمبر 2025 م
رقم الفتوى: 8834
من فتاوى: فضيلة أ. د/ نظير محمد عياد - مفتي الجمهورية
التصنيف: الطب والتداوي
حكم التبرع بالخلايا الجذعية لأغراض علاجية

ما الحكم الشرعي في تبرُّع البالغين بالخلايا الجذعية المستخرجة من الدم أو النخاع؛ لعلاج المرضى المصابين بأمراضٍ خطيرةٍ كفشل النخاع أو السرطان، أو رجاء إنقاذ حياة إنسانٍ لا يُرجى شفاؤه إلا بها؟

تبرع البالغين بالخلايا الجذعية باختيارهم لعلاج المرضى المصابين بالأمراض المستعصية أمرٌ جائزٌ ومُثابٌ عليه شرعًا، ويُعَدُّ من إحياء النفس المطلوب شرعًا، وسبيلًا إلى تحقيق مقصد الشريعة في حفظها، وهو مَظهَرٌ من أجلِّ مَظاهِر قضاء حوائج الناس، وذلك متى ثبتت الحاجة الطبية المُلِحَّة إلى تلك الخلايا لإنقاذ حياة مريضٍ أو وقايته من الهلاك، وعلى أن يتيقن نفعها بتقرير الأطباء المختصين، وأن يكون المتبرِّع بها بالغًا عاقلًا مختارًا، وألَّا يترتب على تبرعه بها ضررٌ عليه حالًا ولا مآلًا، مع تحقق خلوه من الأمراض المعدية، وأن يتم ذلك وفق ما تقرره القوانين والضوابط الطبية المنظمة لذلك، كما أنه يَحرُم شرعًا بيع تلك الخلايا بأي حالٍ من الأحوال.

المحتويات

 

دور الخلايا الجذعية في الطب الحديث

الخلايا الجذعية: هي خلايا قادرة على تطوير نفسها لأي نوعٍ من الخلايا الموجودة في جسم الإنسان، وذلك خلال المرحلة المبكرة من العمر والنمو، كما تعمل كجهاز تصليح داخلي في أنسجة الجسم، وهناك عدة طرق للحصول عليها، منها: أخذها من الجنين السقط في أي مرحلة من مراحل الحمل، أو عن طريق المشيمة أو الحبل السري، أو من نخاع عظم الأطفال أو البالغين، وتُستعمل هذه الخلايا في معالجة طائفةٍ من الأمراض المستعصية، كالسكري من النوع الأول، وإصابات الحبل الشوكي، ومرض الزهايمر، والسكتات الدماغية، وبعض أنواع السرطان، والحروق البالغة، ومشكلات القرنية والعيون، وغيرها من الحالات التي يهدف فيها الطب الحديث إلى تجديد الأنسجة المتضررة وإعادة وظائفها الحيوية. ينظر: "طب الخلايا الجذعية" للدكتور ناصر محيي الدين (ص: 50-53، ط. دار الغسق)، و"الخلايا الجذعية: نظرة علمية" للدكتور صالح بن عبد العزيز (ص: 105، ط. المجمع الفقهي الإسلامي).

ترغيب الشرع الشريف في صنائع المعروف

قد رغَّب الشرع الشريف في صنائع المعروف، ودعا إلى التعاون على البرِّ والتقوى، وجعل الإحسانَ إلى الخلق ومدَّ يدِ العون لهم من أحبِّ القُرُبات وأجلِّ الطاعات، فقال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]، وجعل سبحانه قضاءَ حاجةِ المحتاج، وتفريجَ كُربة الملهوف، وبذلَ النفع للناس، سبيلًا إلى محبته ورحمته ورضوانه، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللهِ أَنفَعُهُم لِلنَّاسِ، وَأَحَبُّ الأَعمَالِ إِلَى اللهِ سُرُورٌ تُدخِلُهُ عَلَى مُسلِمٍ، أَو تَكشِفُ عَنهُ كُربَةً، أَو تَقضِي عَنهُ دِينًا، أَو تُطرَدُ عَنهُ جُوعًا» أخرجه الإمام الطبراني في "المعجم الأوسط".

قال الإمام زين الدين المُنَاوي في "فيض القدير" (3/ 481، ط. المكتبة التجارية): [أي: أشرفهم عنده أكثرهم نفعًا للناس، بنعمةٍ يُسديها، أو نقمةٍ يزويها عنهم، دينًا أو دُنيَا] اهـ.

عناية الشرع الشريف بحفظ النفس

إذا كانت الشريعة قد رغَّبت في قضاء حوائج الناس، وحثَّت على تفريج كُرَبهم وإغاثة ملهوفهم، فإنَّ حاجة المريض إلى ما يُنقذ حياته هي أشد منازل الحاجة وأكثرها ضعفًا، ومساندته في الحصول على ما يحفظ حياته هو أعظم منازل البذل وأسمى درجات العطاء، بل هو حق للإنسان جعله الله تعالى مقدمًا على حقه في أداء الفرائض والعبادات.

قال الإمام عز الدين بن عبد السلام في "قواعد الأحكام" (1/ 66، ط. الكليات الأزهرية): [تقديم إنقاذ الغرقى المعصومين على أداء الصلوات؛ لأن إنقاذ الغرقى المعصومين عند الله أفضل من أداء الصلاة، والجمع بين المصلحتين ممكن بأن ينقذ الغريق ثم يقضي الصلاة، ومعلوم أن ما فاته من مصلحة أداء الصلاة لا يقارب إنقاذ نفس مسلمة من الهلاك.

وكذلك لو رأى الصائم في رمضان غريقًا لا يتمكن من إنقاذه إلا بالفطر، أو رأى مصولًا عليه لا يمكن تخليصه إلا بالتَّقَوِّي بالفطر، فإنه يفطر وينقذه، وهذا أيضًا من باب الجمع بين المصالح؛ لأن في النفوس حقًّا لله عز وجل وحقًّا لصاحب النفس، فَقَدَّم ذلك على فوات أداء الصوم دون أصله] اهـ.

حكم التبرع بالخلايا الجذعية لأغراض علاجية

التبرُّع بالخلايا الجذعية لمداواة أصحاب الأمراض المستعصية يُعَدُّ من إحياء النفس المطلوب شرعًا؛ قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: 32].

قال الإمام القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" (6/ 147، ط. دار الكتب المصرية): [﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾، أي: يجب على الكل شكره.. ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ تَجَوُّزٌ؛ فإنه عبارةٌ عن الترك والإنقاذ من هَلَكةٍ، وإلَّا فالإحياء حقيقةً -الذي هو الاختراع- إنَّما هو لله تعالى] اهـ.

فالتبرعُ بها يُعدُّ سبيلًا إلى تحقيق مقصدٍ جليلٍ من المقاصد الضرورية التي قامت عليها الشريعةُ الغرَّاء، وهو مقصدُ حفظ النفس، الذي جاءت النصوصُ الشرعيةُ بتعظيم شأنه، والأمرِ بصيانته من أسباب الهلاك والضرر.

قال حجة الإسلام أبو حامد الغَزَالِي في "المستصفى" (ص: 174، ط. دار الكتب العلمية): [ومقصود الشرع من الخلق خمسة: وهو أن يحفظ عليهم دينهم، ونفسهم، وعقلهم، ونسلهم، ومالهم، فكلُّ ما يتضمَّن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكلُّ ما يفوِّت هذه الأصول فهو مفسدة ودفعها مصلحة] اهـ.

وقال الإمام الشاطبي في "الموافقات" (1/ 31، ط. دار ابن عفان): [قد اتفقت الأمة -بل سائر الملل- على أنَّ الشريعة وضعت للمحافظة على الضروريات الخمس -وهي: الدين، والنفس، والنسل، والمال، والعقل- وعلمها عند الأمَّة كالضروري] اهـ.

وإذا جاز تبرع البالغ بالخلايا الجذعية، فإنَّ هذا الجوازَ مُقيَّدٌ بجملةٍ من القيود والضوابط الشرعية، والتي منها:

1- ثبوتُ الحاجة أو الضرورة الطبية: بأن يكون المريض في حاجةٍ ماسَّةٍ إلى زراعة الخلايا الجذعية لإنقاذ حياته، أو لوقايته من مرضٍ عضالٍ يُخشى معه الهلاك أو تلفُ عضوٍ من أعضائه، على نحوٍ يقرِّره الأطباءُ المختصون العدول.

2- أن يكون التبرعُ بالخلايا الجذعية مُحقِّقًا لمصلحةٍ مؤكَّدةٍ للمريض من الوجهة الطبية، ومُفضيًا إلى وقايته من ضررٍ محقَّقٍ أو هلاكٍ متوقَّع.

3- ألَّا يترتَّب على التبرع بالخلايا الجذعية ضررٌ على المُتَبَرِّع، كلِّيٌّ أو جزئيٌّ، حالًا أو مآلًا، سواءٌ أكان ضررًا بدنيًّا أو نفسيًّا أو معنويًّا، وألَّا يخلَّ بقدرته على مزاولة حياته الطبيعية؛ إذ لا يجوز إلحاقُ الضرر بالنفس لنفع الغير.

4- أن يتحقَّق بالوسائل الطبية الموثوقة خلوُّ المُتَبَرِّع بالخلايا الجذعية من الأمراض المعدية أو المؤذية التي قد تُلحِق ضررًا بالمريض المنقول إليه؛ إذ لا يجوز شرعًا دفع الضرر بالضرر.

5- أن يكون المتبرِّع بالخلايا الجذعية إنسانًا كاملَ الأهلية بالغًا عاقلًا مختارًا، مدركًا لطبيعة التبرع وآثاره، مختارًا غير مُكرَهٍ.

6- أن يُراعى في إجراء التبرع بالخلايا الجذعية ما تقرِّره القوانينُ واللوائحُ الطبية والشرعية المنظمةُ لهذا الشأن، وأن يتمَّ تحت إشراف الجهات المختصَّة المخوَّلة قانونًا وطِبًّا؛ صونًا للأنفس من التلاعب أو الاستغلال، وتحقيقًا لمقاصد الشريعة في حفظ الحقوق والنفوس.

حكم بيع الخلايا الجذعية

ينبغي التنبيه إلى أنَّه لا يجوز بيع الخلايا الجذعية بأيِّ حالٍ من الأحوال؛ لأنَّ أعضاء الإنسان مكرَّمة مصونة عن الامتهان أو الاتجار، وفي بيعها امتهانٌ لكرامته واتخاذٌ لجسده وسيلةً للتَّكسُّب، وقد قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70]، وهذا التكريم يقتضي صيانة جسده عن أن يكون محلًّا للبيع والشراء أو موضعًا للمساومة.

قال الإمام ابن عابدين في "رد المحتار" (5/ 58، ط. دار الفكر): [الآدمي مكرَّمٌ شرعًا ولو كافرًا (قوله: ذكره المصنف) حيث قال: والآدميُّ مكرَّمٌ شرعًا وإن كان كافرًا، فإيراد العقد عليه وابتذاله به وإلحاقه بالجمادات إذلالٌ له. اهـ. أي: وهو غير جائز، وبعضه في حكمه وصرَّح في "فتح القدير" ببطلانه] اهـ.

الخلاصة

بناءً على ذلك وفي واقعة السؤال: فإنَّ تبرع البالغين بالخلايا الجذعية باختيارهم لعلاج المرضى المصابين بالأمراض المستعصية أمرٌ جائزٌ ومُثابٌ عليه شرعًا، ويُعَدُّ من إحياء النفس المطلوب شرعًا، وسبيلًا إلى تحقيق مقصد الشريعة في حفظها، وهو مَظهَرٌ من أجلِّ مَظاهِر قضاء حوائج الناس، وذلك متى ثبتت الحاجة الطبية المُلِحَّة إلى تلك الخلايا لإنقاذ حياة مريضٍ أو وقايته من الهلاك، وعلى أن يتيقن نفعها بتقرير الأطباء المختصين، وأن يكون المتبرِّع بها بالغًا عاقلًا مختارًا، وألَّا يترتب على تبرعه بها ضررٌ عليه حالًا ولا مآلًا، مع تحقق خلوه من الأمراض المعدية، وأن يتم ذلك وفق ما تقرره القوانين والضوابط الطبية المنظمة لذلك، كما أنه يَحرُم شرعًا بيع تلك الخلايا بأي حالٍ من الأحوال.

والله سبحانه وتعالى أعلم.

ما حكم تخزين أدوية المناعة المستخدمة في علاج كورونا؛ ففي ظل ما يعانيه معظم بلاد العالم من "فيروس كوفيد-19" وفي ضوء ما قامت به وزارة الصحة من وضع بروتوكولات علاج لهذا الفيروس؛ يقوم البعض بتخزين أدوية المناعة وغيرها من الفيتامينات المدرجة ضمن هذه البروتوكولات دون الحاجة إليها تَحسُّبًا لزيادة ثمنها فيما بعد؛ فما حكم هذا التخزين بهذه الكيفية؟


ما حكم تزوير شهادات طبية تفيد بإصابة الموظف بفيروس كورونا لأجل منحه أجازة مرضية؛ حيث إنه مع إقرار الحكومة المصرية خطة التعايش مع "فيروس كورونا"، والفتح الجزئي لبعض المجالات التي أغلقت نتيجة تفشي الفيروس؛ قد وجَّهت الحكومةُ الموظفين العاملين في الدولة لاتباع إجراءات السلامة الصحية في أماكن العمل؛ ومنها: منح الموظف الذي يثبت إيجابية الفيروس لديه إجازة لحين اكتمال شفائه؛ ويلجأ بعض الموظفين إلى تزوير ما يُثْبِت أنه حاملٌ للفيروس لاعتماد مثل تلك الإجازة من مكان عمله مع كونه غير مريضٍ به؛ فما حكم مَن يفعل ذلك؟


ما مدى صحة الصيام في حال إجراء التصوير بالنوكليدات المُشِعَّة؟ حيث يقوم الأطباء بذلك عن طريق واحد من ثلاثة أمور: حقنة، أو غاز يستنشقه، أو شيء يبتلعه؟


ما حكم وضع كريم لمنع تساقط الشعر أثناء الحج؟


ما حكم قيام الصيدلي بترخيص صيدلية لشخص غير صيدلي؟ علمًا بأنَّ قانون مزاولة مهنة الصيدلة يمنع ذلك.


سائل يسأل عن مدى اهتمام الإسلام بالنظافة والطهارة؟


مَواقِيتُ الصَّـــلاة

القاهرة · 13 يناير 2026 م
الفجر
5 :20
الشروق
6 :52
الظهر
12 : 4
العصر
2:56
المغرب
5 : 15
العشاء
6 :37