هل كل القرآن كلام الله؟ فقد زعم بعض الناس أن ليس كل ما بالقرآن كلام الله، قائلًا: "هناك كلام سرده القرآن قال به سيدنا موسى، وكلام لأم سيدنا موسى، وكلام لأخت سيدنا موسى، وكلام لإبليس، وكلام لفرعون، وكلام لامرأة العزيز، وكلام للنملة، وكلام للهدهد... وهكذا"، فهل يجوز وصف ذلك بأنه كلام الله؟ وماذا تقولون في الكلام السابق؟
إن كل ما بين دفتي المصحف الشريف، من أول سورة الفاتحة إلى نهاية سورة الناس من كلام رب العالمين، والقرآن الكريم جاء بلسان عربي مبين، وكون القرآن الكريم قد اشتمل على حكاية أقوال عن غير الله تعالى كالأنبياء والمرسلين والصالحين، وكذلك أهل العناد والباطل فإنَّ ذلك لا يخرجه عن كونه كلامًا لله تعالى، ولا ينزع عنه وصف القرآنية؛ لأن القرآنية متحققة فيه بالصياغة والترتيب والنظم على مقتضى بلاغة القرآن وأسلوبه المُعْجِز، ومن ثمَّ فالجملة المحكية عن سيدنا موسى الكليم عليه السلام وأمه وأخته وغيرهم من المخلوقات -كما في محل السؤال- في القرآن إنما هي باعتبار الحكاية، والعبارة التي وقعت بها تلك الحكاية كلام الله تعالى.
المحتويات
القرآن الكريم كلام الله تعالى القائم بذاته، المنقول بالتواتُر، المتعبَّد بتلاوته، لفظه ومعناه من الله، المكتوب في المصاحف، المنقول بالتواتُر، أظهره في اللوح المحفوظ ورتَّبه ونظَّمه، وأنزله على قلب رسوله سيدنا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم قرآنًا معجزًا لا يقدر أحدٌ على الإتيان بمثله.
وقد أجمع المسلمون قاطبةً على أنَّه المقروء في جميع الأقطار، المسموع بآذاننا، المحفوظ في صدور الحافظين له، وأنَّه كلام الله تعالى، وأنَّه لا يَأْتيه الباطلُ مِنْ بَيْن يَدَيْه، ولا مِنْ خَلْفه، تنزيلٌ من حَكِيمٍ حَمِيدٍ؛ كما قال الإمام تاج الدين السُّبْكِي في "رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب" (1/ 132، ط. عالم الكتب).
وقد توافرت على ذلك الأدلة من القرآن الكريم والسُّنَّة المشرفة، ومنها:
قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: 192-196]. وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [البَقَرَة: 75]. وقوله تعالى: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التَّوْبَة: 6].
وما رواه معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال له: «إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ» أخرجه الإمام مسلم.
وما جاء عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «أَلَا رَجُلٌ يَحْمِلُنِي إِلَى قَوْمِهِ؟ فَإِنَّ قُرَيْشًا قَدْ مَنَعُونِي أَنْ أُبَلِّغَ كَلَامَ رَبِّي» أخرجه الإمام أحمد والتِّرْمِذِي وأبو داود وابن ماجه والنَّسائي.
قد جاء القرآن الكريم كلُّه بألفاظ عربية، قال تعالى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: 195]، وكثيرٌ ممن حكى القرآنُ الأقوال عنهم لم تكن لغتهم العربية، ولا يلزم في الحكاية أن تكون بنفس الألفاظ واللغة التي تكلم بها المحكي عنه، فجاز أن تكون الحكاية عنهم باللغة العربية وإن لم ينطقوا بها؛ وحينئذ تكون الجملة المحكية عن سيدنا موسى عليه السلام وأمه وأخته وغيرهم من المخلوقات -كما في محل السؤال- في القرآن باعتبار الحكاية، والعبارة التي وقعت بها تلك الحكاية كلام الله تعالى. ينظر: "رسالة حُسْن البيان في إزالة بعض شُبَهٍ وردت على القرآن" للعلامة محمد بخيت المطيعي (ص: 205-206، ط. جريدة الإسلام).
قال العلامة الصالحي في "سبل الهدى والرشاد" (9/ 426، ط. دار الكتب العلمية): [جميع ما ورد في القرآن حكايةً عن غير أهل اللِّسان من القرون الخالية إنَّما هو معرب عن معانيهم وليس بحقيقة ألفاظهم، ولهذا لا يُشكُّ في أن قوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ [طه: 63] أنَّ هذه الفصاحة لم تجرِ على لغة العجم] اهـ.
كون القرآن الكريم قد اشتمل على حكاية أقوال عن غير الله تعالى كالأنبياء والمرسلين والصالحين، وكذلك أهل العناد والباطل، ذلك لا يخرجه عن كونه كلامًا لله تعالى، ولا ينزع عنه وصف القرآنية؛ لأن القرآنية متحققة فيه بالصياغة والترتيب والنظم على مقتضى بلاغة القرآن وأسلوبه المُعْجِز، فالحكاية هي "إيراد اللفظ على استيفاء صورته الأولى، وقيل: الإتيان بمثل الشيء" كما في "الكليات" (ص: 409، ط. مؤسسة الرسالة).
و"الإعجاز الثابت للأقوال المحكية في القرآن هو إعجاز للقرآن لا للأقوال المحكية" كما قال العلامة محمد الطاهر بن عاشور في "التحرير والتنوير" (1/ 121، ط. الدار التونسية للنشر)، وقد سبقه بالشرح لأسلوب القرآن المعجز في ذلك؛ حيث قال (1/ 120): [إن القرآن يتصرف في حكاية أقوال المحكي عنهم، فيصوغها على ما يقتضيه أسلوب إعجازه لا على الصيغة التي صدرت فيها، فهو إذا حكى أقوالًا غير عربية صاغ مدلولها في صيغة تبلغ حد الإعجاز بالعربية، وإذا حكى أقوالًا عربية تصرَّف فيها تصرفًا يناسب أسلوب المعبِّر مثل ما يحكيه عن العرب فإنه لا يلتزم حكاية ألفاظهم؛ بل يحكي حاصل كلامهم، وللعرب في حكاية الأقوال اتساع مداره على الإحاطة بالمعنى دون التزام الألفاظ] اهـ.
وجاء في "الفقه الأكبر" المنسوب للإمام أبي حنيفة النعمان (ص: 22، ط. مكتبة الفرقان): [وما ذكره الله تعالى في القرآن حكاية عن موسى وغيره من الأنبياء عليهم السلام وعن فرعون وإبليس فإن ذلك كله كلام الله تعالى إخبارًا عنهم] اهـ.
وقال القاضي عِيَاض في "الشفا" (2/ 532، ط. دار الفيحاء): [حكى اللَّه تعالى مقالات المفترين عليه وعلى رسله في كتابه على وجه الإنكار لقولهم، والتحذير من كفرهم، والوعيد عليه، والرد عليهم بما تلاه اللَّه علينا في محكم كتابه] اهـ، وبعبارته قال العلامة المَقْرِيزِي في "إمتاع الأسماع" (14/ 393، ط. دار الكتب العلمية).
وقال الإمام ابن بطَّال في "شرحه على صحيح البخاري" (10/ 540، ط. مكتبة الرشد) في معرض بيان مذاهب العلماء في مسألة قراءة القرآن في الصلاة بالفارسية: [يجوز أن يحكي الله قولهم بلسان العرب، ثم يتعبَّدنا نحن بتلاوته على ما أنزله] اهـ.
بناءً على ذلك وفي واقعة السؤال: فإن كل ما بين دفتي المصحف الشريف، من أول سورة الفاتحة إلى نهاية سورة الناس من كلام رب العالمين، وأن القرآن الكريم جاء بلسان عربي مبين، وكون القرآن الكريم قد اشتمل على حكاية أقوال عن غير الله تعالى كالأنبياء والمرسلين والصالحين، وكذلك أهل العناد والباطل فإنَّ ذلك لا يخرجه عن كونه كلامًا لله تعالى، ولا ينزع عنه وصف القرآنية؛ لأن القرآنية متحققة فيه بالصياغة والترتيب والنظم على مقتضى بلاغة القرآن وأسلوبه المُعْجِز، ومن ثمَّ فالجملة المحكية عن سيدنا موسى الكليم عليه السلام وأمه وأخته وغيرهم من المخلوقات -كما في محل السؤال- في القرآن إنما هي باعتبار الحكاية، والعبارة التي وقعت بها تلك الحكاية كلام الله تعالى.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
ما حكم الدعاء وقراءة الفاتحة بعد الفراغ من الطعام لكل من ساهم فيه؟ فعادةً ما يتم تقديم طعام الإفطار أو الغداء أو العَشاء للناس، ومِن ثم يتم الدعاء لمَن بَذَل وأَكَل وسَاهَم وتَصَدَّق، ويتم قراءة سورة الفاتحة، وأيضًا قراءة الفاتحة بعد تناول الطعام بشكلٍ عامٍّ في كلِّ الأوقات.
سائل يقول: سمعت أنه ورد في السنة النبوية صيغ لحمد الله تعالى لها ثواب وأجر عظيم؛ فنرجو منكم بيان بعضها، وما هي أفضل صيغة لحمد الله تعالى؟
هل يجوز كتابة بعض الآيات من القرآن الكريم بالطريقة الإملائية بدلًا من الرسم العثماني المعهود بالمصحف الشريف، على أن تكون هذه الكتابة خارج المصحف الشريف، كاللوح التي تعلق على الحائط مثلًا، أو تستخدم في التزيين. مثل: إطالة الألف الصغيرة من سورة الحجرات في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾؟
نرجو منكم توضيح الحكمة من مشروعية الطواف وبيان فضله.
يقول السائل: نسمع عن مفهوم (الوحدة الوطنية) وأهميتها في المجتمع؛ فنرجو منكم توضيح كيف نظر الشرع إلى هذا المفهوم؟ وهل يوجد في الشرع الشريف ما يدعو إلى ذلك؟
ما حكم من يقول: إذا كانت كل العقائد تؤمن بأن العالم مدين في وجوده إلى علة أولى أو مبدأ أول هو الله في الإسلام، فإن الخطاب الديني -لا العقيدة- هو الذي يقوم بإحلال الله في الواقع العيني المباشر، ويرد إليه كل ما يقع فيه، وفي هذا الإحلال يتم تلقائيًّا نفي الإنسان، كما يتم إلغاء القوانين الطبيعية والاجتماعية، ومصادرة أية معرفة لا سند لها من الخطاب الديني أو من سلطة العلماء؟ هل يؤدي مثل هذا القول إلى الرمي بالكفر؟