هل تجوز إنابة الغير في أداء طواف الإفاضة في الحج؟
ما دام المحرِم بالحج قادرًا على الطواف بنفسِه فهو باقٍ على إحرامه، وعليه أن يطوفَ للإفاضة بنفسه، فإن عجز عن ذلك ركِبَ أثناء الطواف ولا شيء عليه، فإن عجز عن ذلك تمامًا بحيث لا يستطيع أداء الطواف ماشيًا ولا راكبًا وكان عجزه دائمًا لا يُرجَى زواله، فتجوز إنابة الغير في أداء طواف الإفاضة عنه ولا حرج في ذلك ولا فدية عليه.
المحتويات
مِن المقرَّر شرعًا أنَّ الطواف بالْبَيتِ ركن من أركان الحجِّ التي لا يصح الحج بدونها، ولا يقوم غيرها مقامها، من فدية ونحوها، قال تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: 29].
وقد اتفق الفقهاء على ركنية الطواف في الحج، قال الإمام ابنُ العربي في "أحكام القرآن" (3/ 285، ط. دار الكتب العلمية): [هذا هو طوافُ الزيارة، وهو طوافُ الإفاضة، وهو ركنُ الحجِّ باتفاق] اهـ.
وقال العلامة ابنُ المنذر في "الإجماع" (ص: 58، ط. دار المسلم): [وأجمعوا أنَّ الطواف الواجِب هو طوافُ الإفاضة] اهـ.
الأصلُ في العبادات البدنيّة أنَّها لا تجري فيها النيابة؛ بل يقوم بها الإنسان بنفسه؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: 39]، قال الإمام السُّيوطي في "الإكليل في استنباط التنزيل" (ص: 251، ط. دار الكتب العلمية): [استُدل به على عدم دخولِ النيابة في العباداتِ عن الحيِّ والميِّت] اهـ.
ولذلك فإن الفقهاء أجمعوا على أنَّ مَن وجبت عليه حَجَّة الإِسلام وهو قادرٌ على أنْ يحج بنفسه، فلا يُجزئه أن يحج غيرُه عنه. يُنظَر: "الإشراف" للإمام ابن المنذر (3/ 389، ط. مكتبة مكة الثقافية)، و"المغني" للإمام ابن قُدامة (3/ 223، ط. مكتبة القاهرة).
ولا يُستثنى مِن هذا الأصل إلَّا ما استثناه الشَّرع، حالة العجز عن الأداء بالنفس، فتصح النيابةُ في الحج عند عجز الإنسان عن القيام به بنفسه؛ لكونِه عبادة مُركبة من القدرتَيْن البدنية والماليَّة.
ويدلُّ على ذلك: ما جاء عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، أنَّه قال: كان الفضلُ بن عباس رديفَ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فجاءتْه امرأةٌ من خَثْعمَ تستفتِيه، قالت: يا رسول الله، إنَّ فريضةَ الله على عبادِهِ في الحجِّ أدرَكَت أبي شيخًا كبيرًا لا يستطيع أن يثبُت على الرَّاحلة، أفأحجُّ عنه؟ قال: «نَعَم»، وذلك في حجة الوداع. متفق عليه.
قال الإمام أبو بكر ابنُ العربي في "عارضة الأحوذي" (4/ 158، ط. دار الكتب العلميَّة) معلقًا عليه: [هذا أصلٌ متفق عليه، خارِج عن القاعدةِ المعهُودة في الشَّريعةِ في أنَّه: ﴿لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾؛ رفقًا مِن الله] اهـ.
بخصوص الاستنابة في أداء طواف الإفاضة بخصوصه، فلا تجوز شرعًا ما دام الشخصُ قادِرًا على الطوافِ ماشيًا، أو راكبًا أو محمولًا إن عجز عن المشي؛ إذ لا يقوم فعلُ النائب مقامَ فعل الأصيل إلا عند تمام العجْز عنه.
قال الإمام ابنُ المنذر في "الإجماع" (ص: 56): [وأجمعوا على أنَّ المريض يُطاف به، ويجزئ عنه، وانفَرَدَ عطاء، فقال: يستأجر مَن يطوف عنه] اهـ.
والأصلُ في ذلك: ما ورد عن أمِّ سلمة رضي الله عنها، أنَّها قالت: شكوتُ إلى رسولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم أني أشتكي فقال: «طُوفِي مِن وراءِ النَّاسِ وأنتِ راكِبةٌ»، قالت: فطُفت «ورسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم حينئذ يُصلي إلى جنبِ البيت» متفق عليه.
قال القاضي عِيَاض في "إكمال المُعلِم بفوائد مسلم" (4/ 348، ط. دار الوفاء): [فيه حجةٌ لجوازِ طواف المحمولِ مِن عُذر، ولا خلافَ في جوازه ووجُوبه عليه] اهـ.
وقد تتابعت نصوصُ فقهاء المذاهب الأربعة على أنَّ الاستقلال بالطواف واجِبٌ للقادِر عليه، فإن عجز عن الطواف بنفسه ركب وأجزأه طوافه ولا يجب عليه شيءٌ.
قال العلامة الحَصْكَفِي الحنفي في "الدر المختار" مع "حاشية ابن عابدين" (2/ 553، ط. دار الفكر): [(أوْ) ترك (طوافَ الصَّدْرِ أو أربعَةً منْه)، ولا يتحقَّق الترْكُ إلَّا بالخروجِ من مكَّة، (أوْ) ترك (السَّعْي) أو أكثره أو ركب فيه بلا عُذر] اهـ.
قال العلَّامة ابنُ عابدين مُحشيًا عليه: [(قوله: بلا عذر): قيدٌ للترك والركوب. قال في "الفتح" عن "البدائع": وهذا حكم ترك الواجب في هذا الباب. اهـ، أي أنَّه إن تركه بلا عذر لزمه دم، وإن بعذر فلا شيء عليه مطلقًا] اهـ.
وقال الإمام الدردير المالكي في "الشرح الكبير" مع "حاشية الدسوقي" (2/ 40، ط. دار الفكر): [(وإلَّا) بأن ركِب، أو حُمِل (فدمٌ) واجب (لقادِر) على المشي (لم يُعِده)؛ فإن أعادهُ ماشيًا بعد رجوعه له مِن بلد فلا دم عليه... وأمَّا العاجِز فلا دم عليه] اهـ.
قال العلامة الدسوقي مُحشيًا عليه: (قوله: وأما العاجِزُ فلا دم عليْه) قال بن: ولا يُشترط في العاجز عدمُ القدرةِ بالكليَّة، بل المرض الذي يشُقّ معه المشي] اهـ. وقوله: (بن) اختصار للعلامة محمد البناني.
وقال العلامة الخطيب الشربيني الشافعي في "مغني المحتاج" (2/ 253، ط. دار الكتب العلمية): [ولا يشترط في المحرم أن يطوف بنفسه، (و) لهذا: (لو حمل الحلال مُحرِمًا)؛ لمرضٍ أو صغرٍ أوْ لَا، لم يطف المحرم عن نفسه؛ لإحرامه ولم يصرفه عن نفسه. (وطاف به) ولم يَنْوِهِ لنفسه أو لهما (حُسِب) الطواف (للمحمول) عن الطواف الذي تضمنه إحرامه] اهـ.
وقال العلامة البُهُوتي الحنبلي في "شرح منتهى الإرادات" (1/ 573، ط. عالم الكتب): [(ومَن طافَ راكبًا أو محمولًا لم يُجزِه) طوافه كذلك، (إلَّا) إن كان ركوبه أو حمله (لعُذر)؛ لحديث: «الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ»؛ ولأنَّه عبادة تتعلق بالبيت فلم يجز فعلها راكبًا أو محمولًا لغير عذر؛ كالصلاة، وإنما طاف النبي صلى الله عليه وآله وسلم راكبًا لعذر] اهـ.
ويرى بعض الفقهاء جواز الركوب في الطواف للصحيح القادر على المشي، وهذا خلاف الأَوْلى؛ قال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري الشافعي في "شرح منهج الطلاب" ومعه "حاشية الجَمَل" (2/ 443، ط. دار الفكر): [(ولو حمل شخصٌ حلالٌ أو مُحرِم) طاف عن نفسه أو لم يطف (مُحرِمًا)، بقيد زدته بقولي: (لم يطف عن نفسه) (ودخل وقت طوافه وطاف به) بقيد زدته في الأوليين بقولي: (ولم يَنْوِه لنفسه أو لهما)؛ بأن نواه للمحمول أو أطلق، (وقع) الطواف (للمحمول)] اهـ.
قال العلامة الجمل محشيًا عليه: (قوله أيضا: ولو حمل شخص مُحرِمًا... إلخ)، أي: سواء كان المحمول به عذر من صغر أو مرض أو لا... وتحقيقه: أن الحامل جعل نفسه آلة لمحموله فانصرف فعله عن الطواف والواقع لمحموله طوافه، لا طواف الحامل، كما في راكب الدابة] اهـ.
وقال القاضي أبو يعلى في "التعليقة الكبيرة" (2/ 172، ط. دار النوادر): [لو طاف به غيره، وهو صحيح أجزأه، ولو أحرم عنه غيره، وهو صحيح، لم يجزئه؛ لأن المأخوذ عليه في الطواف حصوله حول البيت إذا طيف به، فقد حصل حوله، فصار كأنه طاف بنفسه] اهـ.
وأمَّا العاجز عن أداء الطواف ماشيًا أو راكبًا أو محمولًا، وكان عجزه دائمًا لا يُرجى زواله، سواء أكان بمكة أو بعد عودته إلى بلده، جازت له الاستنابة في الطواف؛ إذ هي غاية ما يقدر عليه في هذه الحال، فإن كان عجزه طارئًا يُرجى زواله فلا إنابة حينئذ، بل ينتظر حتى يزول عجزه فيؤدي الطواف بنفسه.
جاء في "فتاوى الإمام شهابِ الدين الرملي" (2/ 93، ط. المكتبة الإسلامية) ما نصه: [(سُئِل) عن حاجٍّ ترك طواف الإفاضة وجاء إلى مصر مثلًا، ثم صار معضوبًا بشرطه، فهل يجوز له أن يستنيبَ في هذا الطواف أو في غيره مِن ركن أو واجبٍ؟ (فأجاب): بأنَّه يجوز له ذلك، بل يجِب عليه؛ لأنَّ الإنابة إذا أجزأَت في جميع النُّسُك ففي بعضه أولَى] اهـ.
بِناءً على ما سبق وفي السؤال: فما دام المحرِم بالحج قادرًا على الطواف بنفسِه فهو باقٍ على إحرامه، وعليه أن يطوفَ للإفاضة بنفسه، فإن عجز عن ذلك ركِبَ أثناء الطواف ولا شيء عليه، فإن عجز عن ذلك تمامًا بحيث لا يستطيع أداء الطواف ماشيًا ولا راكبًا وكان عجزه دائمًا لا يُرجَى زواله، فتجوز إنابة الغير في أداء طواف الإفاضة عنه ولا حرج في ذلك ولا فدية عليه.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
أديتُ شعيرة العمرة، وبعدما رجعتُ للفندق وقبل أن أحلق شعري وضعتُ الطِّيبَ، ثم تذكرتُ بأنني لم أتَحلَّل بحلق شَعْري، فماذا يجب عليَّ فِعْله؟
نرجو منكم بيان الحكمة من تحديد السعي بين الصفا والمروة بسبعة أشواط. ولماذا لا يكون أكثر من ذلك أو أقل؟ خاصة لمن يحب السعي ويريد أن يُكثر، ومن كان مريضًا ويودُّ أن يقلل من عدد الأشواط. وهل صحة العمرة أو الحج تتعلق فيهما بالعدد المذكور؟
نرجو منكم بيان حكم الإحرام في الحج والحكمة منه.
ما رأي الشرع في الحج بالنيابة عن شخص متوفى أو مريض عاجز عن تأدية هذا الركن؟ وما الشروط الواجب توافرها لذلك؟ وإذا كان الشرع يجيزه، فهل يجوز ذلك من مقيم بالمملكة السعودية، أو يجب أن يبدأ ذلك من مصر محلّ إقامة مَن وجب عليه الحج؟
ما حكم الحج عن المتوفاة إذا كان مال تركتها لا يكفي؟ حيث سألت سيدةٌ وقالت:
أولًا: كانت والدتي رحمها الله تعتزم الحج، إلا أن الأجل وافاها قبل أن تتمكن من تأدية هذه الفريضة، فهل من الممكن -والحالة هذه- أن أقوم أنا بدلًا منها بإتمام الحج على أن يحتسب للمرحومة؟ علمًا بأن ظروفي العملية تمنعني أنا شخصيًّا من تأدية هذه الفريضة لنفسي.
ثانيًا: إن ما ورثته عن المرحومة أمي لا يكفي كل مصاريف الحج وعليه، فهل يجوز لي أن أكمل هذه المصاريف مما ادخرته لمستقبل ابنتي الطفلة ولمستقبلي كأرملة؟
ما حكم ترك المبيت بمنى للمريض ومن لديه عذر؟ فقد نصحني الأطباء بعدم البقاء في خيام منى أثناء أدائي لفريضة الحج لهذا العام؛ لما في ذلك من مشقة قد تفضي إلى تدهور حالتي الصحية، فما حكم تركي المبيت بمنى؟ وهل تلزمني الفدية؟ أفتونا مأجورين.