حكم من أعسر بعد تعيين الأضحية فتصرف فيها بالبيع

تاريخ الفتوى: 09 أبريل 2026 م
رقم الفتوى: 9001
من فتاوى: فضيلة أ. د/ نظير محمد عياد - مفتي الجمهورية
التصنيف: الأضحية
حكم من أعسر بعد تعيين الأضحية فتصرف فيها بالبيع

رجل كانت عنده بهيمة، واقترب العيد، ونذر لله تعالى إن شفا الله ابنه من مرضه أن يضحي بهذه البهيمة، ثم أُعسر ولم يجد حلًّا إلا بيع هذه البهيمة، فهل يجوز له بيعها؟

من المقرر شرعًا أن الأضحية شعيرة من شعائر الإسلام، وهي مِن أقربِ القُرباتِ وأرجى الطَّاعات في يوم النَّحر وأيام التشريق، وقد شُرِعت الأضحية إحياءً لسُّنَة الخليل إبراهيم عليه السلام، قال تعالى: ﴿وَٱلۡبُدۡنَ جَعَلۡنَٰهَا لَكُم مِّن شَعَٰٓئِرِ ٱللَّهِ﴾ [الحج: 36]. وقد ورد عن السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَا عَمِلَ آدَمِيٌّ مِنْ عَمَلٍ يَوْمَ النَّحْرِ أَحَبَّ إِلَى اللهِ مِنْ إِهْرَاقِ الدَّمِ، إِنَّهُ لَيَأْتِي يَوْمَ القِيَامَةِ بِقُرُونِهَا وَأَشْعَارِهَا وَأَظْلَافِهَا، وَإِنَّ الدَّمَ لَيَقَعُ مِنَ اللهِ بِمَكَانٍ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ مِنَ الْأَرْضِ، فَطِيبُوا بِهَا نَفْسًا» أخرجه الترمذي وابن ماجه.

وعن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه قال: «ضَحَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ، ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ، وَسَمَّى وَكَبَّرَ، وَوَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا» متفقٌ عليه.

والذي عليه الفتوى أن الأضحية سُنة مؤكدة في حق الموسِر القادر عليها، على ما ذهب إليه جمهور الفقهاء: الإمام أبو يوسف من الحنفية، والمالكيةُ والشافعيةُ والحنابلةُ.

قال العلامة بدر الدين العيني الحنفي في "البناية" (12/ 4، ط. دار الكتب العلمية): [وعن أبي يوسف: أن الأضحية سنة] اهـ.

وقال العلامة الدَّرْدِير المالكي في "الشرح الكبير" (2/ 118، ط. دار الفكر): [غير الحاج تسن له الضحية مطلقا كان بمنى أو لا] اهـ.

وقال العلامة الخطيب الشربيني الشافعي في "مغني المحتاج" (6/ 123، ط. دار الكتب العلمية): [الأضحية اسم لما يضحى به (سنة) مؤكدة في حقنا] اهـ.

وقال العلامة البُهُوتِي الحنبلي في "الروض المربِع" (ص: 292، ط. دار المؤيد): [والأضحية سنة مؤكدة على المسلم] اهـ.

وإن كان المختار في الأضحية أنها سنَّةٌ مؤكدةٌ، فلا تَجِبُ في ذِمَّةِ صاحبها إلا بالنَّذرِ فمَن أوجب على نفسه الأضحية بالنذر وجب عليه ذبحُها والوفاءُ بنذره.

قال العلامة ابن نجيم الحنفي في "البحر الرائق" (8/ 199، ط. دار الكتاب الإسلامي): [ولا يخفى أن الأضحية تصير واجبة بالنذر] اهـ.

وقال العلامة الخرشي المالكي في "شرح مختصر خليل" (3/ 45، ط. دار الفكر): [الأضحية إنما تجب بأحد شيئين إما بالنذر كما عند القاضي إسماعيل بأن يقول: نذرت لله هذه الأضحية، أو لله عليَّ أن أضحي بهذه الشاة مثلا، وإما بالذبح كما عند ابن رشد] اهـ.

وقال الشيخ الخطيب الشربيني الشافعي في "الإقناع" (2/ 588، ط. دار الفكر) في كلامه عن الأضحية: [ولا تجب إلا بالنذر] اهـ.

وقال العلامة ابن مفلح الحنبلي في "المبدع" (3/ 270، ط. دار الكتب العلمية): [والأضحية سنة مؤكدة ولا تجب إلا بالنذر] اهـ.

ولَمَّا كان النذرُ إيجابًا مِن المكلَّفِ على نفسه ما لم يوجِبهُ الشرعُ عليه، فإنَّ الشرع الشريف قد ألزم الناذرَ بما التزَمَه من نذر الطاعة، وأوجب عليه الوفاءَ به عند القدرة عليه، وشدَّد على ذلك، قال الله تعالى: ﴿وَمَآ أَنفَقۡتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوۡ نَذَرۡتُم مِّن نَّذۡرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُهُ﴾ [البقرة: 270].

قال الإمام الرَّازِي في "مفاتيح الغيب" (7/ 60، ط. دار إحياء التراث العربي): [قوله: ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُهُ﴾ -على اختصاره- يفيد الوعدَ العظيم للمُطِيعِين، والوعيدَ الشديد للمتمرِّدِين] اهـ.

وعن السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلَا يَعْصِهِ» أخرجه البخاري.

قال الإمام ابن بَطَّال في "شرح صحيح البخاري" (6/ 156- 157، ط. مكتبة الرشد) عند شرح هذا الحديث: [النذر في الطاعة واجب الوفاء به عند جماعة الفقهاء لمن قدر عليه، وإن كانت تلك الطاعة قبل النذر غير لازمةٍ له فنذرُه لها قد أوجبها عليه؛ لأنه ألزمها نفسَه لله تعالى، فكلُّ مَن ألزم نفسه شيئًا لله فقد تعيَّن عليه فرضُ الأداءِ فيه] اهـ.

وقال الإمام ابن القَطَّان في "الإقناع في مسائل الإجماع" (1/ 375، ط. دار الفاروق): [ولا خلاف أن النذر بالطاعة يلزم الوفاء به] اهـ.

وقد نصَّ فقهاء المذاهب على وجوب الوفاء بالنذر المعلق عند حصول الشيء المعلق عليه النذر، وإن لم يحصل الشيء المعلق عليه -كما في مسألتنا- لا يجوز له التصرف في الشيء المنذور أيضًا؛ لأنه بالنذر تعين للأضحية، وارتفعت عنه يد صاحبه وأصبح مِلكًا للمساكين.

قال العلامة ابن مازة البخاري الحنفي في "المحيط البرهاني" (2/ 319- 320، ط. دار الكتب العلمية): [فإن كان النذر معلقًا بالشرط إن كان شرطًا يريد وجود لجلب منفعة، أو لدفع مضرة بأن قال: إن شفى الله مريضي، أو رد لي غائبي، أو مات عدوي، فعليّ صوم سنة، فوجد الشرط لزمه الوفاء بما سمى] اهـ.

وقال العلامة الدردير المالكي في "الشرح الكبير" في بيان ما يلزم بالنذر المعلق والصيغ التي يقع بها، وأنه لا يشترط فيه التصريح بكلمة النذر ومثل لذلك بقوله (2/ 162): [إن شفى الله مريضي لأتصدقن بدرهم أو لأزورن وليًّا لله تعالى فيلزمه إن وجد المعلق عليه] اهـ.

قال العلامة الدسوقي مُحَشِّيًا عليه: [إن صليت ركعتين قبل الظهر أو إن صليت ركعتين بعد العصر أو إن مشيت إلى محل كذا فعلي صدقة بدينار مثلًا فإنه يلزمه إذا وجد المعلق عليه] اهـ.

وقال الإمام النووي الشافعي في "المجموع"(8/ 364، ط. دار الفكر): [إذا نذر هدي هذا الحيوان فإنه يزول ملكه بنفس النذر وصار الحيوان للمساكين، فلا يجوز للناذر التصرف فيه ببيع ولا هبة ولا وصية ولا رهن ولا غيرها من التصرفات التي تزيل الملك أو تؤل إلى زواله كالوصية والهبة والرهن] اهـ.

وقال أيضًا: [قال أصحابنا: ولو نذر أضحية معينة فحكمها حكم الهدي فيما ذكرناه] اهـ.

وقال العلامة البهوتي الحنبلي في "كشاف القناع" (6/ 277، ط. عالم الكتب): [(كقوله: إن شفى الله مريضي أو سلم مالي أو طلعت الشمس فلله علي كذا أو فعلت كذا نحو تصدقت بكذا، ونص عليه) أحمد (في إن قدم فلان تصدقت بكذا فهذا نذر) صحيح (وإن لم يصرح بذكر النذر؛ لأن دلالة الحال تدل على إرادة النذر فمتى وجد شرطه) إذا كان النذر معلقًا (انعقد نذره ولزمه فعله)] اهـ.

ومن المقرر شرعًا أن النذر المعلق لا يجب الوفاء به إلا عند حصول المعلق عليه، إلا أنه ومتى كان المنذور عينًا معينة، فإنه يمتنع على الناذر التصرف فيها بالبيع أو غيره من التصرفات الناقلة للملكية؛ وذلك ضمانًا للوفاء بالنذر عند استحقاقه، فإن أقدم الناذر على بيع العين المنذورة قبل تحقق الشرط، فإن هذا البيع يظل معلقًا على ما سيؤول إليه الأمر، فإن وجد المعلق عليه بطل البيع وإلا فلا يبطل، مما يجعل الامتناع عن الإقدام على البيع هو المتعين حينئذٍ، وهو ما عبر عنه العلامة الشرواني في «حاشيته» على «تحفة المحتاج» (10/ 87، ط. المكتبة التجارية الكبرى) بقوله: [البيع موقوف وقف تبين، فإن وجدت الصفة تبين عدم صحة البيع، وإلا كأن مات المريض تبين صحته] اهـ. ومقتضى ذلك: أنه إن تحقق المعلق عليه بطل البيع شرعًا لوجوب صرف العين في النذر، وإن لم يتحقق المعلق عليه صح البيع، فالواجب حينئذٍ هو الكف عن البيع حتى يتبين مآل النذر.

أما إذا تعسر الناذر ولم يقدر على الوفاء بنذره، بعد أن بذل وسعه ولم يجد حلًّا إلا ببيع الأضحية التي كان نذرها، فيجوز له التصرف فيها، ويجب عليه حينئذٍ كفارة يمين؛ لما روي عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: نذرَت أختي أن تمشي إلى بيت الله حافية، فأمرتني أن أستفتي لها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستفتيته، فقال: «لتَمْشِ، وَلْتَرْكَبْ» متفق عليه. ولأبي داود: «وَلْتُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهَا». وللتِّرمذي: «وَلْتَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ».

وقال ابن عباس رضي الله عنهما: "مَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَمْ يُسَمِّهِ، فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا فِي مَعْصِيَةِ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-، فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَمْ يُطِقْهُ، فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا فَأَطَاقَهُ، فَلْيَفِ بِهِ". أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى".

قال العلامة ابن قدامة الحنبلي في "المغني" (10/ 11، ط. مكتبة القاهرة): [من نذر طاعة لا يطيقها، أو كان قادرًا عليها فعجز عنها، فعليه كفارة يمين] اهـ.

وكفارة اليمين التي أشار إليها الفقهاء على أنها بديل عن النذر، تحصل بواحدة من ثلاثِ خصالٍ على سبيل التخيير: إطعامُ عشرةِ مساكين، أو كسوتُهم، أو عِتقُ رقبةٍ مؤمنة -غير حاصل في زماننا-، فإن عجز المُكفِّرُ عن جميع ذلك، صام ثلاثة أيام، قال تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغۡوِ فِيٓ أَيۡمَٰنِكُمۡ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلۡأَيۡمَٰنَۖ فَكَفَّٰرَتُهُۥٓ إِطۡعَامُ عَشَرَةِ مَسَٰكِينَ مِنۡ أَوۡسَطِ مَا تُطۡعِمُونَ أَهۡلِيكُمۡ أَوۡ كِسۡوَتُهُمۡ أَوۡ تَحۡرِيرُ رَقَبَةٖۖ فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ فَصِيَامُ ثَلَٰثَةِ أَيَّامٖۚ ذَٰلِكَ كَفَّٰرَةُ أَيۡمَٰنِكُمۡ إِذَا حَلَفۡتُمۡۚ﴾ [المائدة: 89].

قال الإمام ابن المنذر في "الإشراف على مذاهب العلماء" (7/ 128، ط. مكتبة مكة الثقافية): [أجمع أهل العلم على أنَّ الحانث في يمينه بالخيار: إن شاء أَطعَم، وإن شاء كَسَا، وإن شاء أَعتَق، أيَّ ذلك فَعَل يجزئه] اهـ.

ومن ثمَّ فإن الأصل أنَّ المضحي بعد نذر الأضحية وتعيينها لا يجوز له أن يعدل عن ذلك، ولا أن يتصرف فيها بالبيع أو الهبة أو غيره، حيث إنه خرج من فسحة الندب إلى لزوم فعل الواجب، إلَّا إذا تعسَّر واحتاج إلى بيع الأضحية التي كان نذرها فحينئذٍ يجوز له بيعها وعليه كفارة يمين.

وبناءً على ذلك وفي واقعة السؤال: فإن الأضحية شعيرة من شعائر الإسلام، وهي سنة مؤكدة على مذهب جمهور الفقهاء، وتصير الأضحية واجبةً بالنذر ويجب على الناذر الوفاءُ بها؛ ومِن ثَمَّ فمن نذر أن يضحي وعيَّن الأضحية وعلق النذر على شفاء مريضٍ، فإن كان قادرًا على الوفاء بما نذره وجب عليه الوفاء به عند حصول المعلق عليه، ولا يجوز له أن يعدل عن ذلك ولا أن يتصرف في الأضحية بالبيع أو غير ذلك، أمَّا إذا تعسر واحتاج قبل شفاء المريض إلى بيع الأضحية التي كان قد نذرها فحينئذٍ يجوز له بيعها وعليه كفارة يمين، وهي إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم، فإن لم يستطع شيئًا من ذلك فعليه صيام ثلاثة أيام.

والله سبحانه وتعالى أعلم

رجل كانت عنده بهيمة، واقترب العيد، ونذر لله تعالى إن شفا الله ابنه من مرضه أن يضحي بهذه البهيمة، ثم أُعسر ولم يجد حلًّا إلا بيع هذه البهيمة، فهل يجوز له بيعها؟


مَواقِيتُ الصَّـــلاة

القاهرة · 03 يونيو 2026 م
الفجر
4 :10
الشروق
5 :54
الظهر
12 : 53
العصر
4:29
المغرب
7 : 53
العشاء
9 :25