ما حكم بيع المنتجات المشكوك في تزييف علامتها التجارية؟ فأنا أعمل بائعًا بالتجزئة، وقد طَرَحَ عدد من تجار الجملة والموزعين في الأسواق المحلية كميات من سلعة غذائية واستهلاكية، وقد ساورني الشك في تقليدها، وتزييف علامتها التجارية، فما حكم بيع هذه المنتجات مع وجود الشك فيها؟
بيع وتداول السلع التي تم تزوير علامتها التجارية متى عُلم تزويرها أو قامت على تزويرها قرائن معتبرة توجب غلبة الظن بتزويرها -حرامٌ شرعًا، ومجرم قانونًا، ويُعدُّ البائع في هذه الحالة شريكًا في الغش والاعتداء على الحقوق المالية المملوكة للغير.
أما إذا كانت المنتجات من مصدر موثوق ومعروف، وكان ظاهرها الصدق، فالشك العارض والذي لا يستند إلى أمارةٍ أو دليلٍ لا يمنعُ من حلِّ البيع الثابت يقينًا.
وينبغي على البائع تحري الدقة والتأكد من سلامة البضائع ومصدرها، سواء كان ذلك بسؤال أهل الخبرة من التجار، أو بسؤال الشركة المصنعة نفسها للتثبت.
المحتويات
العلامة التجارية هي: كل ما يدرَك بالبصر، ويميز منتجًا، سلعة كان أو خدمة عن غيره، كالاسم، والرسوم، ومجموعة الألوان التي تتخذ شكلًا خاصًّا ومميزًا، وكذلك أي خليط من العناصر يُستخدم في تمييز المنتجات أو للدلالة على مصدرها، أو طريقة تحضيرها، كما في المادة (63) من قانون حماية حقوق الملكية الفكرية المصري رقم 82 لسنة 2002م.
وهي من أهم حقوق الملكية التجارية الثابتة لأصحابها شرعًا وقانونًا؛ لأنها مما يُقطَع بمنفعتها، وتميل الطباع إليها بالتملك والانتفاع، ويمكن حفظها وتوثيقها لوقت الحاجة، ويباح نفعها إذا لم يكن متعلقًا بأمر محرم أو سلعة محرمة، ولها قيمة بين الناس يباع بها، وتُتَّخَذُ محلاًّ للتعامل والمعاوضة بين الناس، ويتعلق بها حقوق الضمان، ويثبت فيها حق المطالبة القضائية في العُرف القانوني، ولذا يثبت للعلامات التجارية صفة المالية شرعًا؛ لأن هذه هي حقيقة المال.
قال العلامة ابن عابدين الحنفي في حاشيته "رد المحتار" (4/ 501، ط. دار الفكر): [المراد بالمال ما يميل إليه الطبع ويمكن ادخاره لوقت الحاجة، والمالية تثبت بتمول الناس كافة أو بعضهم، والتقوُّم يثبت بها وبإباحة الانتفاع به شرعًا] اهـ.
وقال الإمام شهاب الدين النَّفَرَاوِي المالكي في "الفواكه الدواني" (2/ 281، ط. دار الفكر): [وحقيقة المال: كلُّ ما مُلِكَ شرعًا ولو قَلَّ] اهـ.
وقال الإمام السيوطيّ الشافعي في "الأشباه والنظائر" (ص: 327، ط. دار الكتب العلمية): [قال الشافعي رضي الله عنه: لا يقع اسم (مال) إلا على ما له قيمة يباع بها، وتَلزَم مُتلِفَه، وإن قَلَّت، وما لا يَطَّرِحُه النّاسُ مثل الفَلس وما أشبه ذلك] اهـ.
وقال الإمام البهوتي الحنبلي في "شرح منتهي الإرادات" (2/ 7، ط. عالم الكتب): [(وهو) أي المال شرعًا (ما يباح نفعه مطلقًا) أي في كل الأحوال] اهـ.
وهذا يجعل لمثل هذه الحقوق حكم المالية في تملك أصحابها لها واختصاصهم بها اختصاصًا يحجز غيرهم عن الانتفاع بها بدون إذنهم، وتحريم التعدي عليهم بانتحالها، إذ التقليد هنا اعتداء على المجهود المبذول والسمعة التجارية التي بناها صاحب العلامة بجهد المال والزمان بالادعاء كذبًا تملكها، فعن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وَإِنَّ الكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الفُجُورِ، وَإِنَّ الفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا» متفق عليه.
متى وضعت هذه العلامة على منتجات ليست لأصحابها كان ذلك اعتداء على حق مالي محرز، ودخول في مال الغير بغير حق، وانتهاك حقوقه، وتلبيس على المستهلك، وهو من باب أكل أموال الناس بالباطل، والله تعالى يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 29]، ويقول سبحانه: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 188].
قال الإمام القرطبي في "تفسيره" (2/ 338، دار الكتب المصرية) عند هذه الآية: [الخطاب بهذه الآية يتضمن جميع أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، والمعنى: لا يأكل بعضكم مال بعض بغير حق. فيدخل في هذا: القمارُ، والخداعُ، والغُصُوبُ، وجحدُ الحقوق، وما لا تطيب به نفس مالكه، أو حَرَّمَته الشريعةُ وإن طابت به نفسُ مالكه، كمَهر البَغِيِّ وحُلوان الكاهن وأثمان الخمور والخنازير وغير ذلك] اهـ.
ويضاف ما قد يكون في ذلك من الغش للمشترين بإيهامهم أن البضاعة أصلية وهي مقلدة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» رواه الإمام مسلم.
قال العلامة المناوي في "فيض القدير" (6/ 186، ط. المكتبة التجارية الكبرى): [«مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» أي: ليس على منهاجنا؛ لأن وصف المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم وطريقته الزهد في الدنيا والرغبة فيها وعدم الشره والطمع الباعثين على الغش] اهـ.
كما يُعدّ بيع السلعة المقلدة على أنها أصلية من باب الكذب المحرم، وهو الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو عليه، وقد أمر الله تعالى باجتناب الزور، فقال تعالى: ﴿وَٱجۡتَنِبُواْ قَوۡلَ ٱلزُّورِ﴾ [الحج: 30].
قال الإمام الجصاص في "أحكام القرآن" (3/ 314، ط. دار الكتب العلمية): [قال الله عز وجل: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ والزور: الكذب، وذلك عام في سائر وجوه الكذب] اهـ.
وعن أبي بكرة رضي الله عنه، قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟» ثلاثًا «الْإِشْرَاكُ بِاللهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ -أَوْ قَوْلُ الزُّورِ-»، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم متكئًا، فجلس فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت، رواه البخاري ومسلم واللفظ له.
أما حكم بيع هذه المنتجات من غير المقلد لها -فيختلف بحسب علم البائع وظنه، وذلك على حالتين:
الحالة الأولى: اليقين أو غلبة الظن بالقرائن بتزييف العلامة التجارية، كالانخفاض في سعر المنتج بما لا يتناسب مع سعر العلامة التجارية الأصلي وبما لا يُقبل في عرف التجار، وكذا التغير في الغلاف القاطع بالتقليد، فالحكم والحال هذه هو حرمة البيع؛ لأن في ذلك تعاونًا على ترويج العلامة المزيفة المقرر حرمة تداولها بغير إذن أصحابها.
وقد قال المولى عز وجل: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2].
قال الإمام أبو بكر الجصاص الحنفي في "أحكام القرآن" (2/ 381): [وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ نهي عن معاونة غيرنا على معاصي الله تعالى] اهـ.
وقال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" للآية (3/ 10، ط. دار الكتب العلمية): [يأمر تعالى عباده المؤمنين بالمعاونة على فعل الخيرات وهو البر، وترك المنكرات وهو التقوى وينهاهم عن التناصر على الباطل والتعاون على المآثم والمحارم، قال ابن جرير: الإثم: ترك ما أمر الله بفعله، والعدوان: مجاوزة ما حد الله لكم في دينكم ومجاوزة ما فرض الله عليكم في أنفسكم وفي غيركم] اهـ.
فبيع المنتجات المُزيف علامتها التجارية حرام شرعًا، سواء كان التقليد متقنًا أو رديئًا، وسواء كان المنتج المقلد ضارًّا أو غير ضار؛ لأن الذنب هنا متمثل في الكذب والاستلاب.
كما رتب المشرع المصري عقوبة على المتاجرة وبيع هذه المنتجات المزيف علامتها التجارية، فقد نص قانون حماية حقوق الملكية الفكرية السالف ذكره في المادة المشار إليها سابقًا على شمولية العقوبة المقررة لـ: [كل من باع أو عرض للبيع أو التداول أو حاز بقصد البيع أو التداول منتجات عليها علامة تجارية مزورة أو مقلدة أو موضوعة بغير حق مع علمه بذلك] اهـ.
الحالة الثانية: مجرد الشك بتزييف العلامة التجارية، بدون قرائن معتبرة، واستواء الاحتمالات، وينبغي على التاجر -والحال هذه- أن يفحص بضاعته، ويتأكد من مصدرها بالرجوع إلى العارفين من التجار أو بسؤال الشركة المنتجة رأسًا، خاصة مع توفر الوسائل التقنية الحديثة، التي تمكنه من ذلك، مثل: الباركود والفواتير الرسمية، وإهمال التاجر البحث مع قدرته على التثبت والتحقق لا يليق بأمانة التاجر، وقد يؤدي إلى المساءلة الشرعية عن ترويج السلع المزيفة.
أما إذا كان التاجر قد تعامل مع مصدر موثوق ومعروف، وكانت البضاعة ظاهرها الصدق، وسعرها قريب من السوق، ولا توجد قرائن مادية تدل على الغش، لكن وجد الشك مجردًا بكونها مزيفة دون أن يعضده دليل قاطع، فهنا يجوز بيعه؛ لأن أصل بيعها حلال بقول الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275].
قال الإمام القرطبي في "تفسيره" (3/ 356): [قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ هذا من عموم القرآن، والألف واللام للجنس لا للعهد، إذ لم يتقدم بيعٌ مذكورٌ يرجع إليه] اهـ.
وهذا الحِلُّ ينسحبُ على كلِّ أنواع البيوع إلَّا ما نَصَّ الشرع على حرمته واستثناه من حكم الأصل، وذلك كالبيوع المشتملة على الرِّبَا أو نحوه من المحرمات.
جاء في "الأم" للإمام الشافعي (3/ 3، ط. دار المعرفة): [فأصل البيوع كلها مباح إذا كانت برضَا المتبايعين الجائزي الأمر فيما تبايعَا، إلا ما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منها، وما كان في معنى ما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم محرم بإذنه داخلٌ في المعنى المنهي عنه، وما فارق ذلك أبحناه بما وصفنا من إباحة البيع في كتاب الله تعالى] اهـ.
وقال العلامة علي حيدر في "درر الحكام" (1/ 101، ط. دار الجيل): [أجمع الأئمة على مشروعية البيع، وأنه أحد أسباب التملك، وقيل: إن أفضل الكسب التجارة] اهـ.
بناءً على ما سبق وفي واقعة السؤال: فبيع وتداول السلع المزيفة علامتها التجارية متى عُلم تزويرها أو قامت على تزويرها قرائن معتبرة توجب غلبة الظن بتزويرها حرامٌ شرعًا، ومجرم قانونًا، ويُعدُّ البائع في هذه الحالة شريكًا في الغش والاعتداء على الحقوق المالية المحرزة للغير.
أما إذا كانت المنتجات من مصدر موثوق ومعروف، وكان ظاهرها الصدق، فالشك العارض والذي لا يستند إلى أمارةٍ أو دليلٍ لا يمنعُ من حلِّ البيع الثابت يقينًا.
وينبغي على البائع تحري الدقة والتأكد من سلامة البضائع ومصدرها، سواء كان ذلك بسؤال أهل الخبرة من التجار، أو بسؤال الشركة المصنعة نفسها للتثبت.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
هل رجل الأعمال حر في إنفاق أمواله بالصورة التي يراها، وكيفما شاء دون مراعاة لمشاعر الفقراء والمعوزين؟ وتطلب السائلة بيان الحكم الشرعي في ذلك.
هل يستحق العامل الربح في المضاربة الفاسدة؟ فهناك رجلٌ أعطى لآخر مبلغًا من المال ليستثمره على أن يكون له مِن المال مقابل ذلك 100 جنيه لكل ألفٍ من رأس المال، فقام هذا العامل بشراء بضاعة بهذا المال وسعى إلى بيعها لكن لم يحصل رِبح، والسؤال: ما حكم هذه المعاملة شرعًا؟ وما الذي يستحقه العامل على المال مقابل جُهْده وعمله مع عدم حصول الرِّبْح؟
ما حكم تأجيل العمل وقت الدوام ليكون عملًا إضافيًّا بعد انتهاء وقته؟ فأنا أعمل في شركة ما وأجد بعض الزملاء يؤجلون بعض الأعمال إلى وقت الساعات الإضافية بدون سبب من أجل الحصول على مقابل مالي لذلك، فما رأي الشرع في هذا التصرف؟
ما حكم تقاسم اشتراك خدمة الإنترنت بين الجيران؟ فقد قمت بإدخال خدمة الإنترنت بمنزلي، وبعدها طلب مني بعض الجيران مدَّ سلك نت من جهازي إليهم، أو منحهم كلمة السر الخاصة بالواي فاي ليستخدموها في منزلهم بشكل دائم ومستقر، مقابل مبلغ مالي شهري يتم الاتفاق عليه، فما حكم ذلك في الشرع؟
حكم بيع قائمة بأرقام الهواتف بمبالغ معينة لبعض الشركات أو الأفراد للمساعدة في التواصل مع أصحاب هذه الأرقام؟ فهناك بعض الأفراد الذين يعملون في بعض الجهات التي تقدم خدمات لجمهور المتعاملين معها، ويقوم هؤلاء الأفراد بجمع أرقام هواتف العملاء وبياناتهم وعمل قائمة بها دون علم أصحابها، ثم يبيعونها لشركاتٍ أخرى تقدم خدماتٍ للجمهور، مقابل مبلغ مالي. فما حكم الشرع في ذلك؟
سائل يقول: المعروف أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن على دين قومه قبل بعثته، ولم يسجد لصنم أبدًا وأن الله تعالى قد عصمه من أفعال أهل الجاهلية؛ فنرجو منكم بيان ذلك وتوضيحه؟