ما حكم تطهير السجاد بالبخار والتنظيف الجاف؟ فقد أراد القائمون على أحد المساجد غسيل سَجَّاد المسجد، فتقدمت إحدى شركات التنظيف الحديثة المتخصصة في تنظيف الأوساخ والنجاسات بالبخار (وهو ما يعرف بخدمة "التنظيف الجاف" التي لا تعتمد على الماء السائل)، فهل يحصل بذلك تطهير السَّجاد إذا أصابته نجاسةٌ؟
الأصل في التَّطهير أن يكون بالماءِ السائل الطَّهور، ويجوز شرعًا تطهير النجاسات بكلِّ ما يَعمَل عمَله في التنظيف، ويشمل البخار أو ما يعرف بـ"التنظيف الجاف"، ومِن ثمَّ يجوز للقائمين على المسجد تنظيف السَّجاد المتنجِّس بطريقة التنظيف الجاف الحديثة مِن غير استعمال الماء الجاري ما دام يتحقَّق بها إزالة النَّجاسة الحالَّة فيها عينًا وأثرًا، وبهذا يحصُل التَّطهير المطلوب شرعًا.
المحتويات:
شأن الطهارة في الإسلام عظيم، والاهتمامُ بها وبدوامها بالِغٌ، وهي بابٌ من أبواب حب الله عَزَّ وَجَلَّ لعبادِه، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: 222].
وعن أبي مالكٍ الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ» أخرجه الإمام مسلم.
الأصل في الطهارة والتطهير استعمالُ الماء، قال الله جلَّ وَعَلَا: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: 11].
قال الإمام الغزالي في "الوسيط" (1/ 107- 109، ط. دار السلام): [والطَّهُورِيَّة مختصَّةٌ بالماء مِن بين سائر المائعات، أمَّا في طهارة الحدث فبالإجماع، وأمَّا في طهارة الخبث فعند الشَّافعي خلافًا لأبي حنيفَة رضي الله عنهما] اهـ.
وقال العلامة ابن القطان في "الإقناع" (1/ 80، ط. دار الفاروق الحديثة): [أجمعوا على أنَّ الماء مطهِّرٌ للنجاسات] اهـ.
كما نقل اتفاق الفقهاء على عدم جواز التطهير بالماء المتغير بشيءٍ مِن النجاسات، فقال في "الإقناع" (1/ 75): [ولا تنازُع بين أهل العلم في أن النَّجاسة إذا أثَّرت في الماء أن استعماله محظور في الطهارة وغيرها] اهـ.
والماءُ عنصر يقبل التَّغيُّر بحسب العوامل والمؤثرات التي يتعرَّض لها، فإنَّه يتحول بالتَّسخِين والحرارة مِن هيئتهِ السَّائلةِ إلى الهيئة الغازيَّة وهو البُخار، فالبُخار مِن جِنسِ الماء، ويعرف لغةً بأنَّه: كلُّ شيءٍ يتصاعد مِن الماء الحارِّ أو مِن النَّدى، ومنه البُخُور.
قال العلامة الخليل بن أحمد الفراهيدي في "العين" (4/ 259، ط. دار الهلال): [كلُّ شيءٍ يسطَع مِن ماءٍ حار فهو بُخار، وكذلك مِن النَّدَى] اهـ.
ولا يبعد تناول الفقهاء له عن ذلك المعنى اللغوي.
قال العلامة الزُّرقَانِي في "شرح مختصر خليل" (1/ 22، ط. دار الكتب العلمية): [البُخَار: الصَّاعد بالنار، أي: في الماء] اهـ.
ومع أنَّ البخار المتصاعد مِن الماء من جنس الماء إلا أنَّ تغيُّر الماء مِن هيئته السائلة إلى الهيئة البخاريَّة يخرجه عن طبعه وصفته الشرعيَّة فلا يُطلَقُ على البُخَار اسم الماء شرعًا؛ إذ مِن صفات الماء: أن يكون رقيقًا، سيَّالًا باتِّفاق الفقهاء، وزاد بعضهم الإرواء للإنسان والدواب، والإنبات للمزروعات.
قال العلامة الشُّرُنبُلَالِي الحنفي في "مراقي الفلاح" (ص: 15، ط. المكتبة العصرية): [(لا) يجوز الوضوء (بماء زال طبعه) وهو: الرِّقة، والسَّيلان، والإرواء، والإنبات] اهـ.
وقال العلامة الصاوي المالكي في حاشيته على "الشرح الصغير" (1/ 30، ط. دار المعارف): [الماء: جوهرٌ سيَّالٌ لا لون له يتلوَّن بلونِ إنائه] اهـ.
وقال العلامة الشهاب الرملي الشافعي في حاشيته على "أسنى المطالب" (1/ 5، ط. دار الكتاب الإسلامي): [الماء: جوهرٌ سيَّال مرطِّب مسكِّن للعطش] اهـ.
فإن ترشَّح البخار وتكثَّف وعاد إلى الهيئة السائلة السيَّالة صار ماءً صالحًا للطهارة والتطهير -على تفصيل بين الفقهاء-؛ لتحقُّق الهيئة المعروفة للماء وطبعه وظهورها فيه بعد ترشيحِه وتكثُّفه.
قال الإمام النووي في "المجموع" (1/ 98، ط. دار الفكر): [لو أغلي ماءً مطلقًا فتولَّد منه الرَّشح قال صاحب "البحر": قال بعض أصحابنا بخراسان: لفظ الشافعي يقتضي أنه لا تجوز الطهارة به؛ لأنَّه عَرَقٌ. قال الروياني: وهذا غير صحيحٍ عندي؛ لأن رشح الماء ماءٌ حقيقةً وينقص مِنه بقدره فهو ماءٌ مطلق فيتطهَّر به. قلت: الأصحُّ جواز الطهارة به، والله أعلم] اهـ.
التَّطهيرُ بالبخارِ على هيئته الغازيَّة مِن غير تكثيفٍ أو استعمالِ الماءِ السائل -كما هي مسألتنا- مختلفٌ فيه بين الفقهاء على قولين:
الأول: قول جمهور الفقهاء مِن الإمامين محمَّد بن الحسن وزُفَر مِن الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة بعدم جواز تطهير النَّجاسة بغير الماء، فلا بدَّ في تطهيرها مِن استعماله؛ لأنَّ الماء هو المتعيِّن للتَّطهير عندهم.
قال العلامة المَرغِينَانِي الحنفي في "الهداية" (1/ 36، ط. دار إحياء التراث العربي) في كلامه على تطهير النجاسات: [قال محمَّد وزفر والشَّافعي رحمهم الله: لا يجوز إلا بالماء؛ لأنه يتنجَّس بأوَّل الملاقاةِ، والنَّجِسُ لا يفيد الطهارة، إلا أنَّ هذا القياس تُرك في الماءِ للضرورة] اهـ.
وقال العلامة ابن عسكر المالكي في "إرْشَاد السَّالِك" (1/ 3، ط. الحلبي): [لا يَرفع الحدثَ والخبثَ إلا الماءُ المطلق، وهو: ما كان على خلقته، أو تغير بما لا ينفكُّ غالبًا كقراره، والمتولِّد منه] اهـ.
وقال الإمام النووي الشافعي في "المجموع" (1/ 92): [رفع الحدث وإزالة النجس لا يصحُّ إلا بالماء المطلق، فهو مذهبنا لا خلاف فيه عندنا] اهـ.
وقال العلامة المرداوي الحنبلي في "الإنصاف" (2/ 275، ط. دار إحياء التراث العربي) في أول باب إزالة النَّجاسةِ: [لَا تجوز إزالتها بغير الماءِ] اهـ.
والآخر: قول أبي حنيفة وأبي يوسف من الحنفيَّة، وبعض فقهاء المالكيَّة، ورواية للإمام أحمد اختارها الشيخ ابن تيميَّة بأنَّه يجوز تطهير النجاسات وإزالتها بكلِّ قالِعٍ، ولا تتعين الإزالة في الماء؛ حيث إنَّ النَّجاسة حاصلةٌ بالمجاورة، فنجاسةُ المحلِّ حكمٌ ثبت لوجود معنى التَّنجُّس فيه، فإذا زالت أجزاء النجاسة زال المعنى والحكم، وبقي الحكم بالأصل وهو الطهارة، وهو قول ابن أبي ليلى، وأبي بكر الأصم.
قال العلامة المَرغِينَانِي الحنفي في "الهداية" (1/ 36) في بيان تطهير النجاسة: [يجوز تطهيرها بالماءِ وبكلِّ مائعٍ طاهرٍ يمكن إزالتها به كالخلِّ، وماء الورد، ونحوه مما إذا عُصِرَ انعصر، وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله] اهـ.
وقال العلامة بدر الدين العيني الحنفي في "البناية" (1/ 705، ط. دار الكتب العلمية) شارحًا: [(فإذا انتهت أجزاء النجاسة) بانتهاء أجزائها المتناهية؛ لتركبها مِن جواهر لا تتجزأ (يبقى) أي: المحل (طاهرًا) لزوال النجاسة بالعصر، لأنه إذا عُصِرَ يخرج مِنه ويصحبه ما يلاقيه مِن أجزاء النَّجاسِة، هكذا في المرة الثَّانية والثالثة إلى أن يزول محلُّ الأجزاء، فيبقى المحلُّ طاهرًا؛ لانتقال النجس إلى الماء جزءًا فجزءًا؛ لأنَّ الشيءَ الواحد مُحالٌ أن يكون في محلين في حالة واحدة، والحكم إذا ثبت لمعنًى يزول بزوال ذلك المعنى، ولهذا لو قلع محل النجاسة بقي الثوبُ طاهرًا] اهـ.
وقال العلامة الحطاب المالكي في "مواهب الجليل" (1/ 162، ط. دار الفكر) في الكلام على إزالة النجاسة: [ذكر ابن بشيرٍ وتابِعوه قولًا أنها تُزال بكلِّ قلَّاعٍ كالخلِّ] اهـ.
وقال الإمام النووي في "المجموع" (1/ 93) حكايةً لمذهب القائلين بجواز التطهير بغير الماء: [حَكى أصحابُنا عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وأبي بكرٍ الأصم: أنَّه يجوز رفعُ الحدثِ وإزالة النَّجَس بكلِّ مائِعٍ طاهرٍ] اهـ.
وقال العلامة المرداوي الحنبلي في "الإنصاف" (1/ 309) في ذكر ما روي عن الإمام أحمد فيما تُزَال به النجاسة: [وعنه: ما يدل على أنها تُزال بكلِّ مائعٍ طاهرٍ مُزيل، كالخلِّ ونحوه، اختاره ابن عقيل، والشيخ تقي الدين، وصاحب "الفائق"، ذكره في آخر الباب. وقيل: تُزال بغير الماء؛ للحاجة، اختاره المجد. قال حفيده: وهو أشبه بنصوصِ أحمد] اهـ.
وقال الشيخ ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (21/ 475، ط. مجمع الملك فهد) بعد أن ساق الأقوال الثلاثة للإمام أحمد في إزالة النجاسة بغير الماء: [إذا كان كذلك فالرَّاجح في هذه المسألة أنَّ النَّجاسة مَتى زالت بأيِّ وجهٍ كان زال حُكمُها؛ فإنَّ الحكم إذا ثبت بعلَّةٍ زال بزَوالِها، لكن لا يجوز استعمال الأطعمة والأشربة في إزالة النَّجاسِة لغير حاجةٍ] اهـ.
والحاصل: أن تطهير النجاسة بالبخار مما يعرف بالتنظيف الجافِّ يُعدُّ مِن جملة الوسائل المعاصرة المزيلة للنجاسة والتي يمكن تخريجها على ما أجاز بعض الفقهاء تطهير النجاسة به مِن غير الماء كالمائعات من الخلِّ، وماء الورد، أو التطهير بغير المائع مما يمكن به إزالة عين النجاسة كالفرك والتجفيف ونحوه؛ رفعًا للمشقةِ الموجودة في بعض الأحوال عند استعمال الماءِ المباشر في التَّطهير، وهو ما تقرَّر في القواعد الفقهية.
قال الإمام السيوطي في "الأشباه والنظائر" (ص: 76، ط. دار الكتب العلمية): [المشقة تجلب التيسير] اهـ.
وقال نقلًا عن الإمام الشافعيِّ (ص: 83): [إذا ضاق الأمر اتسع] اهـ.
بناءً على ذلك وفي واقعة السؤال: فالأصل في التَّطهير أن يكون بالماءِ السائل الطَّهور، ويجوز شرعًا تطهير النجاسات بكلِّ ما يَعمَل عمَله في التنظيف، ويشمل البخار أو ما يعرف بـ"التنظيف الجاف"، ومِن ثمَّ يجوز للقائمين على المسجد تنظيف السَّجاد المتنجِّس بطريقة التنظيف الجاف الحديثة مِن غير استعمال الماء الجاري ما دام يتحقَّق بها إزالة النَّجاسة الحالَّة فيها عينًا وأثرًا، وبهذا يحصُل التَّطهير المطلوب شرعًا.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
ما حكم صيام من انقطع حيضها قبل الفجر واغتسلت بعد الفجر؟ فإن زوجتي كانت حائضًا، وانقطع عنها دم الحيض أثناء الليل، ونَوَت الصيام من الليل، ولم تغتسل إلا بعد الفجر؛ فهل صيامها صحيح شرعًا؟
هل يأخذ المصحف المكتوب بطريقة برايل نفس أحكام القرآن الكريم من حيث احترامه وتنزيهه ومس المحدث له ونحو ذلك؟
يقول السائل: والدي مريض وكبير في السن ولا يستطيع الوضوء، فكيف يقوم بالتيمم بطريقة صحيحة من أجل الصلاة؟
ما حكم المسح على الجورب الأعلى الملبوس بعد نقض الوضوء؟ فقد توضأَت امرأةٌ ولبِسَت الجورب، ثم انتُقِض وضوؤها، وبسبب شعورها بالبَردِ ارتدت عليه جوربًا آخَر قبل أن تتوضأ، فهل يَصِحُّ مسحُها على الجورب الثاني في هذه الحالة لأداء الصلاة؟
سائل يقول: نرجو منكم بيان أقل ما تدرك به المرأة الصلاة حال انقطاع دم الحيض عنها؛ فإن زوجتي طَهُرَت من الحيض بانقطاعه عنها لستة أيام، وكان ذلك قبل خروج وقت صلاة الظهر بقليل فاغتسلت وأدركت ركعة من الصلاة، فأذن العصر أثناء قيامها للركعة الثانية.
فنرجو منكم الإفادة عن ذلك.
هل من الضروري ألا يشوب ماء الاغتسال الذي يغتسل به الإنسان للتطهر من الجنابة أي شوب؟ وهل من الضروري الوضوء قبل الاغتسال أم يغتسل دون أن يتوضأ؟