ما حكم تأخير الصائم غُسل الجنابة إلى ما بعد المغرب؛ خشية دخول الماء إلى حلقه؟
صيام مَن أخَّر الغُسل من الجنابة إلى ما بعد المغرب صحيحٌ؛ سواء كانت هذه الجنابة بسبب الجماع قبل الفجر أو الاحتلام أثناء النهار أو قبله، مع العلم أن هذا التأخير خلاف الأَوْلى؛ لأنه يُستحب له التعجيل بالغُسل عمومًا، ويتعيَّن إذا خيف تأخير الصلاة عن وقتها بسبب التأخر في الغُسل؛ لما يترتب على ذلك من حصول الإثم خصوصًا، مع العلم أن الْـمُتطهِّر من الجنابة لو وصل إلى حلقه شيء من الماء بلا قصدٍ؛ فإن صومه صحيحٌ ولا شيء عليه، وهو أمين على نفسه في ذلك.
الصوم هو الإمساكُ عن الْـمُفطرات في الوقت المخصوص له، ولا يتحقَّق هذا الإمساك بدخول شيءٍ ذِي جِرْمٍ من المنافذ المفتوحة إلى الجوف، وإلَّا كان ركن الصيام منعدمًا؛ ولا سيَّما أنَّ أداء العبادة بدون ركنها لا يُتصوَّر؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: 187]، ولِمَا رواه الإمام البخاري في "صحيحه" موقوفًا عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «الصَّوْمُ مِمَّا دَخَلَ وَلَيْسَ مِمَّا خَرَجَ»، ووصله ابن أبي شَيْبَة في "مصنفه" عن وكيع عن الأعمش عن أبي ظَبْيَان عن ابن عباس رضي الله عنهما في الحجامة للصائم قال: «الْفِطْرُ مِمَّا دَخَلَ وَلَيْسَ مِمَّا خَرَجَ، وَالْوُضُوءُ مِمَّا خَرَجَ وَلَيْسَ مِمَّا دَخَلَ»، كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر العَسْقَلاني في "فتح الباري" (4/ 175، ط. دار المعرفة)، و"تغليق التعليق" (3/ 178، ط. المكتب الإسلامي).
وحقيقة الصيام بالإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس أمر متفق عليه بين الفقهاء؛ يُنظر: "بدائع الصنائع" للإمام الكاساني الحنفي (2/ 90، ط. دار الكتب)، و"الشرح الصغير" للإمام الدردير المالكي (1/ 698-699، ط. دار المعارف)، و"تحفة المحتاج" لابن حجر الهَيْتَمِي الشافعي (3/ 413، ط. المكتبة التجارية الكبرى)، و"المغني" لابن قُدَامة الحنبلي (3/ 105، ط. مكتبة القاهرة).
والفقهاء متفقون على أنَّ الاغتسال من الجنابة واجبٌ، وأنَّه لا يجوز للْجُنب أن يؤدي الصلاة أو أن يمس المصحف، أو أن يدخل المسجد إلا بعد أن يغتسل؛ لقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: 6]، وقد نقل الإجماع على وجوب الغُسل من الجنابة غير واحد من العلماء، منهم العلَّامة ابن القَطَّان في "الإقناع" (1/ 97، ط. الفاروق الحديثة).
ومع كون الغُسل من الجنابة واجبًا إلا أنَّ تَرْكَه أو تأخيره مدةً لا يُؤثر على صحة الصيام؛ فقد اتفق الفقهاء على أنَّ الطهارة من الجنابة ليست شرطًا من شروط صحة الصيام التي لا يصح الصيام إلا بها، وأنَّ من أصبح جُنُبًا فإن صومه صحيح. ينظر: "الحاوي الكبير" للماوَرْدِي (3/ 414، ط. دار الكتب العلمية)، و"الإقناع" لابن القَطَّان (1/ 237).
أما عن تأخير غُسل الجنابة لما بعد المغرب؛ فمع كون التأخير من دون عذرٍ قد يلحق بسببه صاحب الجنابة إثمُ ترك الصلاة أو ضياع وقتها، إلا أنه لا يؤثر على صحة الصوم كما قررنا.
قال الإمام النووي في "شرح صحيح مسلم" (3/ 219، ط. دار إحياء التراث العربي): [غُسل الجنابة ليس على الفور وإنما يتضيق على الإنسان عند القيام إلى الصلاة، وهذا بإجماع المسلمين] اهـ.
فيظهر من ذلك أنه لا يجب غُسل الجنابة على الفور، وقد استثنى الفقهاء من ذلك ما إذا كان الاغتسال من الجنابة بغرض إدراك وقت الصلاة، فإنه يكون واجبًا حينئذٍ.
قال العلامة الشَّبْرَامَلِّسِي الشافعي في "حاشيته على نهاية المحتاج" (1/ 210، ط. دار الفكر): [قوله: (ولا يجب فورًا أصالة) خرج به ما لو ضاق وقت الصلاة عقب الجنابة أو انقطاع الحيض، فيجب فيه الفور؛ لا لذاته، بل لإيقاع الصلاة في وقتها] اهـ.
لكنَّ الأَوْلى بالجُنب المسارعة إلى تعجيل الغُسل من الجنابة وعدم تأخيره؛ لما يُخشى من أثر تأخيره على النفس من كثرة الوساوس ونحوها؛ وحتى يقوم الصائم بالتقرب إلى الله خلال زمن الصيام بكل القُرَب وهو على أكمل حالٍ؛ من ذكر، وقراءة قرآن، ونحوها.
قال العلَّامة مَيَّارة المالكي في "الدُّر الثمين" (ص: 166، ط. دار الحديث): [وتأخير غُسل الجنابة يثير الوسواس، ويُمكِّن الخوف من النفس، ويُقلل البركة من الحركات] اهـ.
وقال العلَّامة منصور البُهُوتي الحنبلي في "كشاف القناع" (2/ 372، ط. دار الكتب العلمية): [(فلو أخَّره) أي: الغُسل (واغتسل بعده) أي: بعد طلوع الفجر الثاني (صح صومه) لما تقدم من حديث عائشة وأم سلمة... (وكذا إن أخَّره) أي: الغُسل (يومًا) فأكثر (لكن يأثم بترك الصلاة) أي: تأخيرها عن وقتها] اهـ، ولذا فإنه ينبغي على الإنسان أن يسارع بالتطهر من الجنابة، حتى ولو وصل إلى حلقه شيء من الماء من دون قصدٍ -كما هو مبرر صاحب السؤال في عدم الغسل- لأن ذلك لا يؤثر على صومه، كما نص عليه بعض الفقهاء، وهو أمين على نفسه في ذلك.
قال الإمام ابن قُدَامة في "المغني" (3/ 123، ط. مكتبة القاهرة): [وإن تمضمض، أو استنشق في الطهارة، فسبق الماء إلى حلقه من غير قصد ولا إسراف، فلا شيء عليه] اهـ.
وبناءً عليه: فإن صيام مَن أخَّر الغُسل من الجنابة إلى ما بعد المغرب صحيحٌ؛ سواء كانت هذه الجنابة بسبب الجماع قبل الفجر أو الاحتلام أثناء النهار أو قبله، مع العلم أن هذا التأخير خلاف الأَوْلى؛ لأنه يُستحب له التعجيل بالغُسل عمومًا، ويتعيَّن إذا خيف تأخير الصلاة عن وقتها بسبب التأخر في الغُسل؛ لما يترتب على ذلك من حصول الإثم خصوصًا، مع العلم أن الْـمُتطهِّر من الجنابة لو وصل إلى حلقه شيء من الماء بلا قصدٍ؛ فإن صومه صحيحٌ ولا شيء عليه، وهو أمين على نفسه في ذلك.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
ما حكم حمل المرأة المصحف في حقيبة اليد أثناء مدة الحيض دون أن تمسَّه أو تُمسِكَه بيدها؟
يقول السائل: احتلمت في نهار رمضان، فهل عليَّ القضاء؟
ما حكم إخراج زكاة الفطر عن الابن الكبير الموسر؟ فقد اعتدتُ إخراج زكاة الفطر عن نفسي وزوجتي وجميع أبنائي، ولي ابنٌ كبيرٌ يعمل وله مالٌ ولله الحمد؛ فهل يجوز لي شرعًا إخراج زكاة الفطر عنه مع كونه قادرًا على إخراجها عن نفسه ويجزئ ذلك عنه؟تجب زكاة الفطر على المسلم إذا أمكنه أداؤها عن نفسه، فإن تَطَوَّع الأب فأداها عن ابنه الكبير جاز ذلك شرعًا على جهة التبرع والإحسان، لا على جهة الوجوب والإلزام، وسواء أَأَعْلَمَهُ بذلك أو لا؛ لوجود الإذن منه عادةً، وإن كان إعلامه هو الأَوْلَى؛ خروجًا مِن خلاف مَن أوجبه.
ما حكم من تصوم الإثنين والخميس على نية إن كان بقي عليها من القضاء شيء فهو قضاء وإلا فهو نفل؟ حيث تقول السائلة: عليَّ أيام أفطرتها في رمضان ولعدة سنوات ماضية، ولم أكن أحسب هذه الأيام، وبعد انتهاء رمضان الماضي وأنا أصوم يومي الإثنين والخميس على نية إن كان عليَّ قضاء فتلك الأيام تكون صيام قضاء، وإن لم يبق عليَّ شيء يكون صيام نافلة، فهل يجزئ ذلك عن القضاء؟ وإن لم يكن كذلك، فهل أصوم من جديدٍ؟
ما حكم التلفيق بين مذهبين في بعض مسائل الطهارة؟ حيث جاء في حاشية العلامة السفطي المالكي على الشرح المسمى بـ"الجواهر الزكية على ألفاظ العشماوية" للشيخ أحمد بن تركي المالكي في باب فرائض الوضوء ما نصه: "واعلم أنهم ذكروا للتقليد شروطًا.." إلى أن قال: "الثالث: أنه لا يلفق في العبادة، أما إن لفق كأن ترك المالكي الدلك مقلدًا لمذهب الشافعي، ولا يبسمل مقلدًا لمذهب مالك، فلا يجوز؛ لأن الصلاة حينئذٍ يمنعها الشافعي؛ لفقد البسملة، ويمنعها مالك؛ لفقد الدلك"، ثم قال بعد ذلك: "وما ذكروه من اشتراط عدم التلفيق رده سيدي محمد الصغير وقال: المعتمد أنه لا يشترط ذلك، وحينئذ فيجوز مسح بعض الرأس على مذهب الشافعي، وفعل الصلاة على مذهب المالكية، وكذا الصورة المتقدمة ونحوها وهو سعة ودين الله يسر". فهل لو اغتسل غسلًا واجبًا أو توضأ وضوءًا واجبًا من ماءٍ قليلٍ مستعمل في رفع حدث مقلدًا لمذهب مالك وترك الدلك مقلدًا لمذهب الشافعي يكون غسله أو وضوؤه صحيحًا مثل الصورتين المتقدمتين؟ وهل يجوز التلفيق في قضية واحدة بين مذهبين في غسل واجب أو وضوء واجب؟
ما حكم التسامح بالتنازل عن قضية منظورة أمام القضاء مراعاة لحرمة شهر رمضان؟ فنحن مقبلون على أيام كريمة في شهر رمضان، وعندي قضية مرفوعة أمام إحدى المحاكم على بعض الأفراد بخصوص أرضٍ بيني وبينهم، وقال لي بعض المقربين بأنه لن يُتقبل لي صيام، ولن يُغفر لي إلا بعد التنازل عن هذه القضية، فهل هذا صحيح؟ وهل يجب عليَّ التنازل عن القضية وعن حقوقي أو على أقل تقدير ما أظنه حقي من باب التسامح؟ وما التسامح الذي يحصل به القبول والمغفرة؟