متى يؤدي المصلي سجود التلاوة إذا مَرَّ بآيةٍ تشتمل على الأمر بالسجود أثناء الصلاة، هل يكون فَوْرَ قراءة الآية أم يصح تأخيره؟ وما صفة أداء سجود التلاوة داخل الصلاة؟
سُجودَ التلاوة سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ داخل الصلاة وخارجها، ومن مَرَّ بآية سجدة أثناء التلاوة في الصلاة فإنَّه يسجد لها فَوْرَ تلاوة موضعها من القرآن، ويُكبِّرُ تكبيرتين، تكبيرةً للخَفْضِ إلى السجود، وتكبيرةً للرَّفْعِ منه، سواءٌ كان القارئ إمامًا أو منفردًا، دون رَفْعٍ لليدين عند النزول للسجود، ويستوي التكبير سِرًّا أو جَهْرًا، لَكِنَّ الأَوْلَى لمن كان إمامًا أن يجهر بالتكبير لتنبيه من وراءه من المأمومين.
المحتويات
رغَّبت الشريعة الإسلامية الغرَّاء في أداء سجودِ التلاوةِ، وعَدَّتُه من أجَلِّ وأعظم ما يَتَقرَّبُ به العبد إلى ربه عَزَّ وجَلّ، إذ فيه رَفْعُ الدرجات، وتحقيق هيئة الخشوع والتعظيم التامّ لأمره سبحانه، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا۩﴾ [الإسراء: 107-109].
قال الإمام البيضاوي في "أنوار التنزيل وأسرار التأويل" (3/ 269، ط. دار إحياء التراث العربي): [﴿إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ القرآن، ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ يسقطون على وجوههم تعظيمًا لأمر الله أو شكرًا لإِنجاز وعده في تلك الكتب ببعثة محمد صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم على فَتْرَةٍ مِّنَ الرسل وإنزال القرآن عليه] اهـ.
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، فَيَقْرَأُ سُورَةً فِيهَا سَجْدَةٌ، فَيَسْجُدُ وَنَسْجُدُ مَعَهُ، حَتَّى مَا يَجِدُ بَعْضُنَا مَوْضِعًا لِمَكَانِ جَبْهَتِهِ» متفق عليه.
قال الإمام النووي في "المنهاج شرح صحيح مسلم" (5/ 74، ط. دار إحياء التراث العربي): [فيه إثباتُ سجود التلاوة، وقد أجمع العلماءُ عليه] اهـ.
سجود التلاوة محل خلافٍ بين الفقهاء؛ فقد ذهب الحنفية إلى أنَّ سُجودَ التلاوةِ واجبٌ، بينما ذهب جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة إلى سُنِّيَّتِه وعدم وجوبه؛ لِأَنَّهُ ورد أنَّ النَّبي صَلَّى الله عليه وآله وسَلَّم تَرَكَهُ في بعض الأحيان، وما كان كذلك فليس واجبًا. يُنْظَرُ: "الاختيار لتعليل المختار" للإمام ابن مودود الموصلي الحنفي (1/ 75، ط. الحلبي)، و"الشرح الكبير" للشيخ الدردير المالكي (1/ 308، ط. دار الفكر)، و"روضة الطالبين" للإمام النووي الشافعي (1/ 319، ط. المكتب الإسلامي)، و"كشاف القناع" للإمام البُهُوتِي الحَنْبلِي (1/ 445، ط. عالم الكتب).
وقت أداء سجود التلاوة محل خلافٍ بين الفقهاء، فقد ذهب الحنفية إلى أنَّ سُجودَ التلاوة يكون فَوْرَ تلاوة آية السجدة من آيات القرآن، بحيث لا يُؤَخَّرُ عن وقت التلاوة؛ لِأَنَّ فِعْلَه من جنس الصلاة، وسببه القراءة وقد تحقَّقَ، ومقتضى الفورية ألا يطول الوقت بين تلاوة الآية وأداء السجود، وقُدَِّرَت الإطالة بقراءة أكثر من آيتين أو ثلاث؛ لِأَنَّ بالتأخير رُبَّما يُنْسَى فيلحق الإثم بالتفويت.
قال العلَّامة الكاساني الحنفي في "بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع" (1/ 180، ط. دار الكتب العلمية): [وأمَّا بيان كيفية وجوبها... فأمَّا خارج الصلاة فإنَّها تجب على سبيل التراخي دون الفَوْرِ عند عَامَّةِ أهلِ الأصول... (وأمَّا) في الصلاة فإنَّها تجبُ على سبيل التَّضْيِيقِ؛ لِقيامِ دليلِ التَّضْيِيقِ، وهو أنَّها وجبت بما هو من أفعال الصلاة وهو القراءة، فالتحقت بأفعال الصلاة وصارت جزءًا من أجزائها، ولهذا يجب أداؤها في الصلاة] اهـ.
وقال الإمام ابن عابدين الحنفي في "رَدِّ المحتار" (2/ 110، ط. دار الفكر): [تفسير الفَوْرِ عدم طول المدة بين التلاوة والسجدة بقراءة أكثر من آيتين أو ثلاث] اهـ.
وذهب المالكية إلى أنَّ أداءَ سجود التلاوة يكون فَوْرَ تلاوة آية السجدة، ويُكْرَهُ تأخيرُه عنها، إلا لِعُذْرٍ كعدم الطهارة أو وقوع التلاوة في وقتٍ تُكْرَهُ فيه الصلاة كعند طلوع الشمس أو غروبها، ومن قرأها داخل الصلاة فيؤدِّيها في أي وقتٍ كان، كراهةً كان أو غير كراهة؛ لَا سِيَّمَا وأَنَّه تابعٌ لِقراءةِ الفريضة فأشبه سجود السهو، كما يُنْدَبُ إذا تلا الإمام آية السجود في الصلاة السِّرِّيَّةِ أن يجهر بموضعها؛ لِيَعْلَمَ المأمومُ سبب سجود إمامه دَرْءًا لحصول اللبس وظَنِّ المأمومِ خطأ إمامه.
قال العلَّامة عليش المالكي في "منح الجليل" (1/ 335، 336، 337، ط. دار الفكر): [(و) كُرِهَ (مجاوزة) أي: تَعَدِّي محل (ها) بلا سجود عنده (لـ) شخص (مُتَطَهِّرٍ) طهارةً صغرى... (وإن قرأها) أي: آيةَ السجدة (في فَرْضٍ) من الصلوات الخمس ولو عَمْدًا (سَجَدَ) ولو بوقتِ نَهْيٍ عنها؛ لِتَبَعِيَّتِهَا له... (وجَهَرَ) نَدْبًا بقراءة آية السجدة (إمام) الصلاة (السِّرِّيَّة)؛ لِيُعْلِمَ مأمُومِيِه سببَ سجوده فيتبعونه فيه (وإلا) أي: وإن لم يجهر بها وسجد (اُتُّبِعَ) بِضَمِّ المثناة فوق وكسر الموحدة، أي: اتَّبَعَ المأمومُ الإمامَ في سجوده وجوبًا غير شرط عند ابن القاسم؛ لِأَنَّ الأصلَ عدم سهوه... ويسجدها عند محلها سواءٌ كان في صلاةٍ أو غيرها] اهـ.
وذهب الشافعية إلى أنَّ سُجودَ التلاوة يكون عقب تلاوة آية السجدة للمنفرد، وكذا الإمام ما لم يخش حدوث اضطرابٍ وتشويش بين المأمومين بِأَنْ يركع البعض ويسجد البعض الآخر، فإن خَشِيَ الاضطراب بين المأمومين فيُسَنُّ له تأخير سجود التلاوة إلى آخر الصلاة خاصةً في الصلاة السِّرِّيَّةِ حيث لا يسمعَ المأمومُ قراءةَ الإمام.
قال الإمام النووي الشافعي في "روضة الطالبين" (1/ 323): [ينبغي أن يسجد عقب قراءة آية سجدة، أو استماعها، فإن أَخَّرَ وَقَصُرَ الفصل سجد، وإن طال فاتت] اهـ.
وقال الإمام زين الدين المُلَيْبَارِي الهندي الشافعي في "فتح المعين" (ص: 141، ط. دار ابن حزم): [ويُسَنُّ للإمام في السِّرِّيَّةِ تأخير السجود إلى فراغه، بل بُحِثَ نَدْبُ تَأْخِيرِهِ في الجهرية أيضًا في الجوامع العظام؛ لِأَنَّهُ يخلط على المأمومين، ولو قَرَأَ آيتها فركع بِأَنْ بَلَغَ أقلَّ الركوع ثم بدا له السجود لم يجز لفوات محله، ولو هوي للسجود فلمَّا بَلَغَ حَدَّ الركوع صرفه له لم يكفه عنه] اهـ.
وذهب الحنابلة إلى أنَّه يُسَنُّ أداء سجود التلاوة عقب تلاوة موضعه من آيات القرآن، وكراهة الفَصْلِ بين تلاوة موضعه وأدائه بوقت؛ لِأَنَّ بتأخيره عن وقته قد تسقط لفوات محلها، لذلك كُرِهَ تأخيرُها إلى آخر الصلاة.
قال القاضي أبو يعلى الموصلي الحنبلي في "التعليقة الكبيرة في مسائل الخلاف على مذهب أحمد" (2/ 43، ط. دار النوادر): [وكذلك سجود التلاوة لما كان من سننها أن تُفْعَلَ عقيبَ التلاوة، كُرِهَ تأخيرهُا إلى آخر الصلاة قبل أن يُسَلِّم؛ لما يحصل بينها وبين القراءة من الفصل بعدها... فإنَّما لم تُؤَخَّر؛ لِأَنَّه بالتأخير يؤدي إلى إسقاطه] اهـ.
ذهب الحنفية والمالكية في المعتمد، والشافعية والحنابلة في المذهب إلى أنَّ سجودَ التلاوة داخل الصلاة يكون بتكبيرتين؛ تكبيرةٌ للخَفْضِ وتكبيرةٌ للرَّفْعِ، دون رَفْعٍ لليدين، وتَوسَّعَ الحنابلةُ فرأوا أنَّ رَفْعَ اليدين عند النزول لسجود التلاوة مندوبٌ، لعموم ما وَرَدَ عن عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه قال: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ يُكَبِّرُ فِي كُلِّ رَفْعٍ، وَوَضْعٍ وَقِيَامٍ وَقُعُودٍ» رواه الأئمة النسائي وأحمد والدارمي.
قال الإمام زين الدين ابن نُجَيْم الحنفي في "البحر الرائق" (2/ 137، ط. دار الكتاب الإسلامي): [(قوله: وكيفيته أن يسجد بشرائط الصلاة بين تكبيرتين بلا رَفْعِ يَدٍ وَتَشَهُّدٍ وتسليم)... والمراد بالتكبيرتين تكبيرةُ الوَضْعِ وتكبيرةُ الرَفْعِ، وكُلٌّ منهما سُنَّةٌ] اهـ.
وقال الشيخ عليُّ بن خَلَفٍ المُنُوفِي المالكي في "كفاية الطالب الرباني" (1/ 360-361، ط. دار الفكر): [(ولا يسجد السجدة في التلاوة إلا على وضوءٍ؛ لِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ لها ما يُشْتَرَطُ لسائر الصلوات من الطهارتين واستقبال القبلة ويُكبِّرُ لها) في الخفض والرَّفْعِ اتفاقًا إن كان في صلاة، وعلى المشهور إن كان في غير صلاة،... ولا يرفع يديه ولا يَتَشَهَّدُ لها على المشهور (ولا يُسَلِّمُ.. وإن كَبَّرَ فهو أحب إلينا)... (ويسجدها) أي: سجدة التلاوة (من قرأها) وهو (في) صلاة (الفريضة و) صلاة (النافلة) سواءٌ كان إمامًا أو فَذًّا] اهـ.
وقال الإمام العَدَوِي مُحَشِّيًا عليه: [قوله: (ويُكبِّرُ لها) أي: استنانًا على الظاهر كما في بعض شُرَّاح خليل، أو نَدْبًا كما قال الشيخ أحمد الزرقاني وعج] اهـ، والمقصود بـ"عج": الشيخ علي بن زين العابدين الأُجْهوري.
وقال العلَّامة الخطيب الشربيني الشافعي في "مغني المحتاج" (1/ 445، ط. دار الكتب العلمية): [(ومن َسَجدَ فيها) أي: الصلاة (كَبَّرَ لِلْهَوِيِّ) للسجود (وَلِلرَّفْعِ) منه نَدْبًا (ولا يرفع يديه) فيهما، أي: لا يُسَنُّ له ذلك كمن سَجَدَ في صُلْبِ الصلاة، ونوى وجوبًا؛ لِأَنَّ نِيَّةَ الصلاة لم تشملها كما صَرَّحُوا بذلك في تَرْكِ السجدات] اهـ.
وقال الإمام البُهُوتي الحنبلي في "شرح منتهى الإرادات" (1/ 253، ط. عالم الكتب): [(يُكبِّر) في سجود التلاوة تكبيرتين، سواءٌ كان في الصلاة، أو خارجها: تكبيرةً (إذا سَجَدَ و) تكبيرةً (إذا رَفَعَ) كسجود صلب الصلاة والسهو... (ويرفع يديه) نَدْبًا إذا أراد السجود (ولو) كان (في صلاة) نَصًّا] اهـ.
بناءً على ما سبق وفي واقعة السؤال: فإنَّ سُجودَ التلاوة سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ داخل الصلاة وخارجها، ومن مَرَّ بآية سجدة أثناء التلاوة في الصلاة فإنَّه يسجد لها فَوْرَ تلاوة موضعها من القرآن، ويُكبِّرُ تكبيرتين، تكبيرةً للخَفْضِ إلى السجود، وتكبيرةً للرَّفْعِ منه، سواءٌ كان القارئ إمامًا أو منفردًا، دون رَفْعٍ لليدين عند النزول للسجود، ويستوي التكبير سِرًّا أو جَهْرًا، لَكِنَّ الأَوْلَى لمن كان إمامًا أن يجهر بالتكبير لتنبيه من وراءه من المأمومين.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
ما حكم السجود مع وجود حائل بين جبهة المصلي وموضع السجود كالعمامة؟ فصديقي صلى الظهر وهو يرتدي عمامة على رأسه وكانت تَحُولُ بين جبهته وموضع سجوده في الصلاة، وقد سمعت أنَّ الصلاة بهذه الكيفية غير صحيحة. فما حكم هذه الصلاة؟ وهل هي صحيحة أو لا؟
ما حكم قضاء السنن الرواتب؛ فقد قرأت في حديث شريف: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَنْ صَلَّى فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً بُنِيَ لَهُ بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ». وأنا أحرص قدر استطاعتي على أن أصلي الاثنتي عشرة ركعة، ولكني أحيانًا لا أستطيع أن أصليها في وقتها مع الصلوات المفروضة لانشغالي بواجباتي المنزلية، فأصلي الفرض فقط. وأريد أن أعرف هل يجوز لي أن أقضيَ ما يفوتني من السنن الرواتب التي تكون مع الصلوات المفروضة؟
سائل يقول: أعلم أن الإنسان لا يحاسب على أعماله قبل البلوغ، ولديَّ أولاد أعلمهم أداء العبادات والتكاليف الشرعية؛ فهل يثاب الصغار على فعل العبادات والطاعات قبل بلوغ سن التكليف الشرعي؟
ما حكم طهارة من وجد الماء بعد التيمم؟ فقد انقطعت المياه في قريتنا كلِّها للصيانة مدةً طويلة بحيث لا يمكنني الحصول على ماءٍ للوضوء، وحضَرَت صلاةُ الظهر، وانتظرتُ حتى قَرُب موعدُ صلاة العصر، ولم تأتِ المياه، ولا يمكنني الوصول إلى مكان قريبٍ فيه ماءٌ لأتوضأ، فتيممتُ بالتراب لصلاة الظهر، وبعد الفراغ مِن الصلاة مباشرةً سمعتُ صوت الماء في الصنبور، فهل يجب عليَّ الوضوء وإعادة الصلاة؟ وما الحكم إن وجدتُ المياه بعد التيمم قبل الصلاة أو في أثنائها؟
رجل كان يكثر من آداء فريضة الحج والعمرة، ولكنه كان مقصرًا في صلاته، وآداء فريضة الزكاة، فهل يجوز لأولاده بعد وفاته أن يصلوا ما على والدهم من فرائض الصلاة، وأن يخرجوا الزكاة عن والدهم بأثر رجعي؟
ما حكم صلاة الجمعة بأقل من أربعين في زمن الوباء؟
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أما بعد..
فإن من نوازل العصر ومتقلبات الأحوال: جائحة كورونا التي أصابت العالم بأسره، أسأل الله تعالى السلامة منه لجميع الناس.
وهذه الأزمة تجعل المتغيرات إلى المرونة والتمسك بيسر الدين الإسلامي وملامح رحمته ومحاسن تشريعه، فيما نقوم به من الطاعات كالجمعة والجماعة والتجمع لأداء العبادات والتباعد في الصفوف، وتقليل عدد التجمع في الأماكن العامة ودور العبادات.
وقد أعلنت وزارة الصحة التابعة لسيريلانكا والجهات المختصة بمنع التجمع بأكثر من خمسة وعشرين شخصًا في الأماكن العامة ودور العبادات، وفي إطار هذه الأزمة أفتت هيئة الإفتاء التابعة لجمعية علماء سيريلانكا بإقامة الجمعة في أماكن مختلفة، وذلك بناءً على جواز تعدد الجمعة في بلدٍ واحدٍ عند الحاجة في المذهب الشافعي.
ولكن لا يزال العلماء يناقشون مسألة التجمع بأقل من أربعين رجلًا في هذه الحالة الراهنة، علمًا بأن المعتمد في المذهب الشافعي أن الجمعة لا تنعقد إلا بأربعين رجلًا فأكثر، فاختلفت آراء العلماء على اتجاهين:
الاتجاه الأول: الإنكار بإقامة الجمعة بأقل من أربعين رجلًا؛ اعتمادًا على القول الراجح المعتمد في المذهب الشافعي، وتعليلًا بأن العدد غير مكتمل.
الاتجاه الثاني: تنفيذ إقامة الجمعة بالعدد المسموح؛ تعظيمًا لشعائر الله، ومراعاة للمصلحة الدينية.
وبينما هو كذلك قد عثرتُ على مخطوطٍ لعالم جليل وعلم من كبار علماء سيريلانكا، وركن من أركان علم الفلك، ومؤسس الكلية الحسنية العربية الشيخ العلامة عبد الصمد رحمه الله، الذي كان رئيسًا لجمعية علماء سيريلانكا فترة طويلة، وله عدة مؤلفات من المطبوع والمخطوط.
وقد ألف كتابًا في عام 1912م، بخطه وسماه بـ "ضوء الشرعة بعدد الجمعة"، وقد ناقش الأدلة والآراء ورجح القول بأن الجمعة لا تنعقد إلا بأربعين رجلًا فأكثر.
وما حاصله: وإذا كان أهل البلد أقل من الأربعين، فإن كانوا (الشافعية) بأربعة فصاعدًا وأرادوا تقليد الإمام أبي حنيفة في صحة الجمعة بأربعة، فيجوز أن يصلوا الجمعة إن قلدوه تقليدًا صحيحًا؛ بأن يحافظوا كلهم على جميع الشروط المعتبرة عنده، ولكنه تُسنّ إعادتها ظهرًا خروجًا من الخلاف القوي. وإذا أرادوا أن يعملوا باختيار بعض الأئمة الشافعية في صحة الجمعة بدون أربعين وصلوا الجمعة فلا بأس بذلك، ولكن يلزمهم أن يعيدوا الظهر بعدها لوجوب العمل بالراجح، فإن لم يعيدوا الظهر جماعة أو فرادى فينكر عليهم إنكارًا شديدًا.
أطلب من سماحتكم إبداء موقف دار الإفتاء في إعادة الظهر بعد الجمعة: هل هي لازمة إذا عملوا في هذه المسألة على المرجوح في المذهب الشافعي؟ أو هل هي مسنونة إذا قلدوا في هذه المسألة مذهب الحنفية أو المالكية حفاظًا على جميع شروطهم؟ ولكم جزيل الشكر ومن الله حسن الثواب.